اليوسفية: الأديب والقاص المغربي مهدي نقوس
(ما بالهم حين مررت
كشروا عن أنيابهم
ثم مضوا لا يرجعون..
ما بالهم
لم يبق منهم في المدى
سوى صدى نباح…)
ـ محمد الخمار الكنونيديوان رماد هسبرس
ها هي المدينة أخيرا..
المدينة التي طالما سمعت عنها..
عفريت بالليل وغول بالنهار..
أرصفة وجدران مقروءة بالعيون واللواحظ ..
وصلت إليها هذا الصباح..
هذا الصباح فقط وصلت ونزلت من الحافلة في محطة هذه المدينة.. لم أكن أرغب بزيارتها لكني أتيتها مكرها.. مخلفا ورائي قريتي الملغاة من تخطيطات الخرائط.. تسوقني قطعان أحلامي الندية.. وأحمل فوزي المبين بعد أن ودعت إخوتي وهم يزدردون صبرهم.. وأمي وقد علقت بعنقي تميمة من صوف الأنعام.. وأبي وهو ما فتئ يردد على مسامعي ضرورة الاحتراس من مقالب اللصوص والنشالين حتى وهو يلوح للحافلة بعمامته.. تحسست جيوبي.. أشيائي في مكانها.. الأشياء هنا تختفي كالفقاقيع.. الألوان باهتة.. والأضواء تخطف الأبصار.. الكثير ليس فيه بركة.. الخبز كالفخار.. والصحة صحة عدوك.. والصداقات صداقة ذئب.. الجار مجرور.. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة.. الأحياء في عذاب.. والأموات أشد عذابا.. كل شيء بالمال.. التبول بقدر والخراء بضعفه.. عندنا كل شيء من دون مقابل.. الأكل والشراب والحب.. نأكل من هبة الطبيعة ونرتوي من ماء النبع.. مراحيضنا الفلوات والمزارع والمنعطفات.. أسخياء نحن.. ما يطعم عشرة يكفي لعشرين.. وكل من تصادفه يستقبلك باحتفالية نادرة.. حتى كلابنا تعترضك بحفاوة بالغة.. هي هنا لها أسماء ومربوطة بسلاسل…
الساعة الآن السابعة صباحا.. وموعد المقابلة التاسعة.. أمامي ساعتان أتمشى خلالهما قليلا… أكتشف هذه المدينة التي طالما سمعت عن غرابة سلوك مسلميها.. بدأت التحرك.. كانت الشوارع تتحرك.. والساحات والحيطان والنواصي أيضا وأيضا.. عالم غريب مسكون بالهشاشة والارتجال والضجيج والترقب.. والمارة متأبطين شرورهم.. يغدون السير لا يكلون من المشي والنميمة ..
لا يلتفتون..
ولا يتوقفون..
ولا يتكلمون..
يلتقون.. ويتصادمون..
يراوغون أوهامهم..
ويتشابكون.. ويسبون الملة والدين والذي خلق…
متعبون.. مغبرون.. ماكرون.. تعطلت لديهم لغة الكلام.. كأنما ورثوا هموم الدنيا.. يحدقون بأبصار طاعنة في الشرود.. لا يحملون مصابيح كما فعل الجد ديوجين الكلبي، لأنهم لا يبحثون عن الحقيقة.. ورواد المقاهي يحاصرونك ببلاهة النظرة ووضاعة القناعة.. غوغائيون.. ضوضائيون.. متعتعون بيانا وعلما.. راكبين رؤوسهم.. لا يشق لهم غبار.. يناقشون في الجنس والطب والدين والزرع والضرع.. وتعجبت كيف يمكن لشعب يقضي وقته في الكلام الفارغ أن ينتج ويتقدم.. ولا أعتقد أن الاختراعات والثورات تخرج من المقاهي.. ولم أصدق كيف تتعايش كل هذه المتناقضات في هذا الحيز الضيق من الأرض، لا شك أنهم يحيون على المصائب والمكائد والدسائس والبخل والرياء….
وصلت إلى وسط المدينة.. لم يكن لها قلب.. فقط مدائن فوق مدائن فوق مدائن.. على واجهاتها أضواء ملونة تضيء وتنطفئ.. والباعة يعرضون أكواما من السلع والمأكولات لم أشاهد مثلها في حياتي.. خاطبتها في سريرتي على طريقة الدراويش والمتصوفة والنساك والمهابيل وأهل الكرامات / مواعيدنا الجنة / اكتفيت بالنظر..
اصرِف فُؤادَك يا عباس ملتفتا عنها = وَإِلا فَمُت من حبها كمدا
ابتلعت ريقي ومضيت لا الوي على شيء ..
دنوت من البناية.. قرأت العنوان على الصفيحة الجدارية.. قرأت العنوان على ظهر الرسالة.. تحسست جيوبي.. ووقفت مشدوها أرنو لشموخ الطوابق.. قلت أيها المزخرف من الظاهر كيف أخبارك من الباطن.. ورميت بجثتي.. طفقت أجوس عبر الممرات المعتمة.. والأدراج الملتوية التي تنتهي بعتمة.. كانت أبواب الحجرات موصدة.. ولم يكن ثمة ما يشي بالحياة.. فقط كتيبة من الصراصير توقع مارشا صراصيريا.. خلت أن اليوم يوم عطلة.. لكن إشراع أبواب العمارة والهمس والخشخشة وراء الجدران أكدا عكس ذلك.. لاحظت أيضا تناسق المعمار قلت يخلق من الشبه أربعين.. وضحكت في دخيلتي من هذا الشبه العجيب والغريب…
هممت بطرق الباب / أنا محسوبكم عباس / الذي لا يقيم دجاجة عن بيضها، هممت بطرق الباب.. رفعت يدي بتثاقل..أفردت سبابتي وعقفتها.. كان قلبي يدق بعنف.. والدم يضج في العروق.. أحسه ساخنا ينساح عبر خلايا الجسد محدثا دوائر تحتضن دوائر كبركة دماء.. حاولت ضبط أنفاسي.. أنا الآن على مشارف ميادين القتال.. ومقبل على حرب ضارية لا هوادة فيها.. لا بد من استنفار كامل قواي.. وأنا ليس لدي ما أخسره في الجيب ليأتيني ما في الغيب، على رأي المثل كما يقول إخواننا المصريون… سفائني أحرقتها ساعة خلفت في هدوء البراري والفلوات إنسانيتي.. وأتيت دالقا لساني انشد نعمة الوظيفة وحظوة الجاه..
هممت بطرق الباب.. وكأنما كان يراقبني ابن الذين.. أطل وانتصب أمامي كالمارد… حاجب الإدارة على حدود الظلام الخفيف الباهت الغير المفهوم والغامض..
ـ قلت له صباح الخير يا أستاذ..
هز كتفيه
ـ سألته عن اسم الإدارة
حرك رأسه كالثور..
ـ أفهمته أني جئت من بعيد أبحث عن عمل..
رد بطرفي عينيه وهو يرمق الجواب ويرمقني..
ـ استفسرته إن كان حضرة المسئول موجودا..
مط شفتيه تبرما واختفى..
ذاب وسط عتمة الأبهاء وتركني.. أحتضن نجاح سنوات العمر.. لا أدري كم غاب المهم أنه غاب دهرا بأكمله.. كانت خلاله الأرض تدور تحت شمس يونيو.. وغلال الكروم والفواكه تصطلي بصهد وحرارة شمس العنصرة..
وتذكرت يوم الخامس من يونيو الجريح وذات هزيمة…
في الخامس من حزيران انكفأت الجيوش العربية وتفرقت شراذمها واندحرت فلولها..
في يونيو لم تعلق رقاب الجواسيس والخونة.. بل زينت بالنياشين والنجوم وجدائل الحرير..
في حزيران لا نجيد سوى لغة الخيانة والدموع ..
من أين يأتي كل هذا الكم من الدموع.. وعلى شاطئ أي بحر تتلاطم هذه الأمواج من الحنين والأحزان والكوارث والخيبات.. وما اسم هذا البحر.. نحن لا بر لنا ولا بحر.. صدقت يا محمود يا درويش ..
فمن لا دار له لا قبر له ..
حزيران فاتحة الانكسارات ..
يونيو بداية الخسارات..
تذكرت كل هذه الأشياء.. وتعجبت كيف تدخل هذه الهلوسات دماغي وفي هذا المكان المتمترس بالخراب..
(يتبــــــــع)