أين هي ميزانية محكمة الاستئناف بالرباط المتخصصة في قضايا الإرهاب؟

عبد الله الشرقاوي

أُحدثت بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب رقم 03.03 المؤرخ في 28 ماي 2003، والمعدل في 20 ماي 2015، محكمة وطنية مختصة للنظر في هذا النوع من النوازل، حيث تم إقرار ذلك في محكمة الاستئناف بالرباط، كمحكمة لها ولاية عامة للبت في هذه الملفات، انطلاقا من البحث التمهيدي، والتحقيق إلى غاية صدور الأحكام القضائية، مرورا بإصدار مذكرات البحث، والتنسيق مع الجهات القضائية الأجنبية ليس فقط في ملاحقة الفارين دوليا، وإنما في مواكبة المستجدات والتطورات وعقد اللقاءات مع هذه الهيئات دولية والمؤسسات، خصوصا على مستوى النيابة العامة والتحقيق.

إن هذه المحكمة القائمة الذات تفرض على الحكومة وضع بند لها في الميزانية ضمن الميزانية المخصصة لمكافحة قضايا الإرهاب المفترض أن تتقاسمها مجموعة من الوزارات والمؤسسات.

وحتى لا نتيه في الميزانية العامة الواجب تخصيصها لمكافحة الجريمة الإرهابية وما يرتبط بها من الجرائم المنظمة دوليا، وضرورة مناقشة أرقامها على طاولة الحكومة والمؤسسة التشريعية، فإننا نتساءل عما إذا كانت هناك ميزانية خاصة للمحكمة الوطنية لمكافحة جريمة الارهاب، التي تمثلها محكمة الاستئناف بالرباط، لأن الواقع العملي يوجب ويحتم تسطير هذه الميزانية لتسييرها، بدءا من اعتماد التخصص انطلاقا من معاهد تكوين الشرطة، والدرك، والمعهد العالي للقضاء، وما يستلزم ذلك من جهة التكوين وإعادة التكوين، وكذا تكوين مستمر، ومن جهة ثانية الانفتاح على التجارب الدولية وعقد شراكات، وتوفير الأطر البشرية اللازمة المتخصصة ليس فقط على مستوى القضاء الجالس والواقف في مختلف مراحل التقاضي “ابتدائيا واستئنافيا وأمام محكمة النقض”، حيث إن هيئة قضائية واحدة لا تكفي بحكم الواقع العلمي حينما يكون هناك حالة التنافي، أو ما بعد قبول طلبات الطعن.

كما أن ميزانية محكمة الاستئناف بالرباط، كمحكمة وطنية موكول لها البت في ملفات الارهاب، يجب أن تأخذ مأسسة مؤسسة قضاء التحقيق عوض اعتماد قاضي واحد منذ سنوات خلت، في إطار استمرارية المرفق والاشتغال بمنطق الفريق ضمانا للجودة واستمرارية الخلف، دون الحديث عن جانب تخصص ضباط الشرطة القضائية ، سواء بالدرك الملكي، أو التابعين للإدارة العامة للأمن الوطني، ومختلف العناصر الأمنية  والأعوان المشتغلين على مثل هذه الملفات، إضافة إلى أن التخصص يفترض أن يشمل باقي مساعدي القضاء من كتاب الضبط والمحامين…

كما أن اعتماد ميزانية خاصة لمحكمة الاستئناف بالرباط، بحكم ولايتها على قضايا مكافحة الارهاب، يجد سنده في ضرورة أولا إنشاء مقر خزانة تكون بها أمهات المراجع القضائية والفقهية، بما في ذلك القوانين المقارنة، وما يتطلبه تعزيز  العلاقات التي تجمع النيابة العامة بذات المحكمة مع نظيراتها بمختلف ودول المعمور، بما في ذلك تشييد قاعة لاستقبال الضيوف والوفود الأجنبية، التي تزور المحكمة في إطار اللقاء الثنائية، أو المهام القضائية في سياق تنفيذ الإنابات القضائية، إضافة إلى تجهيز قاعة جلسات المحكمة الشديدة البرودة في هذه الأيام، وتوفير قاعة للمداولات تكون في مستوى القضاة، بل لمَ لا إنشاء بناية خاصة بمواصفات قصر العدالة ،عوض سياسة ترقيع البنايات، و”التلباق”، خاصة  وأن ما سمي ملحقة سلا لمحكمة الاستئناف، المخصصة حاليا لقضايا الارهاب، كانت مخصصة أصلا لمقر المحكمة الابتدائية بسلا، التي بنيت حتى “كلواراتها” نتيجة الاكتظاظ وقلة المكاتب، وتلك حكاية أخرى، حيث يمكن لزيارة خاطفة أن توضح صورة الواقع العملي بعيدا عن التنظير.

كما أن جزءا من أموال الميزانية يجب أن يخصص كتعويض ومكافأة لمختلف العاملين بهذا الميدان، بدءا من موظفي إدارة السجن المحلي بسلا، ورجال  الدرك والأمن، بمن فيهم الذين يعملون على تنقيل المعتقلين وحراستهم وغيرهم من العيون التي تترصد مثل هذا النوع من الجرائم في  البوادي والحواضر، بمن في ذلك الدرك وأعوان السلطة من مقدمين وشيوخ… إلخ

في هذا الإطار فإن وزارة العدل مطالبة بتخصيص ميزانيات للأطر البشرية والمادية والتقنية عند الرغبة في سن مقترح قانون لتفادي أحيانا الاقتناص أو الاقتطاع مما هو قائم على أرض الواقع، أي أنها “تُلَقِّمْ له من لحيته”.

ولكي نعطي مثلا لهذا الواقع، الذي يحمل شعار “الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة”  نذكر مثلا محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط التي اقتنصت بنايتها وأطرها البشرية من المحكمة الإدارية والتجارية بعد ترحيل قضاء الأسرة إلى زنقة الموحدين، حيث كانت توجد “المرحومة” محكمة العدل الخاصة الملغاة سنة 2004 بعدما عمَّرت 39 سنة، أي أنه تم تكديس ثلاث محاكم في بناية واحدة قرب مسجد السنة بالرباط، وهنا لن نتحدث عن ظروف العمل وشروطه.

أما حالة الارتجال فيمكن أن نستشهد عليها بوضعية بناية محكمة الاستئناف بحي الرياض بالرباط، والتي كانت مخصصة في الأصل للمحكمة التجارية، ولم يتم الاكتفاء بذلك بل إن “عبقرية “المسؤولين واصلت  امتدادها باقتناص حيز مهم من مقر المحكمة الابتدائية الجديدة بحي السلام في سلا، ليصطلح عليه بملحقة استئنافية الرباط، والتي أصبحت تعرض فيها حاليا فقط الملفات المتعلقة بمكافحة الإرهاب بعد نقل قضايا الاعتقال المتعلقة بالحق العام إلى المقر الرئيسي بحي الرياض.

وحتى نختم ما بدأناه لكي لا نغوص  في وضعية بنايات محاكم المملكة وظروف عمل القضاة ومساعديهم وما يعيشه بعض المتقاضين، نقول إن المحكمة الوطنية للإرهاب بالرباط توجب أن تخصص لها ميزانية خاصة، تصرف على مثل الأوجه المشار إليها آنفا، والحاجيات الضرورية لتسيير المرفق العمومي.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد