جئت لأزف إليكم بشرى موتي.. قصة قصيرة

اليوسفية: الأديب والقاص المغربي المهدي نقوس

“حتى على الموت لا أخلو من الحسد”.. الوأوأء الدمشقي

الكثيرون يستعجلون مماتي حتى وأنا مسجى على الحصير، الحصير البارد للموت الكئيب، لم يكفوا عن الشماتة بي، وانتظار الشهقة الأخيرة أولادي ليرثوا الصئبان والبق والقمل.

معارفي ليتقوا عفة لساني.

الحكومة كي أكف عن وقاحة مهاجمتها والمطالبة بنصيبي من ثروات البلد.

الرب أيضا لأسباب لا أستطيع تخمينها..

وملك الموت الذي لم يكن أقل رأفة منهم، ولا أرق قلبا، شويخ من الغابرين، أتذكره جيدا حين جاء لزيارتي غير ما مرة بأزياء تنكرية، كان يمارس لعبته الوضيعة، نتعارك وننهي معاركنا بالشتائم والحجارة والوعيد، ونفترق من دون دماء، ونتواعد على لقاء جديد، يمنيني بجنان مغبشة وخمور رديئة وحور معمشة، ويساومني ويفاصل وينازل، ومرات أتى على هيأة امرأة أنيقة في كامل عدتها صبية غيداء حسناء هيفاء فاتنة متبرجة مشرعة كنوزها، راودتني بكلماتها الموغلة في العهر والهشاشة والرقة واللين، وأمعنت في افتتاني بغنجها الماكر ورقتها الفاجرة وغمزاتها الساحرة وحركاتها الداعرة، وعجيزتها الموزونة على هيأة قصيدة غزل، فأصد عنها وأكسر كبرها، وأقول يا حمقاء غري غيرنا*..

هذه المرة جاء إلى عقر داري محمر العينين، ونفسه تنطوي على شر دفين، لم يخيرني بين فرضيتي موت الرحمة واختيار ميتتي بنفسي، أزال الغطاء من فوقي بقوة، كنت عاريا إلا من نصفي جورب ومئزر مثقوب من الخلف وإحدى بيضاتي تطل، بدأ يضغط على متانتي بعنف، ويعصر مصاريني حتى أضرط وأتغوط واتبول، ويجر لساني بقوة سفاح محترف، ويطبق بقبضتي يديه الخشنتين على رقبتي بشكيمة وصبر مجرم، ويطلق كلابه المسعورة تلغ في أسن دمي، موت عدو لا يمت للحياة ببصلة، يحاول في عجلة من أمره طرد الروح من جوفي، وإنهاء الأمر بسرعة، عين علي، وعينه الأخرى على طابور من المنتظرين، يصر على شفتيه بأسنانه المدببة، وسحنته المكسوة بدثار يأس مكين، لم أكن أعتقد أنه بهذه القساوة والغلظة والفظاظة والحقد والكراهية والخسة والجبروت، هو الذي لم يفرح يوما لأفراح كائن، ولم يستأنس ابدا لميلاد صريخ، ولا لانت أحشاؤه يوما لأنه عجوز دردبيس، – ولم يحزن على فقد أخ ولا حزن أم على ولد -، كانت حركاته من البذاءة والوحشية والقسوة بقدر تجعلَني أرتجِف حتى تصطك عظامي، أئن تحت ضرباته ورفساته وركلاته ولا أستسلم، وأظَن أَني هالك لامحالة. ولا أتوسل، فأغافله وأفوز بنصيبي من حموضة أنفاس نبيذ فاسد، وأنقب في مؤخرة جمجمتي، ألملم أشطان أحلام معتقة كي أمنح كل كلمة ما يسكرها من النقمة، أنا الذي عشت حياة تسر العدا، وكرهت طول عمري المخاتلات، والدسائس، والحكومات المصابة برهاب الجماهير، ومن يربطون قضية الخبز بالأزمات العالمية، والحرية بإفساد الأخلاق، ومن يمدحون الملوك بجزمات مثقوبة وبطون فارغة، والعناقيد بدون غضب والعوازل الطبية، والقوانين لأنها وضعت للمستضعفين فقط،، والعسس وهم يقضون فحمة ليلهم الطويل في حراسة نوم النساء في غياب بعولتهن العنينين، ونقاشات مدمني التدخين عن أمراض الرئة، وأزهار عباد الشمس تطاول النباتات كي تحني هامتها بمذلة لشموس سادرة، والأعراب منذ قالوا للبيت رب يحميه، وحسان بن ثابت الذي لم يركب خيلا ولم يمتشق سيفا، ولم يشارك في غزوة، ولم يصف كاعبا ذات خلخال، وأحببت روزا لوكسمبورغ لأنها تردد اقترب من الشر يا عمري وغني لو، والعنب وقدرة دماره الشامل على إبادة الكروب وجلاء القلوب وإغاثة المكروب.

وعلى مبعدة من ملاك الفناء البائس الخائب الحاد الحضور للخسارات، ومني انا مفعوله البطيء العنيد والصلد، كان يتناهى الي صليل سكاكين ووشيش طبيخ وصوت آلات وترية وقهقهات لنساء، وشهيق حيوانات وطيور تتسافد، بينما الخالق يتفرج من سدته العالية على مخلوقاته البائسة ويضحك من المقالب والشرور والحروب التي ورط فيها الكائنات، ويأخذ من قوت الفقراء ليربي أرصدة اللصوص والكسالى، ويؤلب الشعراء للإجهاز على نقاء اللغة وصفائها.

وفيما كنت أفكر فيمن ستؤنسني في وحدة القبر، تتمرغ في دمي، وتلهب بضرام شبقها المجنون برودة أعضائي، وفي قولة إيفان كارامازوف على لسان ثيودور دوستويفسكي: “إذا كان اللّه موجوداً، فكيف يَقْدر أن يتحمل عذاب الأطفال ؟”*. كانت تتراءى لي بالكاد شياه تطارد ذئابا، وضحية تحاصر جلادها وهو يصيح دع عنك لومي.

يا ملك الموت، يا قاهر اللذات، يا قرين الخسارات الكبرى وساكن الخرائب والمقابر والفلوات، والممعن في العزلات الأعمق وحشة، خذ كل ثرواتي، خذ روحي يوم السبت أو الجمعة أو الخميس أو الأربعاء أو الثلاثاء أو الاثنين أو الأحد، لكن لا تخصيني، فأنت خير العارفين أنه سلاحنا الوحيد في فتوحاتنا العظيمة نحن العربان الصناديد.

الاقتباسات المضمنة

– الوأوأء الدمشقي

– بيت احمد بخيت من قصيدة قمر جنوبي

تتبرج الدنيا ونكسر كبرها = ونقول يا حمقاء غري غيرنا

– القولة من رواية الاخوة كرامازوف

**القصة من (…إلخ) مجموعة قصصية – 2015 عن مطبعة سفي برس

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد