بقلم رزاق عبدالرزاق
عودة جديدة أقرتها الظروف، إلى “السينما المغربية” التي يوحي جريانها المتلخبط للاستغراب، لكونها عاشت سنينا وحقبا متراكمة، بين البحث عن الذات والتيه الهوياتي الذي فرضه الاستعمار الأجنبي، مند إحداثه (لمصلحته الاستعمارية الخاصة) للمركز السينمائي سنة 1944، ولم تستطع، بعد الاستقلال، أن تشق طريقها بثبات، وتتضح معالمها التعبيرية والاستيتيقية، كما حصل للسينما الاسكندينافية و الكورية الجنوبية. نود تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة، والمتداولة بشكل فظيع بين مسيري المؤسسة الوصية على القطاع، و الذين، مع كامل الأسف، لم نجد بقربهم من يملك ثقافة انسيكلوبيدية موسوعية، ويقدر المسؤولية الثقافية المنوطة به حق تقدير.
إن كان البعض لازال يتذكر ، ففي أول خرجة عمومية للمدير الجديد، الذي حل بعد الصايل، بمناسبة افتتاح مهرجان الفيلم القصير المتوسطي بطنجة، لاحظنا نفس الضبابية على مستوى الرؤية. كانت مداخلته غير موفقة، لأنه اكتفى بقراءة ميكانيكية لما أملي عليه من طرف مساعديه، حيث اعتبر أن الفيلم القصير “هو المدرسة الأولى التي يمر منها المخرج للوصول إلى إبداع الفيلم الطويل” . وهذا كلام مغلوط يظهر بوضوح الغباء و ضيق الأفق الثقافي، والارتجال على مستوى التصورات لذا إداريي السينما بالمغرب. فكما وضحنا ذلك في مقالة نشرت سابقا في المدونة ”رزاق سينما”، نسخت بالفرنسية ووزعت في مهرجان مراكش على أبرز المتدخلين في الندوات، لإزالة اللبس التصنيفي ساري المفعول: إن الفيلم القصير صنف قائم بذاته، له خصائصه ومميزاته الديونتولوجية.
نكرر القول، لكن هذه المرة بلغة ”الضاد والغين”، أن الفيلم القصير يمثل القصة الصغيرة “ la nouvelle ’’ بالمقارنة مع الأدب الملحمي الروائي ” les grandes fresques romanesques ” ، وليس زورق لعبور نهر الاحتراف، كما يعتقد بيروقراطيونا . فقبل إعطاء البديل المعرفي والابستمولوجي، لهذا التصور السطحي للأشياء، والذي يعتبر بينويا بالنسبة للذين يتبنوه، نشير إلى التناقض الذي فجرته بعض الألفاظ التي جاءت في كلمة الافتتاح ل ” مسيو سينوش مايد إين موروكو” . فما دام الحديث عن مبتدئين، فلماذا تم إقحام كلمة ”مخرج” ؟ ففي الولايات المتحدة يقضي المتدرب أزيد من 10 سنوات كمساعد للإخراج، قبل أن يمر إلى إبداعه الشخصي، لأن المنتجين ”أصحاب الشكارة” لا يتقون في المبتدئين، كما لا تتق(بالموازاة) الشركات العقارية في المهندسين المبتدئين، خوفا من سقوط البناء قبل تسليم المفاتيح. ولنا في مغرب العجائب أمثلة متعددة ، كان سقوط عمارة حي أولاد وجيه بمدينة القنيطرة ، واحدا من أبشعها. لذلك نرى تساقط ”الأفلام” بدون حسيب آو رقيب، لأن المنهجية المتبعة أصلا ليست صالحة، لا فنيا ولا اقتصاديا. نرمي ”بالأموال عبر النوافذ” كما تقول العبارة الإفرنجية.
وحتى لا أطيل في الرد والسرد الغير المجديين، لأن مسؤولينا لا يقرؤون، وان قرؤوا فلا يفهمون، وان فهموا تراهم يفرطون في ”كثرة لفهامة” . كل من له عقل متزن وذاكرة حية يعرف أن السينما بالمغرب تحتضر، لأن مجال تألقها الحيوي تقلص بشكل خطير، وجسدها أصابه فيروس إيبولا، ويستعصي إيجاد لقاح وقائي آو دواء لعلاجه، لأن الاستهتار الإداري ترك الفساد يستشري في دواليب ”المركز اللي هناك” ، كالدم المتعفن في الشرايين المتصلبة. فجرعة الأكسجين الوحيدة التي تنقده من الموت تأتي عن طريق الإنتاج الأجنبي، الذي يختار صحراء وارزازات لتصوير لقطاته بأرخص الأثمان (خذوا العبرة من ما قاله فرانسيس كوبولا في هذا الصدد) و التي تلعب فيه الشركات المغربية دور ”لمسخر”، (le courtier) بتكليفها بجمع الكومبارس، مع العلم أنه يوجد من بين المشاركين سذج لم يسبق لهم أن شاهدوا ولو شريطا سينمائيا واحدا في حياتهم. بماذا سيفيد السينما إنسان لا يفرق بين ”الليف و الزرواطة”؟ هؤلاء السذج يستغلون من طرف أصحاب الشركات البيضاوية شر استغلال؟
”تا يعطيوه تارازا ويكولو ليه تخشى وسط الناس”.
بل رأينا ممثلين مغاربة ممن يعتبرون أنفسهم مهنيين، لكن فاجئونا بأدوار منحطة لا تشرف البلد شعبا وأرضا. في حين نجد المكسيكيين أكثر حيطة ويقظة اتجاه مخرجي أفلام رعاة البقر الأمريكية ، حيث فرضوا عليهم بعض الأشياء لكي لا يتحول الشريط إلى طعنة من الخلف . فما فائدتنا من سينما أجنبية تنشر اكليشيهات ومفاهيم مغلوطة حول الإنسان المغربي ؟
والحمق كل الحمق أن يقرر المركز السينمائي تخصيص جزء من صندوق الدعم لفائدة مخرجين أجانب كأنهم فقراء ونحن أثرياء.