افتتاحية العدد: مجتمع مدني “الدولة – المخزن”
لا يستقيم تفكير المجتمع المدني بمعزل عن المجتمع السياسي لأنهما، سواء من منظور الظاهر/الحدث أو من زاوية المفهوم/الفكرة، تشكلا تاريخيا بتلازم في ظل “الأزمنة الحديثة” التي، كما يقول ماركس الشاب، ينتمي إليها وحدها انفصال السياسي لان عزل الوجود الخاص لم يظهر إلا معها. تجريد الدولة السياسية هو إذن ناتج الحداثة التي تستمد خاصيتها بالضبط من كونها تعمم وتنشر ببراعة ثقافة التجريد، والتي تظل محكومة واقعيا بالكيانات المجردة، خاضعة إلى التجريدات التي تبسط سلطانها على الكون.
تحيل التجريدات الواقعية هنا إلى التجريدات الاجتماعية، العملية، المنجزة، المفروضة تاريخيا، التي تسيطر على المجتمع وتُخضِعُ البشر إلى سلطتها، تحيل إلى الشيء لا إلى الكلمة، إلى العلاقة الاجتماعية لا إلى المقولات النظرية والتجريدات الفكرية أو الذهنية. يعم هذا التجريد الاجتماعي العمل المجرد خالق القيمة: العمل بشكل عام الذي يتمظهر في الأجارة، وعبر كقيمة تبادلية أماكن الإنتاج، ثم العمل العام الذي يتجسد اجتماعيا وبكيفية ملموسة في المال كمعامل كوني، ويشكل مادة القيمة مع أنه، مثلها، لا يتضمن ولو ذرة من المادة.
ينجم عن خاصية هذا النوع من التجريد ظاهرة خصوصية تتمثل في الاستلاب الجديد الذي يجعل العلاقة الاجتماعية بين الكائنات تكسو شكل علاقة سحرية بين الأشياء، اشياء يخلقها البشر وتتحول إلى آلهة يعبدونها.
يمتد فعل الصنمية السلعية ليطال السياسي والقانوني كما يتجسدا في الدولة كتجريد واقعي. منذ ولوجه عالم السلعة، التي هي الشكل الخصوصي للثروة الاجتماعية الكونية في ظل الحداثة، يتحول منتوج العمل إلى لغز منبعه اتخاذه الشكل-البضاعة، شكل يقبع سره هو الآخر في خلق الاستشباح الذي يجعل العلاقة الاجتماعية الإنسانية التي ينسجها المنتجون في الشغل الشامل تتمظهر للبشر، كما هي عمليا وواقعيا، كعلاقة اجتماعية بين منتوجات العمل. فهذه المواد التي أنتجها الإنسان بيده ودماغهن تبدو مستقلة عنه مثل كيانات لها حياة خاصة وخاصيات ذاتية، تربط علاقات معه وفيما بينها. يمثل ماركس هذه المخلوقات الغريبة بشكل الخشب وهو يتغير في صنع الطاولة التي هي مع ذلك خشب، شيء مبتذل، بديهي، لكن فور ولوجها حلبة البضائع، تصير معقدة: معا محسوسة ولا محسوسة، “لا يكفيها وضع أرجلها على الأرض، بل تقف، إن جاز العبير، على رأسها الخشبي أمام باقي السلع وتتعاطى لنزوات أكثر غرابة من لو أنها بدأت ترقص”.
تنتقل عدوى نفس الحمق –الصنمية، التجريد الحقيقي الذي يسيطر على حياة الأفراد، حتى الواعون به، من الاقتصادي إلى السياسي وغلى القانوني. نفس الازدواجية بين الملموس والمجرد التي تميز العمل كنشاط حيوي في الأزمنة الحديثة، تغلف الفرد الاجتماعي الذي ينقسم إلى إنسان خاص (عامل أو رأسمالي) وإلى فرد مواطن، كما إلى فرد/موضوع قانون. إنه الفرد الواقعي، الحي بلحمه وعظمه ودمه، سواء الذي يغتني على حساب الآخرين أو الذي يكدح في معظم وقته: يدبر أهدافه في الحياة من اجل العيش (استهلاك، صحة، تعليم، لهو…)، ثم يلج في دقائق أو لحظات محدودة دائرة التمثيلية السياسية واشتغال القضاء في حالة الدولة الديمقراطية، دولة الحق والقانون. يتجدد تقسيم المجتمع المدني والمجتمع السياسي، كما يتضح وضع القانون.
يحجب شكل القيمة علاقة الاستغلال الرأسمالية، مثلما يخفي شكل الديمقراطية علاقة السيطرة السياسية، وشكل القانون إضفاء المشروعية على ممارستها. يحيل تشريح المجتمع المدني إلى الاقتصاد السياسي؛ وقلبه النابض هو العمل كنشاط مستقل في ظل الحداثة، مفصول عن باقي العلاقات الاجتماعية. في العمل، يفقد الإنسان ذاته، يصير بلا شيء وهو كل شيء، يُميت جسده، يدمّرُ روحه، يحس بالغربة وبأنه ليس في بيته. وقت العمل المأجور محسوب، له قياس مجرد، مستقيم ومجانس؛ لا يمارَس فيه أي نشاط اجتماعي آخر إلا الكدّ؟ يسود الزمن المجرد على باقي الأنشطة الاجتماعية الضرورية لإعادة إنتاج قوة العمل، بل حتى الأنشطة العديمة الفائدة أو التافهة، وذلك تحت سطوة كل التجريدات الواقعية: إننا بصدد عبادة المجرد.
في المغرب، لا يوجد مجتمع مدني وفق هذا التصور. لم يبرز شكل الدولة من صلب المجتمع المغربي بحكم العجز في خلق سوق وطنية وبورجوازية كونية. تستمد الدولة طبيعتها الرأسمالية من دينامية التراكم الرأسمالي العالمي الذي زرعها، ولم يعمل سوى على تمكينها من التكنولوجيا السياسية دون تغيير شكلها الاستبدادي الذي يستند أساسا على التقليد لإضفاء المشروعية على النظام السياسي. ما تم إنتاجه وتقويته طيلة مراحل التطور التاريخية للرأسمالية التبعية، هو الدولة-المخزن المجهزة بأدوات دولتية حديثة والمسلحة بالتقليدانية السياسية وبالدين، التي استبدت بالمجتمع في كل مرافقه. مع تطور التخلف السياسي والمؤسساتي وتعزيز الانبساط الاقتصادي، يخترق المخزن جزئيات الحياة الاجتماعية ويوظف قواه الخفية والظاهرة لشل طاقة صمودها في وجه الطغيان. ينتصب كصنم حقيقي يستوجب فقط الولاء الأعمى لظلاله. يكبح كل الوسائط الاجتماعية المعتادة، بما فيه آليات السوق والعملة؛ ليمزجها في نسيج مجتمعي مركب، هجين. بدل تشكل مجتمع مدني حقيقي ولو أدنى، نشهد تضخم وعاء مفترض له عبر مستنقعات الريع الاقتصادي والسياسي التي يتغذى منها إلى حد التخمة، كي يهيمن ككيان يمكن وصفه: “مجتمع مدني الجولة-المخزن”…
ولعل المساهمات التي تؤثث هذا الملف، في هذا الجزء الثاني منه، قد تفيد القراء في ملامسة بعض معالم المجتمع المدني في علاقته بالدولة السياسية، خاصة في المغرب.
ــ
د. أحمد الحارثي ـ مجلة نوافذ