برينتون ترانت ليس مختلا عقليا!

ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي

 

مع الأسف ليست لدينا المعطيات الكافية للكتابة حول هذا الموضوع بشكل مريح، خصوصا وأن شركات الفايسبوك وتويتر، بادرتا في خطوة غير مسبوقة تحت طلب الشرطة النيوزيلاندية إلى حذف جميع المعطيات المتعلقة بحسابي الجاني المدعو برينتون ترانت، وهنا نتساءل عن خلفيات هذا التعتيم الإعلامي الذي تقوم به الشركات رفقة السلطات النيوزلاندية، إذ عوض تعطيل الحسابين فقط، وتركهما مرئيين في متناول الصحافة والباحثين، لنتحقق من حقيقة هوية الجاني، وأفكاره المتطرفة وعلاقاته الافتراضية، وتحركاته على النيت، ومنح الفرصة للرأي العام العالمي بالاطلاع عليهما، اتخذت هذه الشركات قرار الحذف، وهكذا غيبت جزءا مهما من الحقيقة. لماذا يا ترى هذه الهرولة نحو الحذف، بدلا من إجراءات احترازية أخرى قد تكشف خبايا الأمور؟

وعلى الرغم من شح المعلومات، قمنا بمسح سريع للفيديو الذي بُث مباشرة على حساب فايسبوكي آخر يحمل صورة الجاني، والذي تم تحميله لستة دقائق قبل الحذف ومدته حوالي 17 دقيقة، كما تصفحنا البيان وصور الأسلحة التي بثها الجاني على الوسائط الاجتماعية ساعات قبل ارتكابه للجريمة، وبعد ما تتبعنا ردود الأفعال، قررنا أن نساهم بقرائتنا لهذا الحادث المؤلم، لكشف بعض الحقائق والتنبيه إلى المخاطر المستقبلية الناجمة عن هذا المنحى العنصري الخطير، الذي يسعى إلى تغذية الأحقاد الإثنية والدينية بين الجاليات المسلمة والمجتمعات المضيفة، وتعميق الهوة بين الشرق والغرب وخلق بؤر توتر جديدة في آسيا، لإذكاء الصراعات المسلحة، تستفيد منها الاقتصادات المنتجة لمختلف أنواع الأسلحة،  واليكم بعض خيوط هذه القضية:

أولا، نحن نثمن موقف رئيسة وزراء بلد نيوزيلاندا بوصفها لهذا العمل الإجرامي بأنه هجوم  إرهابي، إذ طالما التصق تعبير “الإرهاب”، بمنظمات جهادية مسلمة، تنعتها أمريكا بالإرهاب، مثل تنظيم الدولة المكنى داعش بأرض العراق والشام، وهكذا ظهر هذا التصريح الرسمي مناقضا تماما للأطروحة الصحافية الغربية التي وصفت ترانت تارة بأنه مختل عقليا، وتارة أخرى بأنه رجل مسلح gunman، ومع ذلك، فالسلطات النيوزيلاندية مازالت لم تفصح عن تعريفها للإرهاب الذي وصفت به ترانت، ما معنى أن ترانت إرهابيا؟ هل هو إرهابي مسيحي على وزن “الإرهابي المسلم”؟ هل هو ذئب منفرد أم ينتمي إلى جماعة عنصرية متطرفة؟ اعتقلت السلطات النيوزيلاندية الجاني، ولم تضع المجتمع الدولي في الصورة حول من معه، ومن قام بتجنيده، وكيف تم ذلك؟ وكيف تشبع بأفكاره المتطرفة؟ وكيف تدرب على السلاح؟ وكيف خطط للهدف؟ ومن ساعده؟ وكيف تلصص إلى المسجد عدة مرات خارج المراقبة؟ وكيف تابع الصفحات الافتراضية لبعض المساجد؟ وكيف استطاع كتابة بيان إيديولوجي من 74 صفحة لوحده بلغة سليمة وبتأطير نظري؟ وهل تفنن لوحده في نقش الأسلحة بعبارات الحقد والكراهية وأسماء تاريخية؟

هذه الأسئلة طبعا، تحرج المجتمع الأوروبي، وتفتح الباب واسعا لمناقشة قضايا التعايش والتسامح بين الثقافات، ومدى قابلية هذه المجتمعات المضيفة لقبول اختلاف الآخر عنها، وهو يمارس طقوسه وشعائره دون أن يؤثر ذلك في إحساس المسيحي بأن أرضه، قد اغتصبت منه ثقافيا. لا يتعلق الأمر اليوم بذئب منفرد، حسب المعطيات المتوفرة لدينا، ولكن بمد أصولي متطرف في أوروبا يكره المهاجرين ويعتبرهم نفايات بشرية غزت البيئة الأوروبية النقية، ولهذا فبيان جماعة ترانت يؤسس لبداية حرب تطهير عرقي، لاندري إذا كانت حادثا معزولا أم سيتكرر مستقبلا؟

و نضع سؤالا آخر، هل يعد ترانت نابغة التطرف العنصري؟ كيف لرجل فشل في المدارس أن يكتب شعرا، وسردا، وخطابا تقريريا بلغة متينة كهذه، و بدون أخطاء، و يتحدث بنظريات اقتصادية وسوسيولوجية أحيانا؟  من سيصدق أن هذا البيان  كتبه ترانت؟ كيف قام لوحده بنقش تعابير وتواريخ عالمة على أسلحته بخط جميل ودقة متناهية، وهو رجل فشل في مشواره الدراسي منذ طفولته؟

إذا أخذنا هذا البيان الذي نشره ترانت على صفحته ساعات قبل ارتكاب الجريمة بعين الاعتبار، فهو يسيل بمداد أجوبة عن دوافع الجريمة، كما يؤطرها نظريا، ويثمنها بوصفها بداية لمد تطهيري قصد تنقية العنصر الأبيض النقي من التلوث بدماء المهاجرين الغزاة، خصوصا المسلمين منهم، وقبل تحليل ما جاء في البيان، نحمل مسؤولية التقصير في المتابعة والمراقبة للجماعات المتطرفة المسيحية  للحكومة النيوزيلاندية، إذ يبدو أن استخبارتها رفقة الاستخبارات الدولية، تخصصت فقط في مراقبة تحركات الجاليات المسلمة المتشددة في أفكارها على الانترنيت، بينما تشاء سخرية القدر الرأسمالي أن ينشر ترانت بيانه، ويحدد فيه مكان ارتكاب الجريمة ساعات قبل التنفيذ، بينما تنهمك الاستخبارات الدولية في متابعة تحركات المتشددين والجهاديين، وتغفل إرهابا مسيحيا بين ظهرانيها. نشر ترانت في بيانه أن هذه العملية الإرهابية تثأر من غزو المسلمين التاريخي لأوروبا، وقتل الأبرياء منهم، وردا على العمليات “الإرهابية” التي تستهدف أوروبا، وتطهيرا للأرض البيضاء من غزو المهاجرين لها، كما يسعى استهدافه للمهاجرين إيقاظ الرأي العام الأمريكي حول قضية امتلاك الأسلحة، إذ يرى أنه إذا حُرم الإنسان الأبيض من امتلاك السلاح للدفاع عن ثقافته وعرقه وتطهير أرضه، سيؤدي هذا إلى بلقنة المجتمع وتمزيقه وضياع حلم بوتقة انصهاره بأمريكا.

يرفض بيان ترانت اكتساح المسلمين لمساحات ثقافية بالمجتمعات الأوروبية، إذ في نظره ليس من حقهم دعوة المسيحيين إلى الدخول في الإسلام، حسب تعبير البيان، فهذا يعد تهديدا لبقاء الثقافة الأصلية واستمراريتها، خصوصا وأن الأوربيين يعانون في نظره من هجانة ثقافية، فيتمسك بعضهم بعروة الإسلام لمتانة ثقافته وصلابتها، وهذا ما أجج في نظرنا تحامله على مساجد المسلمين، إذ يعرض البيان حالة مسجد دونيدن (Dunedin)، الذي ينشر أنشطته على جدار صفحة فايسبوكية تديرها جمعية تدعى  أوتاكا( (otaga Muslim association)، والذي قد يبدو أنه استفز ترانت وأغضبه كثيرا بنشره لأنشطة دعوية، ولما تصفحنا يوميات هذا الحساب، تساءلنا عن دور المساجد بالمجتمعات الأوروبية، هل هي تقوم بدور أداء الشعائر أم تقوم بنشر الدعوة أو ( التبشير المضاد)؟ تنشر الجمعية على صفحتها بالمباشر الأنشطة الدينية والشعائر والخطب، وجمع التبرعات، كما تنشر فيديوهات تحبب المسيحيين في الإسلام، نذكر منها فيديوهات توثق لقصص مسيحيين اعتنقوا الإسلام، مما يعد استفزازا واضحا للتيار المسيحي المتطرف المتتبع لمثل هذه الأنشطة، إذ كيف سيقبل مسيحي متعصب لدينه مؤسسة تستوطن مجتمعه وتحرض علنا على الردة عن عقيدة المسيح؟

لماذا شيدت المساجد في أوروبا؟ هل شيدت لخدمة الجاليات المسلمة أم للدعوة إلى الإسلام؟ هل نقبل بكنيسة على أرضنا، تقوم بالدعاية لأنشطتها والتبشير على صفحة فايسبوكية لعموم المغاربة، وتظهر فيديوهات ردة مغاربة عن دينهم؟ إذا كان الجواب لا، فمن واجب المسجد كذلك في ارض الشتات أن لا يمارس أنشطة الدعوة، وأن يكتفي بنشر قيم التعايش وتلاقح الثقافات، فمازلنا لم نفهم بعد كيف يفكر المسلم المهاجر؟ كيف يفضل الاستقرار بين المسيحيين وديانات أخرى منبهرا بتقدمهم الاقتصادي، لكن في الوقت نفسه يدعوهم إلى اعتناق الإسلام؟ فلماذا يهاجر من مجتمعه المسلم إذن؟

هكذا فكر ترانت حين قرر مهاجمة مسجد دونيدن، لكنه تخلى عن الفكرة، نظرا لوجود أهداف أكثر “تدنيسا” وظلما لعقيدة المسيح في نظره، فالمسجد الذي هاجمه ترانت بني على كنيسة المسيح، ويقول البيان بأن هذا العمل تدنيسا للأرض المقدسة، كل هذه معطيات تبين أن الهجوم إرهابيا مخططا له مسبقا، ولم يكن هجوم رجل مسلح غاضب حاقد أو مختل عقليا. ومن خلال القرائن المتوفرة لدينا، يبدو أن جماعة متطرفة هي التي قامت بالتنسيق لتنفيذ هذا الهجوم، إذ لا يستطيع شخص واحد وضع تخطيط بهذه الدقة لتنفيذ ما قام به، والبيان يؤسس لمرحلة تطهيرية جديدة ويحمل أيقونة أو شعارا لعهد جديد يناهض الإمبريالية العالمية والهجرة والتلوث واختلاط الأجناس و يتمسك بالحفاظ على العقيدة والهوية الثقافية. إن عنوان هذه المرحلة الجديدة هو “الإبدال العظيم” (The Great Replacement)، حقبة يطالب البيان من خلالها عودة الإنسان الأبيض إلى الإنجاب، وإعادة إنتاج الأجناس والأعراق الأوروبية الأصيلة أمام الزحف المختلط للمهاجرين من مختلف بقاع العالم.

إن النقوش على أسلحة ترانت تشمل عبارات الحقد والكراهية للآخر، و تذكّر بأسماء تاريخية تعود إلى عهد الخلافة العثمانية،  وأسماء نجوم التطرف اليميني الرافض للتثاقف، كما كُتب بيان ترانت بأسلوب المنتديات على منبر 8 chan، لهذا جاء على شكل سؤال-جواب، وكأن ترانت في منتدى يحاور جليسه حول العملية التي سيقوم بها، فتطرق إلى الخلفيات الإيديولوجية التي تؤطر العملية، والأهداف المتوخاة منها، ويعد هذا البيان شبيها بتلك الرسالة التي يتركها الاستشهادي بعد موته لكي يبلغ العالم لماذا قام بذلك الفعل، فترانت يحاول تقليد الجهاديين في نشر هجومه على مساجد المسلمين، إذ أذاع البيان وصور الأسلحة و الذخيرة قبل الهجوم، ثم صور الهجوم بالبث الحي على صفحته على الفايسبوك، فبينما يقوم الجهاديون عادة بالنشر البعدي للرسالة والتصوير، تفاديا للمراقبة، أدخل ترانت تقنية جديدة في عالم الجريمة المنظمة، آلا وهو التصوير الحي على طريقة الفيديو كايمز…

إن اختيار وقت الصلاة لم يكن اعتباطيا، بل مكن المعتدي من مباغتة الخصوم والتصوير بأريحية، لأن المصلين عزّل، ولا يؤدون صلاة الخوف في المساجد، فلقد درس السياق وتأكد مسبقا من ضعف مقاومتهم، و عند ذهابه لارتكاب المجزرة، امتطى سيارته، وهو يستمع إلى أناشيد صربية حماسية وموسيقى عسكرية بنغمات انجليزية، وهو هنا يحاكي الجهاديين الذين ينشرون فيديوهات بأناشيد تحريضية على القتال عند القيام بعمليات عسكرية. لقد تبث كاميرا على جبينه، وقام بالبث الحي ليرهب العالم ويحقق أعلى نسب المشاهدة، ويحصد اللايكات من أنصار التطرف المسيحي في إطار غرف صدوية (echo chambers) على الرغم من نفيه في بيانه لهذا الهدف، لكن النفي اللغوي لا ينفي الواقع، فهذا يظل هدفا رئيسا في العملية، وهو هنا ربما يعيد إنتاج خطاطة جمعية أوتاكا التي استفزته وأثارت حفيظته بنشر تفاصيل حياة المسجد اليومية بصفحتها على الفايسبوك عبر تقنية البث الحي…

هذه جريمة ابتدأت فصولها في العالم الافتراضي وانتهت في العالم الافتراضي، مما يدعونا إلى التساؤل حول دور الوسائط الاجتماعية في خلق نماذج جديدة من الجريمة المنظمة، خصوصا وأن هذه فضاءات مُعولمة، إذ بعثرت مفهوم السلطة المركزية والهوية والثقافة جيو-سياسية والإحساس بالانتماء، لهذا أصبحت مناقشة دور الوسائط الاجتماعية في بناء مخيال الأوطان والمجتمعات ضرورة ملحة في المدارس والجامعات والإعلام… وإلا سنجد أنفسنا نعيش في  أوطان افتراضية على منابر الانترنيت، فتتيه منا أوطان الواقع عبر صور زائفة (Simulacra).

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد