وحده الغباء الجمعي جعل “أمينة” غير آمنة.. بقلم سامر أبوالقاسم

بقلم سامر أبوالقاسم

في مكان ما مِنْ أمكنة هذا الوجود المُتَعَدِّد في التاريخ كما الجغرافيا، كُتِب لأناس أن يعيشوا حياتهم، وبينهم مَنْ لم يحظ بفرصة الخروج منه طيلة الحياة؛ ففيه انبعث، ومنه غادر.

مكان تَغْرُب عنه الشمس كما تُشْرِق، ولا جديد غير توالي الأيام والشهور والأعوام، وغير تعاقب “الزائرين” بين الفينة والأخرى، حيث يقيمون ويندمجون ويُعمِّرون ويتصاهرون ويُفرِّخون ويُودِّعون.
يعتمد أهل المكان على طرق كسب بدائية في حياتهم، ويجهلون كل شيء عن سنن التطور، حيث يَتقبَّلون “الوافدين” للتعرف عليهم بما حفظوه من الود والصفاء، ومشاركتهم معاناة كسب الرزق وتحقيق الرغبة في البقاء، والعيش في نطاق الأمن والنقاء.
وعلى الرغم من صعوبة الحياة، إلا أن المكان لم يُكْتَب له سوى أن يعيش على إيقاع ما تعارف عليه الأهل، عبر تجارب الآباء والأجداد، وما اسْتُقْدِم من تجارب وخبرات “المُسْتَدْمَجين”. لأنه كان فاتحا أبوابه لكل من طلب الاستضافة، ورغب في الإقامة، واستحلى شروط العيش والاستدامة.
فقد كان الأهل أميل إلى العيش في إطار من البساطة وقبول التعدد في الطقوس والأعراف والتقاليد، وكان الناس مشدودين إلى أسلوب التفاهم، ومستكينين للتعايش، حيث تسود لغة الحوار والتعاون، لأنهم ببساطة يعيشون على أرض واحدة، ويتحركون في فضاء واحد، وملزمون بالتعامل بما يكفل تفادي المشاكل والفتن، وتجنب استنزاف طاقة الجميع فيما لا طائلة ولا نفع فيه.
وعلى الرغم من بساطة عيش الأهل، وجهلهم بطرق وكيفيات إدارة شأن الجماعة، إلا أن مؤشرات كثيرة على مستوى تعامل الأفراد وتفاعلهم، تدل على حضور ثقافة الاعتراف بالآخر وتقديره واحترامه، وآثار كثيرة تدل على حضور قوي للإنسان في أسلوب تعامل الناس.
المكان، وعلى الرغم من قساوة عيش أهله، إلا أنه يتسع لأناس يتسمون برحابة صدر، وَهَبَت المكان طابعا خاصا في العيش والتعايش، فهو من أقدم الأمكنة البشرية، وقد تسبب موقعه الإستراتيجي في تعرضه لغزوات، بحيث يكاد يستحيل إثبات شجرة أنساب الأفراد والأسر، لما وقع من تلاقح، ولما أسفر عنه من تزاوج يحتاج إلى الكثير من إثباتات الشرعية والمشروعية، وتناسل اختلطت معه كل الجينات والملامح والسمات.
وبالقدر الذي منح هذا التعاقب معالم تاريخية و حضارية تعكس غنى ثقافة المكان، بالقدر الذي كان يضفي نفحات إضافية لأنوثته، ويكسبها نوعا خاصا من الجمالية الخِلْقِية والاجتماعية والتفاعلية. فللمرأة في الثقافة والعرف الخاص بأهل المكان مكانة رفيعة، تكاد تكون مُجَسِّدة لرفعة المكان الذي يوجد على ربوة شامخة، وعلى ضفة أكبر نهر، من حيث الحجم والعمق والتدفق.
وعلى الرغم من الدقة في اختيار الأولين للموقع، بما يضمن سهولة الاتصال عبر الوادي، وبما يحفظ شروط الأمن والاستقرار عبر العلو والارتفاع، إلا أن المكان كان دائما عرضة للأطماع والحملات والاستهدافات، بالضبط كما هو وضع المرأة داخل بنية العلاقات السائدة داخل المكان ذاته.
حظي المكان باهتمام بالغ من أهله، وتمت حمايته من كل الهجمات، رغم أن النوايا التسلطية والتحكمية تجاهه ما كانت لتتراجع، حتى أتاه الاجتياح من مكان الشروق، وحصل تغير في اللغة والتواصل ونمط العيش، بل وفي كل المعالم التي كانت تدل على مدينية المكان.
كان المكان، وكل ما يدور في فلكه، مستقلا في اختيار طرق عيشه، وحرا في تحديد طبيعة وشكل علاقاته، ولم يكن لِيُفَكِّر أهلُه في أن يكونوا خاضعين لغير أنفسهم وإرادتهم الجماعية، إلى أن استقر به غير أولئك السابقين، وأحضروا معهم عادات وتقاليد، ونافحوا في التشبث بها، وانكفأوا على ما أتوا به، وأصبحوا رافضين لأي نوع من التلاقح والتزاوج والتعايش. وأصبح العجز يدب في مفاصل المكان، وحصل الضعف والوهن، وما عادت للأهل قدرة على مواكبة التطورات في الزمن، ولا استطاعة لإصلاح أحوال الأهل والمكان، ولا حتى رغبة في التعامل مع المجاور له من الأمكنة.
ما عادت الأحوال كما الأحوال، فقد تغير كل شيء، والأمور أصبحت تتقهقر بفعل الاحتقان، وتَعَسَّرت سبل التعايش، وضاق المكان بأهله، وما عاد الواحد منهم يهنأ براحة البال، وزادت التوترات، وانعكس ذلك على الأبناء؛ فما عادت التربية هي التربية، ووقع التفريط في المنظومة القيمية، وأصبح التحكم في الناس طاغيا، وفرض الوصاية على النساء والأبناء باديا.
ما عاد للأهل صبر، ولا طاقة لاحتمال كل هذا التراجع عما كانوا به ينعمون من طمأنينة وسكينة، وأمن وسلام، وأصبح الجميع منكفئا على ذاته غير آبه بما يقع حوله، وكأن لسان الحال يقول: “ما باليد حيلة” في سبيل التخلص من هذا الكابوس الذي جثا على أنفسهم إلى حد الاختناق.
…………………………………….
أصبح المكان مرتعا لشيوع الميل عن الاعتدال، والاتجاه نحو التسيب، واعتماد مجاوزة الحد أسلوبا في فهم الحياة وما ارتبط بها من قضايا ومسائل دينية ودنيوية. وانتشار بدعة الارتباط بكل ما هو بعيد عن المتعارف عليه بين أهل المكان، والتهييء لنشر وترسيخ معتقدات دينية مصحوبة برغبة في الانتقال إلى ممارسات عنيفة.
ودَبَّ في مفاصل المكان التعصب للرأي، وعدم السماح للآخرين بمجرد إبداء الرأي، والانطلاق من الإيمان بمكانة الوساطة بين الله والبشر، وتمثيل الحق في مقابل متاهات وضلالات الآخرين، واعتماد العنف في التعامل، والخشونة والغلظة في الدعوة، والشذوذ في الشكل والمظهر، والنظرة التشاؤمية في المستقبل، وتمجيد الماضي، والتقليل من أعمال الآخرين والاستهتار بها، والاندفاع وعدم ضبط النفس، والخروج عن القَصْد الحَسَن والتسيير المعتدل.
مع هذه الثلة من المفترين على الله، تحول الفكر المتطرف إلى أنماط عنيفة من السلوك؛ وإلى اعتداء سافر على الحقوق والحريات والممتلكات، وإلى سفك للدماء واستباحة للأرواح وتهديد للسلامة الجسدية، عبر تشكيل “جماعات” تقوم بـ”الجهاد” في حق المجتمع والدولة.
ومع هؤلاء، تحولت “النوايا” و”الأفكار” إلى سلوكات إجرامية، حيث التشدد في الاعتقاد، والمبالغة في العبادة، والتمادي في التقليل من شأن الالتزام الديني لدى الناس، وتكفير الآخرين، وتوعدهم وتصفيتهم، وهي كلها صفات للجماعات الظاهرية المتطرفة التي أُطْلِقَ على أصحابها منذ عهد بعيد وصف “المتنطعين”.
حالة التسيب والفوضى هذه، أحدثت في المقابل رجة كبيرة في طبيعة العلاقات وشكل التفاعلات، حيث زرعت ردود أفعال متفاوتة من حيث الاعتدال والتطرف في التصرفات والسلوكات، فأخذت الصلات تتراخى وتضعف، وأصبحت النزعات الفردية طاغية، وباتت المصالح الآنية هي الحاسم في التعايش بين الناس، وعرف المكان استفحال اللصوصية “دون الاهتداء” إلى منفذيها، وكثر السطو على الممتلكات بتعدد الأهداف واختلاف الأنواع والجودة.
وازداد عدد الضحايا الذين تعرضت ممتلكاتهم للسرقة، وازدادت معهم النقط السوداء، ذات الحيوية من حيث مزاولة مختلف الأنشطة الخارجة عن القانون والأعراف والتقاليد، وأصبح المكان لا يخلو من الآفات الخطيرة والمتنوعة، ومن الفضاءات المعروفة في مجال الاتجار في المخدرات والإدمان.
وغالبا ما تجد أن ممارسي السرقة ومختلف عمليات السطو وقطع الطريق والضرب والجرح والقتل معظمهم شباب؛ يتواجدون في مختلف أطراف المكان وهوامشه، ويتجهون إلى تلك المناطق التي تتوفر لهم فيها سبل الحماية والعناية، والإفلات من قبضة السلطات والعقاب.
والغريب في الأمر كله، هو أن مجمل العمليات الإجرامية ـ سواء تلك التي اقترفت باسم “الدين” وتحت يافطة “النهي عن المنكر”، أو تلك التي ارتكبت بدوافع جرمية انحرافية ـ أصبحت تتم دون خوف من هاجس الملاحقة والمطاردة والمتابعة، والتدخل من طرف السلطات الأمنية، خصوصا وأن أهل المكان واعون بضعف السلطات وعدم قدرتها على بسط نفوذها وسيطرتها على المجتمع، وأن البشر الذي يعهد إليه بمهمة إنفاذ القانون اخترع العديد من طرق التحايل والحيلولة دون اتباع المساطر القانونية، وعلى رأسها الرشوة والقرابة والزبونية والمحسوبية.
…………………………………….
في هذه الأجواء المشحونة، عاشت أسرة مكونة من أبوين وخمسة بنات، وكان الفقر هو السمة المرتبطة بالأسرة، حيث العوز وعدم القدرة على تحقيق أبسط مستلزمات العيش. صحيح أن فقر هذه الأسرة لم يصل إلى الحد الذي يؤدي إلى الموت جوعا، لكنه كان دائما يؤشر على تدني مستوى دخلها مقارنة مع باقي الأسر، وعلى اتساع مساحة الحرمان لدى أفرادها، وعلى التقهقر نحو مآلات خطيرة، قد يكون الموت أهونها في مثل هذه الحالات.
وبما أن الأب عاطل عن العمل، ولا ينعم بالاشتغال إلا نادرا، وبما أن الأم أنهكتها كثرة المهام وتعدد الانشغالات، والبنات لا زلن صغيرات، والوضع ينبئ بأن الكل مغلوب على أمره، فإن حق الأسرة في الحصول على حد أدنى من الحاجات والمتطلبات غير مكفول، ومستوى المعيشة بالنسبة لأفراد الأسرة لا يتعدى عتبة استهلاك سلع جد محددة وبخسة الثمن على مستوى المأكل والملبس، أما السكن فهو عبارة عن مكان يحضن أشخاصا بين جدرانه، في غياب أدنى شروط سكن أسرة.
وكيف للأسرة بمسكن وملبس وغذاء لائق، في ظروف لا يمكن الحديث فيها عن دخل قار ومحدد؟ خاصة وأن مصادر أفرادها المادية ضيقة إلى حد الإقصاء من أنماط الحياة المقبولة في المكان الذي يعيشون فيه. وهو ما يعرض بعض أفرادها إلى الوفاة في سن مبكرة، كما وقع لاثنين من أبناء الأسرة ذاتها، نتيجة سوء التغذية. كما تعجز البنات عن متابعة الدراسة، بما عَرَّضَهُنَّ لعدم القدرة على القراءة والكتابة والتجاوب مع الشروط الأساسية للتطور والتحضر. وبالتالي أصبحت الأسرة برمتها عاجزة عن الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتعرضت بناتها للعطالة.
فالواضح أنه نظرا لضعف تعلم الوالدين، وقلة إدراكهما لأهمية التعليم، وعدم امتلاكهما للموارد التي تسمح بتوفيره لبناتهما، وعدم قدرتهما على التضحية من أجل مستقبل أفضل، فإن البنات أصبحن أيضا غير متعلمات، ما عَزَّزَ استمرار الفقر في هذه الأسرة من جيل لآخر. وهذه الوضعية كانت لها نتائج خطيرة على الصحّة ونوع الثقافة السائدة في حياة الأسرة، وحرمتها من المشاركة الاجتماعية.
لذلك، لا مفر للأسرة من تشغيل البنات وَهُنَّ صغيرات، حيث دخلن ميدان العمل؛ فمنهن من عملت خادمة بيت، ومنهن من عملت في الشارع، لتصبح ظروف حياتهن أكثر قساوة، وبعيدة عن دفئ الوالدين، وأصبحن عرضة لأحداث تخرب شخصيتهن بسبب تسلط الكبار، وسقطن في فخ العبودية أكثر.
البنات أصبحن معزولات، فهُنَّ لا يشعرن بهذا العمل الذي يُلَغِّمُ عاداتهن، ويُغَيِّرُ حركاتهن وطريقة تفكيرهن. وكلما تَقدَّمْن في العمل، كلما قَلَّتْ إمكاناتهن النفسية والفيزيولوجية… ليصل الأمر إلى المساس بحيويتهن.
سارت وضعية البنات من أعقد مظاهر الفقر جميعها، فقد غادرن تماما المدرسة في سن مبكرة، حيث وجدن أنفسهن مضطرات لتدبر قوت يومهن من أجل العيش، وهُنَّ بهذا الوضع دخلن في حلقة العمل، ليجدن أنفسهن مرة أخرى مضطرات لـ”لاندماج” في لعبة العمل داخل محيط الإقصاء والتهميش، مع كل ما تحمله هذه اللعبة من مخاطر. ومن أجل أن يعشن، وجدن أنفسهن باحثات عن إقامة توازنات تسمح لهن بتخفيف الضغط عليهن، بما يلقي ببعضهن إلى عالم المخدرات، وإن اقتضى الأمر أيضا الدخول في دوامة العنف والإجرام.
وفي زحمة كل هذه الضغوطات النفسية، وفي خضم كل مظاهر هذا الإقصاء بمختلف صوره، كيف يمكن للواحد منا تصور تفادي هذه الأسرة للآثار الخطير في حياتها وحياة بناتها؟ ألا تعد هذه الحالة تربة صالحة للتطور باتجاه مزيد من التطرف والانحراف والعدوانية؟ ألا يمكن اعتبار مثل هذه المآزق الأسرية عبارة عن احتمالات التخصيب في مجال العنف والإجرام؟ والمؤكد في تاريخ البشرية جمعاء، هو أن الحاجة بالقدر الذي تولد الاختراع، يمكنها أيضا عند صد الأبواب أن تولد الانفجار.
فلا الأسرة قادرة على تأمين يسر المعيشة من الجهة المادية، ولا هي ذات استطاعة لحفظ أمن مكوناتها، ولا هي متوفرة على شروط الالتزام بتعليم أبنائها، في حين يراد لها أن تكون الخلية الأساسية في المجتمع. لذلك يمكن الجزم بأن ضعف وتخلف الأسرة وفسادها هو سر فساد مجتمع برمته. فلا هي معتمدة في حياتها على الترابط وحسن المعاشرة والتربية الحسنة وحسن الخلق ونبذ الآفات؛ ولا هي قادرة أن تُبْنَى على التكافل القائم على أساس من التماسك والتناصر بين الأفراد.
…………………………………….
“أمينة” تبلغ من العمر سن الخامسة عشرة، وهي الثالثة من حيث ترتيب البنات الخمس لهذه الأسرة. ومصيرها كان مغايرا لمصير أخواتها، حين قرر كل من الأب والأم تزويجها بمغتصبها في هذا السن، تفاديا للعار، وسترا لشرف العائلة، وتفاديا لشماتة الجيران. وبذلك، لم يكن أحد يتصور ما يمكن لهذه الطفلة أن تتخذه من قرار تهتز له الأركان، وتشيب من هوله الولدان، وتفضح به مستور المكان، وتعري ما كان عليه كبار الأهل من نفاق وبهتان.
قرارها انطوى على إرادة قوية في التخلص من الخضوع لسطوة الجهل والطغيان، وكَثَّفَ نوعا من الاستنكار لما ساد من علاقات بُنِيَت على إفقاد الأهل شروط الكرامة، وشكّل صرخة في وجه أهله للامتناع عن الانصياع لعقلية الاستعباد.
“أمينة”، في حلكة الليل قد نجد مشابها للون شعرها الأسود، وفي ضياء الشمس قد نلفي مماثلا لشعاع نور وجهها الأخاذ. وفي صورة سفينة مبحرة في الأعماق مطابقا لعينيها، مبحرة بمجاديف هي في الأصل حروف رموشها. ولمعان عينيها لا يضاهيه في الصفاء سوى الماء، وفي البريق سوى النجوم. أما شفتاها فهما ـ خِلْقَة ـ مُلَوَّنَتَيْن بلون شقائق النعمان، ولؤلؤ أسنانها مستعار من بياض الثلج في الشهرين الأول والثاني.
جميلة هي “أمينة”، تتراقص بمشيتها كفراشة بين الأغصان، وتجعل الكل مشدوها بضحكتها. فهي لا تعرف بَعْدُ حسدا ولا لوما ولا حقدا ولا كذبا ولا بهتانا، ولا تجيد همزا ولا لمزا، ولا تنطق إلا رِقَّة وعذوبة، بل هي لا تفيض سوى حبا وحنانا.
لا أحد بَعْدُ يعاتبها، فهي في بيت أبويها أجمل بكثير من زهرة بمزهرية، وملهمة للسعادة الأسرية، بحيث تعانق أهلها بحب وحنان، وتلفهم بالأحضان، وهي لا زالت لأمها غرة عين معها تشعر بالأمان، وهي نبتة تسقيها بدمع العين لو عطشت، وتشفق عليها حتى لو عطست، وتدفئها بحرارة حبها لو بردت، وتفرش لها الحضن لو نعست، ومهما قلنا لن نوفيها حقا ووصفا.
بالرغم مما قد ينطوي عليه وصف “أمينة” من حسن وجمال، فهو ليس “تشويقا” مؤديا إلى الدخول في تفاصيل قصة رومانسية، ولا دخولا في إطار “الغزل” الخاص بذكر الأعضاء الظاهرة في المحبوب ووصفها ومدحها، أو في سياق “النسيب” الخاص ببث الشوق وتذكر ماضي الأيام الخالية وتمني التمتع المقبل باللهو، أو في معرض “التشبيب” الخاص بذكر أيام الشباب واللهو والغزل.
فأحوال المكان لم تعد تتسع لكل هذا، كما لم تعد تقبل أي رائق مزاج، وأصبحت الأجواء بعيدة عما يمكن أن تشتم منه رائحة اللهو والمرح، ولو في إطار لعب الأطفال وتزجية الوقت. فالمرأة محتجبة كما في جاهلية بعض الأقوام، ولا يظهر منها إلا وجهها وأجزاء قليلة جدا من الجسد، وهي مختبئة دائماً داخل البيت، لا تخالط الرجال.
وعلى كل حال، لم تسمح ظروف المكان، ولا شروط ضيق خاطر أهله ونفورهم، بذكر كل أوصاف “أمينة”، خوفا من أن يتم تناقلها عبر ألسنة الرواة والمحدثين، وهو ما لم يسمح لنا بالمعرفة الدقيقة ما إذا كانت “أمينة” معتدلة القامة ومائلة إلى الطول، أو ما إذا كانت بدينة أو مكتنزة أو موشومة اليد، أو….
آه، لقد اختلطت علينا الأمور، إلى الحد الذي لم ننتبه إلى أن “أمينة” التي نتحدث عنها ونحاول أخذ صورة عن ملامحها وفكرة عن أوصافها هي لا زالت صغيرة، هي بنت الخامسة عشرة من العمر، أي لا زالت طفلة، ولا مجال للحديث عن المفاتن المغرية والمشوقة.
…………………………………….
كانت كأي طفلة، تلعب وتلهو، تدخل وتخرج، تتابع أطوار أيامها مع نظيراتها من بنات الحي. وفي يوم ما اعترض سبيلها شاب في أواخر العقد الثالث من عمره، وهو ابن الحي المجاور، عاطل عن العمل، ولا شغل لديه سوى اعتراض طريق المارة والسرقة والإقبال بشكل هستيري على الكحول والمخدرات، إلى درجة أنه دأب على مغادرة منزل أبويه لأيام وأسابيع وشهور، ليجد لنفسه مستقرا في إحدى الغابات المجاورة، هربا من ضحاياه ومن شرطة المكان.
اقتاد الشاب معه ضحيته إلى الغابة حيث المستقر، وهناك مارس عليها كل أشكال التعنيف والاغتصاب، واحتفظ بها معه لأيام وأيام. وضغط عليها كي لا تخبر أحدا بما وقع، وكي تبقى في خدمته وطاعته كلما أراد اصطحابها إلى الغابة. وهكذا ظلت “أمينة” تخضع لنزواته ورغباته مرات ومرات، وتغادر معه تحت الإكراه إلى الغابة وتستقر معه هناك لأيام، وتعود إلى المنزل، بدون مراقبة ولا مساءلة من قبل الأبوين. إلى أن افتضح أمرها مع أمها بتبين حملها.
فما كان من الأم إلا أن أخبرت أباها بما وقع، وتقدما إلى المحكمة، ورفعا دعوة ضد الشاب، وبعد مسار من التحقيق والتدقيق، طلب الوكيل العام من الأسرة أن تستر فضيحتها عبر تزويج البنت لمغتصبها. وذلك ما كان، بحيث تم تزويج “أمينة” للشاب، وانتقلت للعيش معه. وبذلك كان الشاب قد أفلت من العقوبة السجنية الخاضعة ظروف التشديد، وكانت “أمينة” مجبرة ـ بدافع محو العار عن الأسرة ـ أن تتزوج به وتعيش معه تحت سقف بيت الزوجية، لكن في “أحضان” أبوي الشاب.
بين يوم وليلة، اقْتِيدت “أمينة” وعُنِّفت واغتُصِبت وزُوِّجَت، لتجد نفسها في قلب حياة لا تطاق، حيث “الزوج” اعتاد تعنيفها صباح مساء، وحيث لا مجال لتنعم بتغذية متوازنة ولا باستكانة وراحة بال، واستمر الحال على هذا المنوال لمدة أشهر معدودة، لتقرر في نهاية المطاف أن تضع حدا لحياتها وحياة جنينها، فأقبلت على شرب سم الفئران، وانتحرت.
…………………………………….
قرار “أمينة” رفضٌ لما تعرضت له من اغتصاب وتزويج قسري وتعنيف، واستنكارٌ لفقدانها الكرامة جراء سلوكات متوحشة، وصرخةٌ في وجه البشرية لرفض الرضوخ للاستعباد، الذي تسللت عقليته إلى المكان في غفلة من أهله.
الانتحار، كان تعبيرا عن رفض إفلات الجاني من العقاب، واحتجاجا على ابتعاد الناس عن الحس الإنساني، وتفجيرا لقضايا تدبير العيش المشترك على قاعدة الانتماء لنفس المكان، والتنشئة على أساس منظومة إنسانية؛ تقدر الفرد وتحترمه، وتوفر له سبل العيش في أمن واطمئنان.
انتحار “أمينة” رفضٌ لاستمرار الاتجاهات المضادة للعمق الإنساني في علاقاتنا، وتجسيدٌ لشعور الكثير بفقدان تقدير الذات واحترامها، وتعبيرٌ عما يتعرض له الكثير من إجبار وحرمان لحظة اتخاذ القرار، وإحساس بعدم القدرة على التمتع بكافة الحقوق على قدر مساو للجميع.
هو انتحار بطعم عتابٍ ولومٍ، على عدم قدرة المكان وأهله على التعبير عن السلوك التضامني للتخفيف من معاناة وآلام الضحايا، والتعاون معهم قبل مماتهم. و”أمينة” بفعلها هذا، زادت من عمق الشعور والوعي بأن المرأة مهددة وغير آمنة ومحبطة، ومعرضة للمزيد من الظلم والقهر.
والحاصل أن أهل المكان كانوا مطالبين باستحضار المسؤولية المشتركة داخل أماكن العيش المشترك. فما هو دور القانون والجهات المعنية بإنفاذه إذاً، إن لم يكن حماية الأفراد داخل هذا المكان؟ وما هو دور التنشئة والتربية إذاً، إن لم يكن الحيلولة دون صدور مثل هذه التصرفات المتوحشة؟
فقضية القاصرات المعرضات للوقوع في نفس هذه الوضعية المأساوية، كم تتطلب من البشرية من مجهود لإبراز الدور الكبير للراشدين في غرس القيم لدى الأجيال الناشئة، منذ الحلقات الأولى من مسار نموهم؟
الاغتصاب، والتزويج قسرا، والتعنيف: جرائم شنيعة، لما ينتج عنها متفرقة من مآسي على المجني عليها، كما على محيطها، فما بالنا إن اجتمعت في حالة واحدة؟ وهي كلها جرائم طالت “أمينة” للأسف “بحضور” الأهل والأقارب، وعلى مرأى ومسمع من الجيران والساهرين على إنفاذ القانون.
وبدل أن يخضع الجاني للعقوبة، التي تدرجت فيها معظم القوانين البشرية من الحبس المحدد إلى المؤبد في مثل هذه الحالات، “تواطأ” الجميع على ترك سفينة “أمينة” تغرق.
…………………………………….
بالإضافة إلى الوضع الانهزامي والمأساوي الذي تواجدت فيه “أمينة” داخل فضاء محيطها الأسري والمجتمعي، وبالإضافة إلى دلالات الحدث/الجرم المتمثل في الاغتصاب والتزويج القسري قبل الأوان والتعنيف، يتضح مقدار المسافة التي تفصلنا عن العيش المشترك في ظل منظومة معززة للذات/الفرد، ويتم إدراك حجم الدور الأساسي للتنشئة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.
سن “أمينة”، هو سن إبراز الذات والاعتناء بها، والدفاع عن الاستقلالية، والتشبث بالقدرة على ممارسة الحرية الشخصية… هي لم تتذوق طعم قيمة الكرامة أو الحرية، بل توفيت وبداخلها غصة تجاه الكبار، الذين لم يتقنوا سوى التعبير عن عجزهم في نقل الجانب المشرق من الحياة وترسيخه لدى أطفالهم.
إقدام “أمينة” على وضع حد لحياتها، يبين أنها تعرضت لأسوأ معاملة، كالاغتصاب الذي ألحق بها أشنع أنواع الإهانة، وكالرضوخ لمُغتصِبها دون مراعاة لمقومات العلاقة الزوجية، وكالتعنيف من طرف الجاني طيلة فترة التزويج. كل هذا أشعرها بفقدان تقدير ذاتها واحترامها، لِمَا تعرضت له من تحقير، فأصبحت مستبطنة للعجز عن الاعتزاز بذاتها والافتخار بها.
فـ”أمينة” كانت في وضعية قهر، مليئة بالإحساس بعدم قدرتها، وعدم قدرة الأسرة والجماعة، وعدم قدرة المجتمع والقانون، على ضمان حقها في العيش في نطاق الكرامة وكل أشكال التعبير الذاتي، وفي إطار التمتع بمعاملة الآخرين لها بما يحفظ هذه الكرامة.
أفلا يتطلب هذا محاربة الاتجاهات التي تبث الحقد والكراهية، ومواجهة الأعراف والتقاليد والنصوص الفاسدة، المعززة لشروط استمرار التحقير تجاه النساء؟
ويظهر أن “أمينة” تعرضت لجبر وضغط خارجي مصدره المُغتصِب، وهو سلوك مهين يستحيل عليها تَقَبُّله، كما أُجْبِرَت على الرضوخ لمُغتصبِها داخل “المؤسسة الزوجية” دون مراعاة لحقها في اتخاذ قرار مصيري، ودون اعتبار لحقها في اختيار شريك حياتها، علما بأنها لم تصل بعد مرحلة التمييز.
ومع الضغط عليها للقبول بالعيش داخل علاقة موسومة بالتعنيف، تكون جميع العوامل قد تضافرت ليتولد لديها الشعور بفقدان حريتها الشخصية، وبتَدَخُّل الآخرين في تحديد مصيرها، وبتعريضها مُجبَرة للإهانة والتحقير، أصبحت فاقدة للإحساس بكينونتها، ومدركة لكونها عبارة عن شيء مؤثث لفضاء “الرجل”.
“أمينة”، وجدت نفسها في قلب التبعية المفرطة المقيدة لشخصها، وفي دوامة الضغوط القاهرة المفروضة عليها، لتنفيذ أغراض مرتبطة بنزوة المُغتصِب، وبرغبة الأهل في التستر على “العار”، ووجدت نفسها في منأى عما يمكن أن يفيد حالة التخلص من العبودية، التي حاربتها وجرمتها البشرية.
“أمينة” سُلِبَت الحق في التمتع بكافة الحقوق على قدر مساو للجميع، وهي كانت تتوسم في الجميع أن يكون في مستوى ضمان حقوقها ومحاربة الأفكار والنزعات التمييزية، بما فيها النزعة الذكورية المتعالية، التي أشعرتها بوضعها الدوني غير المساوي لـ”الرجل”. وكأن لسان حالها يقول: هل من تعبير عن قدرتنا الفعلية في فرض مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية والحرية في اتخاذ القرار والاختيار، وعدم الرضوخ للجبر والإهانة والقهر؟
تُرَى، قبل أن تنتحر، كيف كانت أحاسيسها ومشاعرها؟ تجاه المكان الذي لم يضمن لها الاستقرار والنمو الطبيعي في مثل هذه المرحلة العمرية، وتجاه عدم تعبير هذا المكان ذاته عن السلوك التضامني الإنساني المخفف من معاناتها وآلامها، والمتعاون أثناء المحنة وهي على قيد الحياة، لا بعد مماتها.
أحست “أمينة” بأنها غير آمنة، وشعرت بالتخلي عنها، ووعت جيدا كيف يتخلى الأهل والمكان عن أطفاله، ويفقدهم شروط الإنسانية. فكيف لها أن تكون مواطنة

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد