بقلم: الأديبة المغربية مالكة عسال
صبيحة ليلة القدر من كل عام، يقوم المغاربة بزيارة مقابر للترحم على أهاليهم ومعارفهم، والدعاء لهم بالمغفرة “ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر” الآية الثانية من سورة التكاثر (صدق الله العظيم)، وبدوري حركتني الهواجس الصاخبة، والذكريات المتوثبة من مغارة النسيان، لأحمل آخر قشة من إرادتي، وأنساق خلف خطاي، قاصدة مقبرة الشهداء لأهمس في أذن أبي، وأذكّره بالذي مضى، وأخبره بالآتي:
أبتي
أتيتك بروح شاردة
تملؤها حدائق القلق
وجسد غزاه نسر الأتعاب
أزف إليك الأيام المجنحة بالوجوم
الزاهدة فينا
توغلت في الزقاق المؤدي إليها، فإذا بما يشبه السوق الأسبوعي، يلقي بظلاله أما م أبوابها، تتنوع البضائع ما بين أواني الفخار والبلاستيك والمعدن والملابس على اختلاف ألوانها، ولا أدري ما علاقة المطبخ بجثث تتنفس تحت رموسها ؟؟؟، كانت أصوات الباعة تتعالى، وعبارات البؤس من لدن المتسولين تتلاحق، وأنا عرقي يتصبب، وخطاي تتسارع، والحماس ينضح من محياي، وجسدي منجذب بخيوط اللهفة والشوق إلى لمسة من قبر والدي، وترتيل على مسامعه آيات من الذكر الحكيم، وريّ قبره بأدعية الرحمة والمغفرة.. تخطيت زقاقين ألقيت فيهما تحيتي على الأموات، الذين هم أحياء حقيقيون في نظري، لأنهم سكنوا أوطانهم آمنين، بعدما تملصوا من متاعب الحياة، وتسلطها وقهرها..
أسوق إليك
خبر الأوقات المختزَلَةِ في الصفقات
المخبولة بالنغص في أرقى منازله
أحدثك عن اللحظات المشَرّدة
بين غرف التزييف والتمويه…
اخترقت الأبواب في اتجاه جناح أبي، محملة بقنينة ماء الزهر، وباقة من الرياحين، يرافقني طفل بدلوي ماء، وفقيه ينغلق صدره على ما تيسر من القرآن، من قال أن أبي سيبتسم كالمعهود بإطلالتي، كما فرح ذات مغص أمي، برؤيتي النور في حضنه من بين سبعة ذكور.. أبي الذي لم يعلمني كيف أمسك الدمية، ولا كيف أتهيأ لأكون زوجة صالحة، وأمَّ أولاد في المستقبل؛ لكن علمني مراوغة شيطنة كرة القدم، وحماقة اللعب بالخذروف “هذا هو “عَزْرِيّ” الذي سأستند عليه في المستقبل”.. “بنتي ستصبح طبيبة، وتداويني”….
ـــ يا لوالد وها ابنتك لاهي طبيبة ولا مهندسة، بل هي مربية أجيال، زاولت مهنتها في حي شعبي، فتجرعت من كؤوس المهمشين، وارتوت من نخب البؤساء حتى الثمالة، وناحت مع الجوعى، وتألمت مع المعطلين.. وغادرت المؤسسة، وفي قلبها مديات موجعة تنقر شغاف القلب بين والحين والآخر..
أبتي
لم تعد تغريني حياة
تقض مضاجع الشروق
ومطر بأقراص السّخم تهاطُل
وهواء بالعلل تَفَجّرَ
وماء من معدنه تنصل
دخلت المدينة الفاضلة، التي خلقها ربي فسوى بين سكانها، إذ جعلهم جميعا تحت دكّة الظلام، وحوَّلَ أجسادهم جميعا طعما للديدان، لا فرق لديه بين الغني والفقير، ولا بين الأبيض والأسود؛ غير أن العبرة لمن لا يعتبر لدى البعض، الذين تراموا ليؤسسوا تحت التمييز، قصورا وهمية تَلم أمواتهم في مكان واحد محدد، وكأن التربة ليست مغربية، أو يخشون عليهم من التيه.. فعلُوها في الحياة، ويكررونها حتى بعد المماة مع الأسف… بل ووصلت الدناءة بالبعض إلى تحويل شوارع المقبرة قبورا عن طريق الزبونية والصداقة، فوضى فرضت نفسها بعشوائية يعسُر معها الدخول لزيارة قبر قريب، أو فرد من الأسرة، ولا أدري أين المسؤولون، ولا كيف تسلل هذا السلوك الأناني إلى البعض ؟؟
أبتي
نفحة من أشباح البشر
يُنصّبون أنفسهم آلهة البعث والعبث
في سماوات الخطيئة يجازفون
أعلنتُ هيمنتي على جحافل النبتات الشائكة، وبعض الكروم الهائجة والطفيليات المنفلتة، أغزو المقبرة منطقة منطقة، حتى استوقفني قبر أبي، شتان بينه وبين مقبرة الحاج العلمي، ومقبرة الحاج كسوس، تخلى القبر عن شاهدته، لا أدري أين رماها بغضب.. لولا الكرمة المتوحشة التي فاضت بأغصانها حوله لتُهت عنه، تمدّه بسخاء بظلال وارفة دون حساب، كيف لا وهو المحب قيد حياته للأغراس بمختلف أنواعها..
أبتي
الوجوه المبتهجة
توردت بالشؤم والكآبة
والأذهان الناضجة كلّلها الفراغ
وأنا يا أبتي
أمد يَدَيّ للصقيع
قمت بالواجب كما الزوار، غمرته بالماء، وغرست باقة الريحان، وتلوْت بعض الآيات القرآنية، وأكمَلَ الفقيه طقوسي بمتابعة ترتيل القرآن وقراءة بعض الأدعية، أتمنى أن يستجيب الله لها.