الأديبة المغربية مريم بن بخثة
على الصخرة المقابلة للسكة الحديدية كل يوم في نفس الموعد. يجلس عليها ويظل هناك يراقب دون ملل أو كلل القطارات الماضية أو القادمة من كل الاتجاهات. لا يغير جلسته ولا يتحرك، ساكنا إلا حين يقرصه الجوع يفتح علبته البلاستيكية ويخرج إبريق شاي بارد وكسرة خبز يابس وبعض الجبن أو البيض المسلوق وعيناه لا تغادران القطارات المحملة بكل الأجناس والأحلام والحكايات.
حين يأتي الظلام وتحيط العتمة بالمكان. يغادر صوب عشته، غرفة هي أشبه بجحر، أثاث قليل رث وبعض الأغطية الفانية مركونة جانب لوح خشبي يحوله ليلا إلى سرير.. يلقي عليه جسده المنهد… وعليه يشاهد شريط ذكرياته وأمانيه.. إنه سرير الأحلام.
وحين يغرد بلبل الصباح بنهار جديد يغادر عشته محملا بشاي وخبز يابس تتركه له إحدى جاراته التي تشفق عليه والتي لا تنتظر أن يشكرها على معروفها، فهو لا يكلم أحدا ولا أحد يكلمه، يصوم كل من في حارته… يدع العالم المحيط به يعيش بسلام.
حين يصل يجد الصخرة باردة تنتظر دفء ردفيه الضعيفتين وحصيره المصنوع من الوبر ليعانق مشهده اليومي المتكرر.. مشهد القطارات في ذهابها وأوبتها. لا يكثرت بما حوله فقط هوسه الوحيد تلك القطارات التي تحرق النهار والزمن وتأخذ أناسا وتأتي بأناس. حين حل الليل تململ من مكانه وغادره إلى جحره ..
ذات صباح جاءت تحمل له خبزا وبعض الجبن الذي آثرته على نفسها. وجدت خبز الأمس في مكانه هالها الأمر فما ترك الخبز ولو مرة واحدة. توجست شرا هرعت إلى العشة نادت ثم نادت ثم طرقت ولا مجيب. دفعت الباب فانفتح بيسر وسهولة، دلفته مسرعة كانت الغرفة مبعثرة عن آخرها وكأن عاصفة طوحت بكل الأثاث وبعثرته عن آخره .
كعادتها ظلت الصخرة مبللة تنتظر دفء صاحبها ومؤانسته لها رغم صمته الذي تعودته. وجاء ليل وليل وليال وصارت الصخرة تعانق العراء في كل أوقاتها ولا طيف يحلق في الأجواء ولا زائر يزعزع السكون ولا متأمل لرحيل القطارات، وحده الصمت كان يعلم عمق الحكاية