الدرس السوسيولوجي والبحث العلمي

بقلم /الفضيل العيرج

 

 

تقديم :

لكي نتناول هذه الإشكالية بالدراسة والتحليل، خاصة فيما يتعلق بالحالة المغربية، سنتعرض في هذه المداخلة لبعض الدراسات السوسيولوجية سواء كانت مغربية أو عالمية واستجلاء كيف يمكن أن نوازي بين التدريس والبحث. وهل فعلا هناك انفصال بينهما أم أنهما متوازيان؟ وكيف يمكن أن نغذي دروسنا بما نمارسه من أبحاث في ميادين السوسيولوجيا المتعددة، هل هناك مدرسون للسوسيولوجيا بجانب آخرين يعتبرون باحثين؟ ما معنى بحث علمي في ميدان السوسيولوجيا؟ وما معنى درس سويولوجي؟

سنحاول أن نعالج هذه الإشكالية العلمية من خلال تناول تجارب ومواقف بعض الباحثين الرواد في السوسيولوجيا المغربية مع الاسترشاد بباحثين سوسيولوجيين على المستوى الاروبي، وإبراز خلاصات نراها أساسية من وجهة نظرنا لتجاوز الانفصال بين البحث والدرس.

1-الدرس السوسيولوجي :

في البداية لابد وأن نشير إلا أنه من الصعب في ميدان السوسيولوجيا المغربية وضع حدود فاصلة ما بين الحقول التخصصية و الميادين البحثية فكثير من الباحثين يخلطون بين أنواع متعددة حيث هناك التباس في الحدود الفاصلة ما بين السوسيولوجيا والتخصصات الأخرى، فلم يتحقق بعد إستقلال الحقول بعضها -عن بعض. هذا من جهة، ومن جهة  أخرى فإن ولادة السوسيولوجيا ليست ولادة شرعية نظرا لارتباط ظهورها بالمرحلة الاستعمارية حيث كانت في خدمة المستعمر فتم استخدام السوسيولوجيا كتأطير علمي لهذا المشروع الاستعماري. ولهذا فإن سوسيولوجيا ما بعد الاستقلال توجهت بالنقد والتفكيك للمذاهب والمناهج والتصورات والأطروحات المختلفة التي خلفتها هذه السيوسيولوجيا الاستعمارية، ذلك أن جل الباحثين الرواد المغاربة حاولوا أن يضعوا مسافة بين أبحاثهم وبين البحوث الكولونيالية (الخطيي، النقد المزدوج، جسوس- باسكون).

وهذا ما دفعنا بطبيعة الحال إلى التركيز في هذه المداخلة على نموذجين نعتبرهما بمثابة الرواد الأوائل للبحث السوسيولوجي المغربي ما بعد الاستقلال، إنهما يعتبران بمثابة مؤسسين لما يمكن أن نطلق عليه مدرسة سوسيولوجية مغربية وهما محمد جسوس وبول باسكون.

–درس محمد جسوس.

في كتاب رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب ([1]) يؤكد جسوس  على أن من أهم أهداف الدرس السوسيولوجي  نشر العقلانية فكرا وممارسة وسلوكا وأيضا على مستوى القيم. ولإبراز حاجة المجتمعات العربية لهذه المرحلة قام بتوضيح أسس العقلانية في الغرب ويبين كيف تعامل معها المفكرون العرب والإحباطات على مستوى تنزيل العقلانية ممارسة وفكرا على المستوى الواقعي. في نظره ارتبط تاريخ المجتمعات الغربية ببعض الثوابت التي شكلت منطلقات ومسلمات اعتمدت عليها مختلف الاجتهادات الفكرية ولخص هذه الثوابت في خمسة مبادئ هي :

  • مبدأ وحدة البشرية فيما يتعلق بماهيتها والأدوات الضرورية لمعرفتها.
  • مبدأ معقولية العالم : فهو لا يخضع لقوى سحرية أو غيبية، بل له منطق خاص وأن كل ما يحدث فيه يتم حسب نظام يتميز بالحتمية والضرورة أي كل ما يوجد في الكون قابل للفهم وخاضع لسلطة العقل.
  • مبدأ عقلنة العالم : ليس العقل فقط أداة تساعد في التعامل مع الواقع، بل أن العقلنة سيرورة تاريخية فعلية وهي عملية تاريخية تمس جميع مجالات الحياة وهي أرقى الحلول التي تسعى الجماعات الإنسانية بلوغها.
  • مبدأ التقدم : كل ما يحدث في الكون يسير بالإنسان نحو التقدم من خلال تحكم الإنسان في الطبيعة أي أن هناك انتقال من الأدنى إلى الأعلى.
  • مبدأ المكانة المركزية الأساسية التي يحتلها الغرب والفكر الغربي على الصعيد العالمي ؛بحيث يشكل أعلى ما وصلت إليه البشرية في صيرورتها نحو العقلنة ونحو التقدم ؛ومن تم يعتبر الغرب بمثابة طليعة التقدم التاريخي وتجسيدا لصيرورة العقلنة والتقدم وبالتالي يعتبر نموذجا حتميا وضروريا لباقي الشعوب والتي ينبغي لها أن تقتبس منه إن هي إرادات الإندماج في هذه الصيرورة العامة نحو التقدم والعقلنة.

أصبحت هذه الثوابت تشكل أرضية مشتركة لكل الانتجات الفكرية والتاريخية وفرضت نفسها على كل الثقافات والحضارات. ومن هنا في نظره لا يمكن أن نتحدث عن قطيعة أو تجاوز لأنها تتم انطلاقا من نفس المكونات الكبرى، ومن تم فإن الذين تحدثوا عن القطيعة في العالم العربي لم يعملوا إلا على إعادة تركيب للبنيات الكبرى التي اعتمدت عليها الحضارة، الغريبية والفكر الغربي لأن القطيعة في نظره تقتضي طرح عقلانية بديلة أو تصور جديد للعقلانية وموقف جديد من التقدم ومن مسألة وحدة البشرية ومن مسألة معقولية العالم وموقف جديد من مركزية الغرب ([2]).

وفي نظره فإن كل الذين تحدثوا عن الخصوصية وعن القطيعة لم يأتوا بجديد فيما يتعلق بهذه الثوابت وكل ما فعلوه هو تبني الماركسية لنقد. الموافق البنيوية أو الوظيفة، مع عدم الانتباه إلا أن هذه الطروحات المتعارضة، هي متعارضة فقط على مستوى التركيب وليست متعارضة على مستوى الأسس التي تعتمد عليها، وبالتالي فإن من يعتمد على هذا النوع من الطروحات لا يمكن في أحسن الأحوال إلا أن ينتج تركيبا جديدا داخل نفس المنظومة العامة التي تعتمد على نفس الأسس.

 

وحسب جسوس فإن العالم العربي لم يتوصل بعد إلى تحديد مشروعه للمستقبل الحضاري والمجتمعي لأن مسألة إختيار مآله الحضاري والمجتمعي لازالت معلقة وتشكل موضوعا للصراعات  والخلافات، فهناك صيرورة وحركية حطمت الحضارة العربية الإسلامية كما كنا نعرفها سابقا، إلا أن الفئات المسيطرة والمفكرين لم يتوصلوا بعد إلى تحديد الحد الأدنى لمنطلقات التفكير والتي لا يمكن أن تكون إلا على شكل المراهنة على المستقبل، وبالتالي لا يمكن تصور إعادة بناء شيء تم تجاوزه تاريخيا ومن تم فإن المطروح على الشعوب العربية هو خيار الحداثة والإندماج في التاريخ، ومن تم فإن الاختيارات المطروحة أمامنا هي أي نوع من الحداثة يلائمنا ويتجاوب مع حاجياتنا أكثر من غيره؟.

إذن هناك صيرورة لا مفر منها ولا يمكن تركها للصدفة والعفوية فلابد من تحديد ضوابط تجعلنا نستفيد من هذا الزخم التاريخي.

والحل الوحيد الممكن هو الاندماج في هذه الصيرورة حسب جسوس ومن تم يركز على ضرورة الاهتمام بدرس ماكس فيير وفرويد، باستلهام طروحات فيير حول العقلنة والعقلانية والاستفادة من تفسير فرويد للمرضي والسوي وأن الفروق بينهما -السوي – المرضي – ليست سوى فروق كمية وليست كيفية، فالفرق هو فقط في التركيب وليس في العناصر، لأن كل إنسان يحمل في ذاته عناصر يمكن أن تؤدي إلى اختلاله كما بجمل عناصر يمكن أن تمكنه من تحقيق التوازن. وحسب هذا المنظور يرى فرويد أن المريض هو ذلك الذي يظل أسير مراحل سابقه في تاريخه الخاص ولم يعرف كيف يتجاوز أو يتعامل مع الموروث أو الماضي. أي لم يتحرر من ماضيه، والذي يعيش الحاضر كما لو كان إعادة إنتاج لأحداث سابقه والعلاج حسب فرويد هو إجلال الأنا محل الهو أي إرجاع الأشياء إلى مكانها وسياقها ([3]).

ولهذا يرى جسوس أن أسباب فشل العقلانية أو تعثرها في العالم العربي هو أنها انطلقت من أرضية ومن تركيبات أنتجها تاريخ المجتمعات الغربية فتحولت تلك التركيبات إلى حقائق علمية وعندما عجزوا عن تبييئتها، وتجديد هذه الطروحات وهذه التصورات تحدثوا عن فشل العقلانية في حين أن الأمر لا يتعلق بفشل العقلانية ولكن بشكل من بعض التحليلات التاريخية لتلك العقلانية.

لأن العقلانية تحتاج إلى حركة واسعة تجعلها شيئا معيشا بالنسبة للناس في سلوكاتهم وفي علاقاتهم مع أنفسهم ومع غيرهم. وهذا البناء الداخلي للعقلانية غير متوفر الآن في العالم العربي.

فالعقلانية الأوروبية مثلا لم تكن نتاج أفراد، بل كانت حركة واسعة مست مختلف الفئات الاجتماعية ومختلف مرافق الحياة لأنها كانت تعتمد على قوة دافعة أساسية وعلى شروط جعلتها تكتسح أقصى ما يمكن من مكونات الواقع.

بحيث انهارت التحليلات المجتمعية والتاريخية للمقدس والتي كانت تفرض حدودا على كل حركة أو تغيير في الواقع وفي الفكر بأن لا يتجاوز مجالا معينا، حيث ارتبط ظهور العقلانية في أروبا  بظروف أصبحت فيها الكنيسة عاجزة عن تسيير المجتمع  ؛وعجز الكنيسة ظهر واقعيا قبل أن يطعن فيه فكريا. كما تراجعت التجليات الكبرى لمجالات المقدس الفيودالية – النبلاء- باعتبارها تجسيد للمقدس في المجال الاجتماعي، وفي نفس الوقت ظهرت قوى جديدة من مصلحتها الدفع بالعقلانية إلى أقصى ما يمكن.

هذين العنصرين غائبان في العالم العربي حيث لازال العرب تحت سيطرة التراث وهذه الاستمرارية للماضي ولتعبيراته وتركيباته معناها أن المقدس لازال له تواجد في العالم العربي ومن تم سيشكل أحد أهم العوائق البنيوية أمام تحول العقلانية من مجرد فكرة إلى حركة اجتماعية وإلى صيرورة تاريخية. في الغرب كل المجالات لها استقلال نسبي وتخضع لمنطقها الخاص – معرفة – علوم – سياسة إخلاف.. أما في العالم العربي فإن نفس المجال يخضع لمرجعيات متعددة ومتعارضة فيما بينها.

 

فنحن في وضعية نتميز بتعارض بين جدلية الواقع وجدلية الوعي. الواقع يعرف حركية وتغير أكثر تطورا وأكثر قابلية لاختيار سلوكات، في حين أن الأدوات التي تؤطر الوعي والأحكام أكثر التصاقا بالماضي بالمقدس، فحولت التراث من مجرد موروث تاريخي إلى قيمة أزلية ونهائية. ويظهر أن هذا الأشكال، أي عدم استقلال العديد من المجالات، والتعارض بين الوعي وبين السلوك، هو الذي يعوق بروز حركة عقلانية واضحة.

 

-مفهوم البحث العلمي لدى جسوس :

في نظره فإن البحث السوسيولوجي هو كل بحث أو تكوين يستعمل كإطارات مرجعية وكأدوات أساسية له التراث السوسيولوجي المعروف على الصعيد العالمي، أي استعمال المفاهيم والاستدلالات والآليات التي يوفرها هذا التراث ([4]).

فإذا كانت السوسيولوجيا الكولوينالية قد ركزت على ما يساعد على تثبيت السيطرة الاستعمارية كدراسة القبائل، الإسلام الشعبي فإنها السوسيولوجيا ما بعد الاستقلال تطرقت لقضايا جوهرية لم تتعرض لها السوسيولوجيا الكولونيالية مثل الحركة الوطنية- الحركة السلفية- الإنساق الفكرية والثقافية العامة السائدة داخل المجتمع المغربي والتطرق لمسألة الترابية الاجتماعية- أجهزة الدولة…

ما ميز الانتاح السوسيولوجي المغربي هو طابعه العلمي والحرص على احترام الإجراءات العلمية على مستوى المنهج والمفاهيم وعلى مستوى تطوير الأدوات وأساليب العمل، ومن تم في نظره يمكن أن نتحدث عن مدرسة سوسيولوجية مغربية ساهمت في بروزها وترسيخها مجموعة من الشروط من أهمها :

  • الابتعاد لجيل الباحثين اليوم عن النازلة الاستعمارية.
  • أن السوسيولوجيا اليوم تعرف مرحلة زعزعة الأجهزة النظرية الكبرى التي كانت سائدة على الصعيد العالمي، فالكل يحث عن أدوات جديدة يمكن أن تكون أكثر ملاءمة لتحليل الأوضاع الجديدة على الصعيد العالمي.

وفي نظره مر الباحثون السوسيولوجين المغاربة في مرحلة أولى بنوع من سيطرة الهواجس النظرية ومن الجدالات والصراعات النظرية الكبرى فأدى ذلك إلى إفراز عدد كبير. من الملامح، وما يحدث حاليا هو الانتقال هي مرحلة موالية تتميز بضمان أقصى ما يمكن من الترابطات ما بين المعطيات المتوفرة والتي تم التأكد من صلاحيتها وأقصى ما يمكن من أدوات التنظير والتحليل التي وقع حول النقاش من جهة أخرى.

 

-درس بول باسكون.

ارتطبت بداية السوسيولوجيا في المغرب  المستقل باسم بول باسكون، وكانت مساهماته أساسا في السوسيولوجيا القروية، حيث كان يعتقد أن علم الاجتماع القروي هو علم فتي لا يتعدى تأثيره آنذاك بعض الحلاقت الضيقة للجامعيين وأطر الإدارات ورجال السياسة، ولم يتمكن من التخلص من محيطة الجامعي ولا أن يكون مستقلا عن السلطات العمومية لأن الدراسات الوحيدة الممكنة كانت هي تلك المرخصة لها من طرف السلطات العمومية، وهذا ما جعل علم الاجتماع القروي آنذاك في خدمة الفئات السائدة، وهو في نظر لم يختلف كثيرا عن السوسيولوجيا- الاستعمارية، كما أن السلطات العمومية كانت ترغب في وصفات رخيصة الثمن وذات مفعول عاجل، في حين أن الدراسة العلمية تتطلب مواصفات دقيقة ([5]).

 

أما فيما يتعلق بالعلاقة بين التدريس والبحث فإن بول باسكون ([6]) يؤكد أن الدراسة العلمية المتأنية تتطلب التوفيق بين التدريس والبحث، كتدريس السوسيولوجيا القروية ومتابعة أبحاث شخصية في هذا الميدان، وتغذية الدروس من هذه الأبحاث نفسها معنى ذلك أن بول باسكون ليس لديه فصل بين البحث التدريس، وهو ما حاول أن يكرسه في ممارسته كأستاذ وباحث ومرره أيضا لطلبته خاصة الطلبة المهندسين، وهذا ما دفعة إلى تركيز اهتمامه على كيفية ممارسة البحث من حيث تحديد العلاقات والروابط ما بين المنطلقات والنتائج وآليات ممارسة البحث الميداني. فحاول أن يقارن بين ممارسة البحث في بعض العلوم الحقة كالبيولوجيا والكيمياء وبين العلوم الإنسانية  .في البيولوجيا مثلا أثناء إجراء تجربة يشرع الباحث في وصف شروط محاولته وصفا دقيقا، أما في الكيمياء فإن الباحثين يخفون ممارساتهم ولا ينشرون إلى النتائج، فساد الاعتقاد بأنهم يملكون إصرارا؛ والعلوم الإنسانية نفسها لازالت في مثل هذه الوضعية حيث تم تقديم النتائج وإخفاء الكيفية التي تم التوصل بها إليها؛ وفي كثير من الأحيان يتم التظاهر بتلبية الشروط العلمية الموضوعية باللجوء إلى كثرة الاستشهادات والإحصاءات… هذا الاعتقاد هو الذي يدفع بعض الباحثين إلى التركيز على النظرية واحتقار المعطيات الميدانية والاكتفاء بالاستشهادات بما تعتبر ثقات- فلان وفلانا؛ ولهذا يؤكد بول باسكون على أهمية ملاحظة الوقائع وهذه الملاحظة نفسها لا تتم إلا انطلاقا من خلفيات ومسلمات قبل الشروع في التحقيق من الفرضيات، ومن تم فإن جمع المعطيات يخضع لتأثير النظريات و الأحكام المسبقة وبالتالي لا وجود لملاحظة محايدة ([7]).

ولهذا ينتقد بول باسكون التفسيرات التبسيطية التي تتحدث على سبب وحيد وعن تطور خطي كما ينتقد تلك المحاولات، التي تفصل بين النظرية والواقع من خلال التمييز بين الوصف والنظرية حيث تتحدث عن تدرج من الأدنى إلى الأعلى؛ إذ أعتقد كثير من الباحثين أن الوصف هو أدنى درجات المعرفة وهو يقصي التنظير ؛أي لا وجود لنظرية ضمن الوصف. وهذا رأي خاطئ لأن كل نظرية إلا ونتضمن نظرية مستثرة أو صريحة، والوصف ليس سوى طريقة لعرض النظرية، كما أن النظرية لان نقضي الوقائع بل تتضمنها، إلا أن هناك اعتقاد خاطئ وهو أن الوصف يمثل مرحلة دونية أو يدوية ضمن أنشطة البحث ؛ لحظة ضرورية؛ ومضنية وذات مردودية قليلة، في حين يعتبر الكلام عن النظرية نشاطا نبيلا يرقى بصاحبه على أعلى درجات العلم.

وكثير من الباحثين المبتدئيين يحاولون إرتقاء سلم النجاح بسرعة من خلال احتلال حقل النظرية تاركين حقل الوقائع، فيعودون إلى وقائع الآخرين ويحاولون إعادة صياغة نظريتها. كما أن كثيرا من الأعمال تبدأ  بالتعليق على كبار المنظرين وتمزج بين الإنشاء المدرسي الذي يبرهن فيه التلاميذ على أنهم قرأوا المؤلفات الكبرى وفهموها، وبين إنجاز البحث في معناه الدقيق أي الانطلاق من فحص الواقعي بشكل دقيق. فكل نظرية في نظر باسكون تنير جوانب وتخفي جوانب أخرى ودور الباحث هو أن يكتشف أين أخطأت تلك النظريات وما عجزت عن تفسير ولهذا يجب أن نكون قادرين على ملاحظة الظلال التي تحملها تلك النظريات لكي لا نعوق دراستنا للظواهر بشكل دقيق ([8]).

2-عوائق ممارسة البحث السوسيولوجي :

-تجدر الإشارة أولا إلى أن المشكلة التي نواجهها كباحثين في ميدان السوسيولوجيا هي انعدام التخصص، بحيث تسند لكل سوسيولوجي أي مادة من مواد التدريس، وهذاما يجعل التخصص لا يتعدى نطاق تحضير الرسائل الجامعية، وبالتالي لن يستطيع أي  واحد منا تطوير مجال تخصصه، لا نظريا ولا ميدانيا وأحيانا حتى على مستوى التدريس. ويتكرس هذا التصور الموحد لفروع السوسيولوجيا، حتى مستوى التوظيف حيث غالبا ما تكون المباريات في منصب في علم الاجتماع دون تحديد أي مجال. من المجالات والفروع المتعددة للسيوسيولوجيا .هذه الوضعية هي التي جعلت في نظرنا الدرس السوسيولوجي يطغى على البحث، بالإضافة إلى عوامل أخرى ترتبط بشروط وآليات للتوظيف والتكوين في مجالات الدكتوراه والتي لابد من الأخذ بعين الاعتبار فيها تلك العلاقة الجدلية بين البحث والتدريس بالنسبة لطلبة الدكتوراه أننفسهم.

-هناك أيضا مشكل مأسسة البحث العلمي: والذي يستدعي هياكل قائمة بالمؤسسات الجامعية ذات استقلال مالي وإداري، وهذا ما يدفعنا إلى ضرورة التنبيه كما بين ذلك الرواد في علم الاجتماع أنفسهم إلى خطر الانجرار وراء دراسات الخبرة والاستشارة والتي غالبا ما تلغي كل شروط البحث العلمي، لأنها تكتفي بالعموميات والأهداف النفعية المباشرة. وفي هذا الصدد نسترشد بآراء الباحثة السوسيولوجية البلغارية وموقفها من البحوث أو الأبحاث حسب توجيهات الاتجادالأوروبي. فحسب سفيلتاكوليفا seveltat koleva ([9]) فإن اندماج يلدان أروبا الشرقية؛ أدى في مجال البحث السوسيولوجي إلى سيادة وطغيان المشاكل الأوروبية على حساب الاهتمامات المجتمعية الوطنية، وإلى سيادة مطالب التطبيق والمردودية على حساب التدقيق العلمي والتحقق من النتائج، وهذا ما يستوجب إعادة النظر في الوضعية الابستيمولوجية للسوسيولوجيا.

فحسب هذه الباحثة ؛فإن تأسيس الإطار الأوروبي كمجال لتجاوز الحدود المذهبية والوطنية على المستوى العلمي والسياسي والتنظيمي لأنشطة البحث السوسيولوجي؛ نتج عنه انزياح للمركز الموضوعاتي للأبحاث من المشاكل الوطنية نحو المشاكل العابرة للأوطان ؛أي أن البعد الأوروبي للأبحاث يسمح بتجاوز مشكل التمايز الوطني، وفي نفس الوقت يجعل نتائج هذه الأبحاث قابلة للتطبيق، فتفضل الإشكالية الأوروبية لتجاوز ما هو وطني ومحلي، وهذا التعارض بين الوطني وبين العابر للأوطان يؤدي إلى إعادة تركيب الأطر الموضوعاتية والتنظيمية للبحث ؛وبالتالي تعديل عملية بناء وإنتاج المعارف العلمية، لأن أهداف البحث المسماة وطنية تعبر عن الأولوليات المشتركة بالنسبة للعلم ؛وهي أساسا تلك المحدد مسبقا والمفروضة إداريا بواسطة برنامج الإطار للاتحاد الأوروبي. ومعنى ذلك تفضيل المشترك على الوطني أو الخاص، حيث سيتم إهمال أجزاء كاملة من المتغير المحلي للمشكل الأوروبي، بل سيتم استبعادها، وأكثر من ذلك فإن وضع مؤشرات مشتركة ومتغيرات وإطارات تفسيرية تم تشكيلها من طرف الفريق المشرف على البرنامج سيؤدي إلى إعدام الخصوصيات المحلية ([10]).

ونظرا لكون هذا النوع من الأبحاث موجه بالضرورات النفعية من أجل إيجاد حلول مشتركة قابلة للتطبيق في سياقات متنوعة من طرف المؤسسات الوطنية ومن طرف مستعملي هذا البحث، فإن الفرق الوطنية والدولية لا تتساءل خلال دراستها لسياقات مختلفة حول كيف يمكن إنتاج معارف ذات صلاحية كوفية. ومعنى ذلك أن سياق إنتاج المعارف وسياق استقبالها منفصلين كما أن هذا لا يحتل إشكالية بالنسبة للبحث، وهذا ما يبين لنا أن هناك إنشطار ما بين البحوث الجامعية والأكاديمية وتلك الدراسات التي تقوم بها التنظيمات الغير حكومية والتي تحظى بدعم مالي أجنبي.

هذه القطيبة في مجال إنتاج المعارف حول الاجتماعي هي جد مقلقة لأن ذلك يؤدي إلى تفاوت في الوصول إلى دوائر اتخاذ القرار على المستوى الوطني أو الدولي، فالشركات المتعددة الجنسية في العلوم الاجتماعية، والتي تحظى بتظافر سلط لتخصصات مختلفة ومتعددة تنحو لإنتاج معارف مركبة ومؤهلة للتطبيق عبر العالم في استقلال عن الخصوصيات الوطنية أو تحجيم الخصوصي إلى حد جعله غير قابل للفهم، في حين تبقى المعارف الأكاديمية منحصرة في العالم الضيق للباحثين والجامعيين والموجهة لتغذية المتن العلمي.

خلاصة إذن كما أشار إلى ذلك الباحثون الرواد أنه لابد من الربط بين الدرس والبحث أما عن طريق تحويل القضايا التي ندرسها إلى إشكاليات وموضوعات للبحث الميداني أو عن طريق المزاوجة في الدرس نفسه بين المعطيات النظرية وما تمدنا به الدراسة الميداية من معلومات وإفكار تخدم النظرية وتغذيها.

 

وفي نفس الوقت لابد من احترام شروط البحث العلمي بالابتعاد والحذر كما أشار إلى ذلك الباحثون في السوسيولوجيا من تلك الدراسات التي تتعلق بالاستشارة والخبرة نظرا لكونها نفتقر غالبا لشروط البحث الأكاديمي

[1] -محمد جسوس : رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب من منشورات وزارة الثقافة. دار المناهل. الرباط 2003.

[2] -نفس المرجع، ص : 179.

[3] -محمد جسوس، نفس المرجع، ص : 184.

[4] -محمد جسوس المرجع السابق، ص : 222.

[5] -بول باسكون : في علم الاجتماع القروي، مجلة بيت الحكمة عدد3 أكتوبر 1976 ص  من ترجمة محمد بوبعيش.

[6] -بول باسكون : نفس المرجع، ص : 41.

[7] -بول باسكان : زيارة **** *** العلوم الإنسانية مجلة ** ** أكتوبر 19**** ص 105. ترجمة مصطفى كمال.

[8] -بول باسكان، نفس المرجع، م. ص : 111.

[9] -Sevelta koleva : La sociologie et son engagement disciplinaire : un regard est europeen. http://sociologie, revue. Org, 3818.

[10] -نفس المرجع.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد