دلالات سقوط الأحزاب الكبرى في تونس

قلبت نتائج الانتخابات التونسية، المعادلة السياسية التقليدية وأفرزت فوز “المستقلين “، ما اعتبرته أوساط عديدة أسلوبًا لمعاقبة الحزبين الحاكمين منذ انتخابات 2014. وعُدّ التصويت العقابي بمنح الثقة لقائمات المستقلين ردّا على ضعف ما قدّمه الائتلاف الحاكم المُكوّن أساسًا من حركة النهضة الإسلامية وحركة نداء تونس العلمانية. وقال أستاذ الحقوق والنائب السابق، الدكتور رابح الخرايفي لـ “إرم نيوز”، إن الناخب التونسي صوّت للقائمات المستقلة ومنحها ثقته بسبب ضعف أداء الطبقة الحاكمة، علاوةً على غياب المنجزات على الأرض منذ 4 سنوات.

وأشار الخرايفي، أن هذا التصويت “يحمل شكل العقوبة، لأن النّاخب قد عاقب من منحهم ثقته في الانتخابات التشريعية واستبدلهم بآخرين، انتقامًا من خذلانهم لبسطاء المواطنين، وانشغالهم بمعارك حزبية وحكومية، لم تحمل جديدًا للتونسيين”. وسجلت الأرقام المعلن عنها تراجعًا لحركة النهضة التي لم تحصل في “البلديات” سوى على 516.419 صوتًا مقابل 947.014 صوتًا في الانتخابات التشريعية لسنة 2014، بينما حصلت في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 على مليون و500 ألف صوت.

وواجهت حركة النهضة، نزيفًا في أصوات الناخبين أفقدها نحو مليونًا من الأوراق في 7 سنوات من الحكم، ما تمّ اعتبارها “انتكاسة” وفوزًا منقوصًا بانتخابات عدد مقاطعيها أكثر بكثير من المصوتين فيها. وعرفت حركة نداء تونس التي أسسها الرئيس الحالي، الباجي قايد السبسي، مصيرًا مشابهًا للإسلاميين بعدما حصلت على 375.964 صوتًا في الانتخابات البلدية، وفقدت أزيد من 900 ألف صوت، مع حصولها على  مليون و200 ألف صوت في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

ثمن التحالف

واعترف القيادي في “النداء” وسام السعيدي خلال تصريحات لــ”إرم نيوز”، بأن حزبه “دفع ثمن تحالفه مع حركة النهضة غاليًا، ولا مناص من تحقيق مصالحة داخلية واستعادة قواعده وقياداته الهاربة من الحزب الذي احتوى سابقًا كل التيارات المنفتحة في تونس”. وسار المعارض البارز، حمة الهمامي، وهو الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية (حركات وأحزاب قومية ويسارية)، على هذا النحو في تبرير نتائج الانتخابات البلدية، واعتبرها “عقابًا مُستحقًّا للحزبين الحاكمين، لأنهما لم يفيا بالوعود التي قدّماها للتونسيين وخاصة لفئة الشباب، وقد فشلا فشلًا ذريعًا في تسيير شؤون الحكم والدولة”.

وكان الرئيس التونسي ذاته قد حذر في وقتٍ سابقٍ من تأثير “الإحباط” على سلوك الناخبين، بعد بلوغ نسبته 79,9% إضافة إلى تذيل تونس لترتيب الدول العربية في مؤشر السعادة وحلولها في المركز 12 والمرتبة 102 عالميًا. وقال النائب والقيادي في حزب “مشروع تونس”، سهيل العلويني لــ”إرم نيوز”، إن تفاقم “الإحباط” الذي يعانيه التونسيون أسّس لأزمة ثقة في الأحزاب عمومًا والأحزاب الحاكمة بشكل خاص. واعتبر العلويني، أنّ “كافة أطياف الطبقة السياسية من أغلبية ومعارضة، قد فشلت فشلًا ذريعًا في الامتحان الانتخابي، واليوم الساسة مدعوّون لمراجعات جذرية بعد ما حصل من تصويت انتقامي، استهدف خصوصًا الائتلاف الحاكم”.

رهان اللامركزية

يترقب التونسيون أن تكرّس الانتخابات البلدية التي جرت في الـ6 من ماي الجاري، لحكم اللامركزية بعد عقود من الزمن، وإتمام مسار البناء الديمقراطي ومكتسبات الثورة التي أطاحت بحكم المركزية في 14 يناير 2011. ولئن فرض المواطن التونسي نتيجة انتخابية لم تكن متوقعة في انتخابات عرفت عزوفًا قارب الـ66%، إلا أن ذلك مكّن لأول مرة القوائم المستقلة من تصدّر النتائج بحشد 32% من الأصوات، متقدّمًا على حركة النهضة الإسلامية التي حلّت ثانيًا بـ29% وحركة نداء تونس العلمانية في المركز الثالث بــ22%.

ويأمل التونسيون في وضع حدّ لمركزية حكم شديدة جثمت على هياكل الدولة منذ عقود، وحدّت من أدوار المجالس البلدية، ومبادرة المواطن في رسم خطوط الإدارة المحلية بحيث لم تتعدّ حصة هذه المجالس من إجمالي الإنفاق العام 4%، بحسب بيانات البنك الدولي. وظلّ نظام الحكم المركزي محل انتقادات حتى زمن الرئيس السابق زين العابدين بن علي، لأنه جعل من هذه المجالس البلدية مجرد أذرع لتنفيذ قرارات السلطة المركزية، بطريقة شمولية غيّبت كافة مقومات التنوع، والخصوصية، وهمّشت الجهات الحدودية.

وتواجه المجالس البلدية الجديدة مشكلات تنموية تراكمت منذ عقود، وأبرزها البدء من البنية التحتية وخدمات النظافة وتوفير الفضاءات الخضراء، وصولًا إلى الأسواق البلدية والأسبوعية، وهي أهم ما يقع تحت طائلة الصلاحيات البلدية وأهم ما يمسّ النظم الحياتية للمواطن التونسي.  ويراهن المنتخبون الجدد على إدارة الحكم المحلي الجديدة لتدارك هذه المشكلات المزمنة وتوفير بيئة اشتغال اجتماعي أفضل، بيد أن البنية التحتية المهترئة وشبكة الطرقات الرديئة مشكلة شبه عامة في البلديات الـ350 في تونس.

مشاكل أخرى

ويعتقد مراقبون تونسيون، أن هذه المشاكل غالبًا لا تتعلق بموارد البلديات، بل بسوء التسيير وإدارة هذه الموارد، وهو المنتظر من تعزيز دور الرقابة والمساءلة القانونية للسلطة المحلية المنتخبة لإحداث فرق مهم قادر على تحسين الأوضاع. وينشد كثيرون، اليوم، أن تتجسّد اللامركزية على الأرض بتمكين مجالس الحكم المحلي وتدعيم قدراتها، وإخضاعها للمساءلة بطريقة تمنح المواطنين الحق في اتخاذ القرارات، والإشراف على تحسين أدائها. ولم تتضح الرؤية بعد في قدرة المنتخبين الجديد بالمجالس المحلية على الاستقلالية من الأحزاب والتحالفات السياسية، خلال تسييرهم اليومي لشؤون المواطنين، خصوصًا أن هؤلاء لم يتعودوا على الإدارة المحلية بعيدًا عن وصاية الأحزاب والحكومة

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد