عيـــون القـــلب

بقلم الأديبة المغربية ليلى مهيدرة

أمسك الفلسطيني ذو الخمسين عاما عوده كطفل صغير وراح يدندن وعينيه مغمضتين حتى خلته لم يلمح وجودي وأنا المتطفلة التي قررت أن تجلس بمجلسه اليوم دون إذن مسبق، كانت عيني تفترس كل شيء، أناقته المتناهية ومكتبه وكل الخلفية حتى باغتني بالسؤال:
ـ لمن تحبي أن تسمعي ؟

أجبت ودون تفكير:
ـ نجاة

ابتسم للاسم ثم نظر إلي بعينين فاحصتين وقال:
ـ آه من عيون القلب

ثم قهقه عاليا ربما لأنه لمح بعض الخجل المرتبك في نظراتي وراح يغني بانسجام تام
إنت تقول وتمشي
وأنا اسهر منامشي
يا لي ما بتسهرشي
ليلة يا حبيبي

بقدر حبي للأغنية إلا ووجدتني أحس بتناقض تام، فكيف لهذا الفلسطيني الذي عاش عمره تحت وطأة الاحتلال أن يتصرف بكل هذا الهدوء وان يكون بهذه الأناقة وان يعيش مع كلماتها، لم تكن الأغنية إلا خلفية موسيقية للصخب بداخلي فلم استمتع بها كما افعل كل مرة وإنما أغمضت عيني فتراءت لي مشاهد تعودنا ها لذلك الصراع اليومي في القدس إلا أن كسر المشهد فلسطيني مغترب، قال:
ـ لم لا نقيم يوما فلسطينيا نناقش فيه القضية و نستمع للأغاني الفلسطينية ،كلامه أعاد بعض التوازن في فكري أيقض حماسة تنتفض بداخلي كلما طرح الأمر، كانت د ند نات العود تخفض قليلا وكأنه يعلن استسلامه للقرار، لكن الأمر لم يكن كما توقعت:
ـ عما سنتكلم، عن التطبيع، عن المستوطنات، عما نتكلم هل تغير شيء لنتكلم عنه.

الكلام أخرصنا جميعا، صمتنا لبرهة ثم أردف ما تغير شيء المفاوضات كما هي وفي كل مرة نجلس مع العدو يقول لنا:
ـ هذا لنا وهذا ليس لكم
ـ هذا لنا وهذا ليس لكم
ـ هذا لنا وهذا ليس لكم

وبعد أن يأخذ من بلادنا الكثير يعود لقطعة صغيرة فيقول:
ـ هذا لنا وهذا لكم، فنفرح كالصغار ونقول أحرزنا تطورا في المفاوضات،

وفي غمرة اندهاشي من رده وبالمرارة التي تجسدت بصوته رايته يلتفت إلي ويقول:
ـ نجاة صح

ثم بدا يغني من جديد:
انت تقول وتمشي
وانا اسهر منامشي
يا لي ما بتسهرشي
ليلة يا حبيبي

ساعتها فقط أيقنت أن نجاة لم تكن تغني إلا عن فلسطين

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد