صورة المرأة في رواية “سرير الألم” لزهرة عز

الدكتورة فائزة عليلو، ناقدة وأديبة مغربية

تشكل رواية “سرير الألم” للكاتبة المغربية “زهرة عز” نصا سرديا مميزا في الثقافة المغربية المعاصرة، نظرا لارتباطه بالواقع المغربي المعيش ـ إنه صورة للمجتمع المغربي في مختلف تجلياته السوسيو ثقافية، فهو إنجاز لفظي له خصوصياته المتميزة، إذ يدعو قارئه للإسهام في إعادة إنتاجه والإضافة إلى دلالته خاصة وأنه نص مفعم بشتى الدلالات التي تخصب وتثري خيال الملتقى.

فأين تتجلى استراتيجيات عتباته النصية ؟

وما هي تجليات إنتاج الدلالة فيه ؟

وما هي أبعاده الرمزية ؟

I– إستراتيجية العتبات النصية

مما لا شك فيه أن الرسوم والصور الفوتوغرافية وغيرها صور أيقونية للنصوص الملحقة، إنها شيء من النص، إن لم نقل إنها نص بحد ذاته، ولهذا السبب “لا يبدو خلوا من الإفادة الحديث عنها في إطار تكريس احتمال النص”، إذ تشكل الأيقونة نسقا دلاليا يواكب النسق الدلالي اللغوي ويتماشى ورؤيته وغايته، وهذا ما سنحاول الكشف عنه عبر الاشتغال النصي على الرواية قيد المقاربة.

لما كانت “الأيقونة علامة دالة تمتلك بعض خصائص الشيء الممثل على حد – تصور موريس -وكونها لدى أمبيرتو إيكو (umberto Eco) “تنتج بنية إدراكية تتطابق مع التجربة الواقعية”. فالأيقونة التي تطالع القارئ في غلاف رواية “سرير الألم” تبدو أنها أكثر تأثيرا، وأشد جاذبية وأقوى على بصم ذاكرة المتلقي، إذ يلمح في الواجهة الأمامية للغلاف صورة امرأتين متعانقتين، إحداهما تغطي رأسها ووجهها بلباس مغربي، والأخرى تكشف عنه، فالغطاء للرأس كما يتضح منذ القدم “يعبر عن رمزية اجتماعية لتمييز المرأة الحرة عن الجارية”. فضلا عن المضامين والخلفية الدينية في الديانات التوحيدية” ولم يميز هذا القانون بين المرأة الحرة والأمة وحسب، وإنما بين المتزوجة والعاهرة، ولم يكتف بذلك، بل من يرى عاهرة تتحجب يجب أن يعتقلها ويحضر شهودا ويسوقها إلى المحاكمة، وهو ما يجعل العاهرة إنسانة ذات مرتبة متدنية، ولا يحق للرجل أن يمارس معها نشاطا ظاهريا مجتمعيا، بل هي فقط للمتعة كأي سلعة”. وهو ما يظهر في قصة سليمة مع البرلماني، فهذا “التمييز لا يزال في العصر الحالي حاضرا في تصنيفات مجتمعية باتت راسخة، رغم التحرر الظاهري من العبودية”.

أما المرأة الأخرى فشعرها مقصوف كاشفة الوجه، وهذين الجسدين مقطوع منهما ما بعد النصف السفلي، ونصف إحداهما مخضب بلون أحمر وبه امتداد لمزيج من الزرقة والسواد أما جسدهما العلوي فتغطيه ألوان بين أصفر وأحمر وأرجواني، وفي النصف السفلي من الغلاف هناك صورة امرأة ثالثة، يبدو أنها مستلقية على جانبها الأيمن، مغطاة الوجه والنهدين، تكشف عن بطنها وسرتها وباقي الجسد مغطى بلون أزرق، وقد كتب عنوان الرواية ومؤلفتها ودار النشر بلون أبيض، أما اللون المهيمن على باقي صفحة الغلاف فهو اللون الأحمر المخضب بالأصفر، وهي كلها ألوان تدل على الحياة والخصوبة والجمال.

تصدر الساردة روايتها بإهداء مركز تجلى في عبارة: “إلى أبي وحلمي في الحياة والكتابة”، وهي جملة حافلة بالدلالات العميقة، إذ يظل الأب أول وأرقى إنسان تصادفه الأنثى بعد ولادتها، فالأب عنوان الاحتواء والحضن الذي لا يكل، وكما قيل في المثل العربي الشهير: “كل فتاة بأبيها معجبة”. فهو وحده من يقدم التضحيات والحب والحنان، دون أي شهوة أو مصلحة، فحب الأب بهاء سرمدي تتجلى من خلاله العاطفة في أسمى معانيها، وهذا ما جعل الساردة تعتبره حلمها البهي في الحياة، وحافزا لها على المزيد من الكتابة أيضا، فلا محبة تضاهي حنو الأب حين يروم لابنته السعادة، فيحتضنها صغيرة قبل الكبر، وأبدا لا تكبر عن حضنه في مخيالها الخصب.

أما الواجهة الخلفية للرواية فتتصدرها صورة فوتوغرافية للروائية “زهرة عز”، وتحتها فقرة مميزة من رواية “سرير الألم” تقول فيها الساردة: “في الجهة المقابلة هناك على ربوة الوادي، تحت شجرة التين كنت جالسة أراقب بهدوء المنظر، وفجأة، لمحتك بين الصفوف الطويلة من الرجال، رجال تكاد وجوههم تختفي في هجير صحراء الثلث الخالي. قفزت أناديك بأعلى صوتي حتى بح، وأنت تسمعني ولا تسمعني تلتفت ذات اليمين وذات الشمال، وتلتفت إلى الخلف بعجالة بارقة، ثم تعود للنظر إلى الأمام، وكأنك تخاف أن يأخذ أحد الرجال المصطفين في طابور القيامة مكانك. ركضت نحوك أجرك من يدك لإبعادك عن جموع العطشى التائهين، لكنك كنت هناك جامدا فارغ العينين لا تراني ولا تسمعني. تركتك وجريت نحو الخيمة بعدما تأكدت أنني غير مرئية، مثل ملاك لا يدركه الحالمون بالشهوة والغارقون في هوس لذة قاتلة. ضاق بي صدري، وضاق الصبر بي، فاندفعت سادرة ودخلت، ويا لهول ما رأيت”. ولعل الساردة تلخص في هذه الفقرة مضمون الرواية كحلم ضائع لعلاقة يطبعها التعتيم والتيه والضياع والتشظي، بين عالم الأنثى المغمورة تحت زيف العادات والتقاليد المنتصرة للمجتمع الذكوري المغربي/ العربي المتعالي المتغطرس.

هذا عن العتبات النصية فماذا عن الدلالات المنتجة من خلال هذا النص الروائي الموسوم بـ “سرير الألم” وما أبعاده الرمزية ؟ لذلك سنسعى للإجابة عن هذه التساؤلات والكشف عن مراميها وسبر أغوارها عبر الاشتغال النصي على رواية “سرير الألم” للمبدعة المغربية “زهرة عز”.

II– الأبعاد الدلالية والرمزية للرواية:

إن العمل الأدبي هو انتماء لمجتمعه، وبهذا تتقاطع في الرواية حقول معرفية متعددة، منها تاريخ الحضارة وعلم الاجتماع، لاسيما وأنها تلقي الضوء على حدث ما زلنا نعيش نتائجه وهو سيطرة العقلية الذكورية في المجتمع المغربي، وما نتج عنها من اختلال للتوازن بين علاقة الرجل والمرأة. وهو ما سنكشف عنه من خلال هذه الدراسة.

* إنتاج الدلالة في رواية “سرير الألم”.

رواية “سرير الألم” لصاحبتها الكاتبة المغربية “زهرة عز” كلها وجع، كما يوحي بذلك عنوانها، فإذا كان السرير يدل على الارتياح وإزالة التعب، فإن إقرانه بالألم يدل على حجم المعاناة التي تعيشها الأنثى في شخص البطلة كريمة وشبيهاتها. تلك الفتاة الغضة التي سلبت التمتع بريعان شبابها، لتصير زوجة لرجل هرم يفقدها كل حين معاني المتعة والحياة، ويستغل حداثة سنها ليستمتع بجمالها الفتان، دون مراعاة لأحاسيسها ومشاعرها، وهذا ما يجعل منها بعدا تسليعيا وتشييئيا.

لقد كانت “كريمة” ضحية للفاقة وتلبية لرغبة الأم المريضة التي آثرت تزويجها حتى تضمن استمرارية علاجها المتعلق بتصفية الدم، نتيجة لمرض القصور الكلوي المزمن، ولأجل ضمان العيش فيما تبقى من العمر بسلام ورفاهية. وكأن المعاناة والوجع المر هما قدر تتوارثه الابنة بعد الأم، تلك الأم التي كرست حياتها لإعالة ابنتها الوحيدة، وسافرت إلى المدينة دون سند أو معيل بعد افتقادها لحضن الأسرة، وهجرة زوجها لإسبانيا وتطليقه لها، “حاول عمي الدنيء، المعطي، أن يستميل أمي ويغريها بقفته الأسبوعية، وزياراته المتكررة وحنانه الزائف، وعندما راودها عن نفسها، وظهرت نواياه الخسيسة، صدته أمي بحزم وقوة، غاب بعدها عن الأنظار ولم يتعرف علينا أبدا..” ، ثم استيلاء أخيها على حصتها من إرث العائلة، فسارت مكلومة متناسية شبابها المنتهك وما كان عليها إلا أن تشمر عن ساعديها لضمان قوتها وحياتها، فصارت تعمل بجد وجهد دون كلل حتى تعلم ابنتها، لكن المرض اللعين كان لها بالمرصاد، فأضناها وجعا، “وعندما لم تعد قادرة على الخياطة باعت نصيبها من البيت لخالي، أظنه شكر في سره مرضها الفتاك، وانتقلنا للعيش بالدار البيضاء، قريبا من مركز لتصفية الدم”.

في هذه الأجواء البئيسة تفتحت زهرة شباب “كريمة”، وعاد جمالها الأخاذ ملفتا للأنظار، وهو ما جعل الصائغ الكهل يفتتن بها، ويعمل جاهدا لأجل الاقتران بها، حتى يعوض الفراغ الكبير الذي تركته الزوجة الأولى. هكذا جرت الأحداث بشكل درامي، وحتى تتخلص كل من الأم المريضة وابنتها الشابة اليانعة من الفقر المتربص بهما، وأيضا حتى يضمنا استشفاء الأم المريضة، “كانت أمي على وشك أن تعارض، عندما ألجمتها نظراتي الحادة، وكأنني هرمت عشرات السنين..

ـ وأن تتكفل بحصص تصفية الدم وكل مصاريفها، أربع حصص بالشهر، وكنت قد أضفت حصة رابعة.

ـ وأنت، ملكتي ؟

ـ لا شيء، فقط أمي ودراستي..

ـ إذا اتفقنا، لنقرأ الفاتحة،”. وأمام الإغراءات المادية لجأت الأم المريضة لإقناع ابنتها بهذا الزواج غير المتكافئ.

إن هذه الرواية تعكس بحق الظلم والتعسف الذي قد تتعرض إليه المرأة المغربية في مجتمع ذكوري بامتياز، لا يراعي أدنى شعور للمرأة باعتبارها مخلوقا رقيقا مفعما بالحب والجمال، ناهيك من أنها ذاتا حرة مستقلة بوعيها قبل كل شيء “كانت ليلة الدخلة، كابوسا مازال يجثم على صدري، وشم ذاكرتي وروحي بوشم من الألم والبذاءة، دون أن يمهلني الحاج..”. أما المرأة فعليها أن تقبل بأي شيء، فالكلمة الفصل هي دائما للسيد الرجل، فهو من يختار المرأة، وهو نفسه من يتخلى عنها بمزاجه، دون أي رادع أو متابعة، فالمجتمع الشرقي عامة لا ينصف إلا الذكور، على خلاف ما جاءت به الشريعة الإسلامية بما مفاده “لا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم”، وفعلا تعرضت “كريمة” للإهانة حين كان يغتصب جسدها في كل مرة يواجهها زوجها الكهل لما يضاجعها دون رغبة منها، وكأن ذاك الجسد الغض الجميل ينتحر في كل مرة، ويرثي إحباطاته الأنثوية الصارخة. “استعادت ابتسامتها ولم تخبر الحاج إلا بعد مرور أربعة أشهر حتى لا يجهضها. أرعد وأزبد وهدد ثم في الأخير تقبل الوضع، وحين عرف رافقها مرة عند طبيبة نسائية وأكدت له أن المولود ذكر، كان في قمة سعادته وهي تزفه دليل رجولته الفحلة. سيكون له ولد يحمل اسمه وسند له في الكبر. وكان حمل كريمة حبل نجاة لها من ممارسات الحاج السادية”.

وفي سياق توالي النسق السردي تحكي “سليمة” قصتها: لقد كان ابن خالتها “بوعزة” شابا وسيما مفتول العضلات، تزوج “فاطنة” المرأة الجميلة التي زادها اكتنازها نظارة بعد قصة حب مثيرة، حيث كانا يعيشان في بيت أمه بالقرية.. قبل الاسترسال في استعراض تداخل الأحداث لابد من الإشارة إلى أن حكاية “كريمة” كانت بمثابة القصة الإطار لرواية “سرير الألم”، “كريمة” البطلة التي تقيم علاقة غير شرعية مع عشيقها “يوسف” وتخون زوجها العجوز حتى تعوض أنوثتها المكلومة. “تنهدت “كريمة” بألم، وهي تربت على شعر “يوسف”، يذكرها بفلذة كبدها التي فارقتها مرغمة، غصبا عنها”.

وداخل هذه القصة الإطار تتداخل حكايا شبيهة بها يلفها الألم ومنها قصة “الغالي” ابن “كريمة” المقيم بأوربا، والذي صار يعاشر المثليين إثر تشوه خلقي ـ خنثى ـ عانى منه، وجعله يتشبه بالإناث، وهو ما دفعه إلى تغيير معالم جسده ليصير اسمه الغالية، ” الغالية حبيبتي، تعيش وحيدة بلوزان بسويسرا. غابت منذ سنتين، بعد أن غادرت المغرب، لم تعد إليه بعد، بل لن تستطيع حتى لو أحبت ذلك، على الأقل الآن”.

تتوالى الأحداث فتلتقي “كريمة” “بسليمة” المرأة العاهرة التي تخفي في أعماقها هي الأخرى ندوبا لم يمحها الدهر بعد. فبعد مرور سنة من زواج ابن خالتها من “فاطنة” المرأة قوية الشخصية، لم يرزقا بطفل. وكانت أم “بوعزة” قد ضاقت ذرعا بعروس ابنها، فأجبرته وأثرت عليه حتى يطلقها بسبب عقمها، وفعلا طلقها بمرارة حتى يرضي نزوات أمه المتسلطة، وينصاع لأوامرها. فقامت بتزويجه مرة أخرى، لكن هذه المرة هي من اختارت له ابنة أختها “سليمة” الفتاة الصغيرة النحيلة، وتكشف الرواية عن أعراف بالية، لا تزال متفشية في بعض البوادي المغربية ومنها ليلة الدخلة وما يرافقها من مراسم جاهلية، حيث كان لا بد أن يغتصب بكارة “سليمة” ليثبت فحولته ويرضي أنظار أهل القرية المتعطشين لرؤية البرهان ـ قطرات من الدم النازف ـ برهان العذرية. لكن بعد هذا الزواج أيضا لم يرزقا بالطفل الموعود، في حين كانت طليقته الأولى قد تزوجت مرة أخرى وأنجبت، وهذا ما جعل “سليمة” وزوجها يتجهان صوب الطبيب، الذي أخبر الزوج باستحالة إنجابه لخلل كامن بحيواناته المنوية، لكنه لم يتقبل الأمر لأن فيه مساس برجولته وفحولته، فرمى بنفسه في بئر عميق منتحرا ومنهيا حياته بشكل مأساوي، وإذا كانت “سليمة” قد تزوجت بابن خالتها بعد ليلة مريعة انتهت بانتهاك براءتها وبطقوس التطبيل  وتهليل أهل القرية انتشاء وفرحا بعفتها، التي تختزل طهر الأنثى في إراقة بكارتها دون مراعاة لمشاعرها وانتهاك براءتها، فإنها بعد وفاته أصيبت بوصمة عار ونحس”. كان الجفاف قد أجهز على محصول السنة، كما فعل بحيواناته المنوية، أخد معوله وفأسه، قبل رأس والدته وقال لها بأنه سيحفر بئرا بأرضه، لن ينتظر بعدها قطرات الغيث.. ولم يضف أنه اختار قبره هناك.. وعندما عثر عليه في قعر البئر. كانت فأسه قد أخطأت العنوان، لم تمنحه الحياة بل سلبتها منه. هناك من قال أنه تعثر وابتلعته ظلمة البئر، وهناك من أكد أنه كان سيد موته..”.

هكذا ما عاد أحد يقرب “سليمة” أو يطلب يدها. إلى أن جاء ذلك الشخص الوافد على القرية المتفقه في الدين، الذي صار فقيها لأهل القرية. فتزوجت به وصارا يعيشان بسلام من إغداق أهل القرية وكرمهم حتى جاء اليوم الذي انكشف فيه على حقيقته، حين ضبط متلبسا يعاشر أحد الصبيان اليتامى ويغتصب طفولته، فزجوا به في السجن الإداري، وحتى تداري “ابتسام” الفضيحة هاجرت لا تلوي على شيء لتستقر بالمدينة لتبحث عن عمل هناك. وفعلا باشرت “سليمة” عملها كمنظفة بإحدى الإدارات، حيث أعجب بها المدير وهو برلماني سابق، ثم صارت عشيقته، بيد أنه لما علم بحملها لفق لها تهمة السرقة، وزج بها في السجن الذي قضت به سنتين نافذتين، لتخرج إلى الشارع صحبة طفلتها الرضيعة دون معيل. لولا عطف “كريمة” عليها واحتوائها لها وتعريفها “بمصطفى” ابن خالة “يوسف”.

إن رواية “سرير الألم” للكاتبة المغربية “زهرة عز” تعالج الواقع المر الذي قد تعيشه المرأة المغربية سواء في القرية أو المدينة وهو تكريس للعقلية الذكورية، ففي القرية يكون مآل المرأة النبذ إذا لم تنجب، بينما السلطة هي بيد أم الذكور فتكون هي الآمرة الناهية كما هو الشأن في حالة أم “بوعزة” ونقول الذكور وليس الرجال. لأن الرجولة شهامة واحتواء وليست استلابا للأنوثة وامتهانا للجسد. وإذا كان هناك أي عقم في حالة الزواج فإنه يلصق بالزوجة بينما الذكر فحل لا يعاب، لولا التقدم الطبي الذي عرى الحقائق، في حين بقي واقع الحال هو نفسه، أما الرجل في المدينة حسب الرواية فهو ثعلب ماكر يمعن في استغلال جسد المرأة دون أي مقابل في غالب الأحيان.

لقد قررت “كريمة” مساعدة صديقتها “سليمة”، فهيأت لها لقاء مع “أبو بسمة” البرلماني الذي يطمع في حقيبة وزارية، وطلبت منه “سليمة” أن يعترف بأبوته لابنته حتى لا تلحقها وصمة العار، وتتمكن من تقديمه لعائلتها. لكن البرلماني رفض ذلك لأنه سيشوه صورته الاجتماعية، فضلا عن كونه صار متزوجا من ابنة صديقه المسؤول الكبير الذي وعده بحقيبة وزارية، واقترح على “سليمة” حلا آخر، وهو أن يشتري لها شقة مقابل التنازل عن رفع دعوتها حتى لا تتشوه سمعته، كما رفض “يوسف” صديق “كريمة” المبلغ المالي المغري الذي عرضه عليه البرلماني لأجل إقناع “سليمة” بالتنازل عن دعوتها لتلافي المساس بسمعته، ” لا أستطيع أن أعترف بها، وضعي الآن أكثر حساسية، أنا متزوج، لكني مستعد لأي مبلغ تطلبينه، اشتري لك شقة ولن تحتاجي لأي شيء، ورماها بنظرة شرهة وابتسامة خبيثة تعلن نيته المبيتة ورغبته في التهامها من جديد”. (لكن “يوسف” صديق “كريمة” رفض أن يساوم ويتنازل عن مبادئه مقابل مبلغ مادي مغر، الملاحظ هنا أن الساردة تسوغ شهامة “يوسف” كونه عشيقا حميما “لكريمة”، ولا تعتبر ذلك فعل خيانة شنيع، وإن كانت “كريمة” على ذمة رجل آخر.

وفي الفصلين الأخيرين من الرواية تتكاثف الأحداث لتكشف عن جملة من الحقائق ومن أبرز هذه الحقائق أن “الغالي” الإبن الوحيد الذي رزقته “كريمة” من زوجها العجوز، والمقيم بسويسرا ما هو إلا خنثى، وقد أخضع نفسه لعملية جراحية تبعا لهرموناته المتساوية بين الذكورة والأنوثة، ونظرا لميولاته الأنثوية آثر التحول إلى أنثى فسيولوجيا وغير اسمه إلى “الغالية” بعد أن كان “الغالي”. وهكذا خطبت “الغالية” لأحد الشبان السوريين الذي تفهم وضعها. وكانا يجتمعان ببلاد الغربة رفقة ثلة من أصدقائهم من شتى البلاد العربية، ويتناقشون ما آلت إليه الأوضاع في بلاد العرب، وكيف تكالبت الدول على سوريا لنهب خيراتها وكذا العراق واليمن..

أما “سليمة” فقد رفضت الزواج من مغتصبها رغم خضوعه لما تريد، بعد اكتشافه لعقمه بسبب مرضه الأخير، ورضوخه لرغبتها في الاعتراف بأبوته “لبسمة”، لكن بعد أن فات الأوان، لأنها قررت الزواج من “مصطفى” صديق “يوسف” الذي توفي إثر حادث مروع، خاصة وأنه يدين لهذا الأخير بتغيير تفكيره التنويري، بعد أن تحرر من تأثير التفكير الرجعي الذي سيطر عليه بعد مغادرته السجن نتيجة تأثره بالشيوخ المتشبعين بفكر “ابن تيمية”. بيد أن “يوسف” أثر عليه وأحسن توجيهه للقيم الأخلاقية السامية ومساعدة المحتاجين.

يمكن القول إن الرواية تتعرض لمجموعة من قضايا العصر، وتعبر عن وعي المؤلفة بمجريات الأحداث سواء بالمغرب أو العالم العربي أو العالم ككل، وتستحضر جملة من الأحداث والقيم، كلوحة “الرسام الفلامنكي بيتروس باولوس روبنس التي يجسد فيها الجوع ومفهوم العطاء بلا حدود”، الفتاة التي ترضع أباها في السجن حتى لا يموت جوعا، لتظل رمزا للتضحية من أجل الحياة. وأيضا تضيف الرواية بعض التناصات التاريخية، يبرز ذلك جليا في استحضار أسماء بعض الشخصيات التاريخية والأدبية التي كانت ضحية التزمت الديني والتكفيري، كابن المقفع والتوحيدي وابن رشد والغزالي باعتبارهم تعرضوا للقمع الفكري واتهموا بالتكفير والزندقة. وهكذا تعبر الرواية عن تناقضات العالم العربي قديمه وحديثه كأنه موروث من السلف إلى الخلف، ويمكن اعتبار هذه الإشارات ذات أبعاد رمزية مميزة واستشهادات تناصية حافلة الدلالات.

ومضة الختام:

ومن ثم يمكن القول إن رواية “سرير الألم” تعالج الواقع المر للمرأة المغربية في مجتمع ذكوري يمتهن كرامتها حين تنعدم القيم، وتحضر العادات البالية. لقد عاينت الرواية جانبا مهما من التغيير في الصورة الدونية للمرأة التي أخرجتها من الفعالية الاجتماعية، وزجتها في نفق التصور الجنسوي الضيق المرتبط بالخطيئة والدنس. حين اختزلتها في الجسد على نحو ما أوردته الساردة، وهكذا يمكن القول إن رواية “سرير الألم” تبقى من أهم الروايات المعاصرة التي تلامس المعيش اليومي، فهي تتأرجح بين الواقعية والرمزية، وهذا ما وسمها بميزة خاصة خولت لها أن تحتل مكانة مميزة في مشهدنا الثقافي المغربي. ولعل تجربة الواقع المؤلم تسهم إلى حد بعيد في تغييره لاسيما وأن محاكاة الواقع المر كانت تهدف من خلاله الكاتبة إلى التحسيس ببعض المعاناة التي تعيشها شريحة واسعة من النساء المغربيات، ضحية التسلط والذكورية قصد التأثير في الواقع المعيش بلغة راقية وأسلوب محكم. فالوعي بالواقع جزء من معالجته، لما يمتزج الماضي بالحاضر كاستشراف لغد أجمل عسى المرأة المغربية تتربع فيه بحضورها المميز عرش الكفاح لأجل مستقبل تحفه القيم النبيلة، جنب شقيقها الرجل فهو الأب والابن والأخ والزوج والزميل.

لهذا صار لزاما ضرورة الكفاح لأجل تغيير النظرة الدونية للمرأة، باعتبارها إنسانة واعية مستقلة بذاتها، بغية خلق فكر تنويري متحضر يسعى نحو المساواة بين الجنسين بشكل راقي يضمن حرية أكبر للإنسان المغربي ومجتمعه. وختاما تبقى رواية “سرير الألم” للكاتبة “زهرة عز” منفتحة على رحابة التأويل وتعدد القراءات بالنسبة للمتلقي عموما.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد