“بوسيفالوس” والشمس

الأديبة السورية سوزان إبراهيم

عرف الإسكندر الأكبر، بحدسه، أن أفضل طريقة لترويض حصانه الهائج “بوسيفالوس” هي أن يجعله يواجه الشمس ! وفي قصة قديمة، قرأنا، أن الريح والشمس تراهنتا على أعرابي في الصحراء.

فمن تجعله يخلع عباءته تربح الرهان. استخدمت الريح كل قوتها في وجه الأعرابي، ولكنه ازداد تمسكاً بعباءته رغم كل شيء، وحين جاء دور الشمس، أرسلت أشعتها الدافئة إلى أن شعر الأعرابي بالحر فخلع عباءته طوعاً وعن طيب خاطر !‏

الشمس هي نفس الشمس في الكون، وفي تأويل الفعل تتعدد مفاعيل وآثار الشمس. في حالة ترويضِ هائجٍ، أبهر ضوء الشمس عيني الحصان، فامتثل، وأطاع.. ربما هو ما يطبّق على أدمغة البشر حيث طرق الترويض، وغسل تلافيفها بالمبهر والمُعمي أكثر من أن تُحصى !‏

في القصة الثانية ثمة ملمح قريب من فعل القصة الأولى، حيث يمكن للقوة الناعمة أن تسلبك إرادة التحدي وتنضوي تحت إمرتها دون حتى أن تفكر أن في الأمر خدعة !‏

لكي تطرد الخفافيش من مكان معتم، ما عليك سوى تسليط ضوء قوي.. الضوء القوي يعقّم أمكنة الخوف والجهل… لهذا ربما شبّهوا العلم بالنور.. وفي القرآن الكريم “الله نور السموات والأرض !‏”.

تأويل آخر للنور هو القدرة والطاقة، وكل شيء في الكون انبثق من طاقة كونية… كيف تفجر طاقات الفعل لدى البشر !؟ وكيف تنشر خيام الجهل وبراقع التغييب عن الواقع ؟!‏

في أي مجتمع ثمة مجموعات بشرية لا ينفع معها الترويض بقوة وعنف الريح، بل لابد من دفء وحنان شمس. ثمة شكل آخر من الترويض طلباً للإذعان والاستسلام وحجب الرؤية: تغطية جانبي الرأس كما يفعلون بحيوان الطاحون القديمة، ليبقى الأمام مغلقاً مبهماً وربما غير موجود في وعيه.. وليكون النظر مثبتاً أبداً على الأقدام التي تسير وتسير.. وتدور وتدور لكن في مسارٍ واحد مكرور كأنه الأبد المنغلق على نفسه.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد