محمد أديب السلاوي
-1-
تلتزم الأعمال التشكيلية للفنان احمد بلمقدم بالتعبير عن المشاعر والعواطف والقضايا التي تثيرها الأحداث والأشياء في نفس مبدعها…
المتتبع لأعماله التشكيلية منذ بداياتها الأولى، سيلاحظ التزامها بالمدرسة التعبيرية، ورفضها المطلق لمحاكاة المدارس والاتجاهات الأخرى، كما سيلاحظ بسهولة بحثها الدائم والمستمر عن الحالات والقضايا والأحداث الموغلة في الشأن الإنساني المتلائمة مع مشاعر مبدعها وعواطفه ونظرته / الثقافية / الانسانية.
إن المتأمل في أعمال هذا الفنان، يدرك بسهولة وبسر أنها رغم ابتعادها عن الأوضاع الكلاسيكية للعمل التشكيلي، فإنها تقوم على تسجيل الأحداث والقضايا البشرية بدقة وحرفية، معتمدة على إظهار تعابير الوجوه والأحاسيس النفسية من خلال الخطوط الدقيقة والألوان الصارخة والشديدة التي تبدو لاذعة ومحرقة.
إن تكثيف الألوان، وتشويه الأشكال والوجوه والمشاهد، والحالات واصطناع الخطوط القوية المثيرة، تؤكد ليس فقط على التزام هذا الفنان بالمدرسة التعبيرية وقيمها وأصولها التي تنتصر لمبدأ تشويه الواقع كوسيلة من وسائل الإبداع والخلق، ولكنها تلتزم بتوظيف هذا الأسلوب للتعبير عن رؤاه وثقافته التشكيلية العميقة.
وليس غريبا أن يتجه الفنان أحمد بلمقدم بهذه الثقافة إلى بناء المشاهد الاجتماعية والإنسانية، التي تعاني من القلق واليأس والفقر والإحباط، ومن الأزمات والقلق الروحي بطريقة تثير المشاعر، رومانسيا وتراجيديا، وهو ما يجعل أعماله ذات ارتباط وثيق بالمدرسة التعبيرية، كما جاء تأسيسها الأول على يد الفنان فان غوج، رائدها الأول.
-2-
في تعريف ” لموسوعة وكيبديا ” فإن ” التعبيرية ” تيار فني، أخذ جذوره في التاريخ، ابتداء من رسوم الكهوف البدائية في العصر الحجري وصولا إلى التعبيرية اللونية الصافية في عصرنا الحديث.
وحسب هذه الموسوعة، فإن ” التعبيرية ” ثورة فنية غايتها إطلاق حرية التعبير الفني، باختيار الأشكال الملائمة كوسيلة لهذا التعبير بالارتكاز على الحقيقة والموضوع.
من هذه الزاوية، نجد الفنان بلمقدم يلتقي مع الفنان الألماني “هانس بالوشيك” خاصة في الاشتغال على القيم البدائية كوسيلة لتصوير الأفكار التي تناقض الواقع، وفي الاعتماد على العنف العفوي في تصوير الحالات الإنسانية والطبيعية.
وبالنظر إلى أعمال الفنان بلمقدم في تطوراتها التاريخية، نجدها ركزت دائما وباستمرار على أسلوب التشويه الإرادي للطبيعة، وعلى مزج القلق بالرمزية، وهو الأسلوب نفسه الذي اعتمده أصحاب الحركة التشكيلية الجديدة بأوروبا بداية القرن الماضي، حيث عملت هذه الحركة جاهدة على توضيح القيمة التعبيرية للعمل الفني، باعتماد تحريف الألوان الطبيعية على أوضاعها الأساسية، واستعمال الألوان المتكاملة، لقراءتها بصريا بارتياح ووضوح.
-3-
في مسيرته الفنية، أصر أحمد بلمقدم على رسم محيطه الاجتماعي / الثقافي / التراثي، بأسلوب مدرسته ” التعبيرية “، دون أي ادعاء بالتفوق والحرفية، وهو ما جعله فنانا يفسح المجال لأعماله التشكيلية، لتتحدث عن قيمها وأفكارها الإبداعية مع العامة،خارج القاعات التجارية، فأعماله تخاطب البصر والبصيرة، وتعلن دعمها لطبقة الفقراء والمهمشين والمتخلى عنهم بكل حرية ووضوح، وهو ما يبلور خطابها ويصنفه في موقعه الثقافي..
المؤسف حقا، هو غياب أعمال هذا الفنان المبدع والملتزم عن المتحف الوطني، وعن المتاحف البنكية الخاصة، كما هي غائبة عن صالونات العرض، وهو ما يعني غياب عناية وزارة الثقافة عنها، وهي ذات حمولة ثقافية على مستوى كبير من الأهمية.
أعمال هذا الفنان، إضافة إلى التزامها بمدرستها ” التعبيرية ” فهي ذات التزام شديد بقيم ثقافية قل نظيرها عند فنانينا الشباب، إنها تقدم للعين قراءات تبحر في الصور الملتهبة للمجتمع الآخر… والجنس الآخر، والثقافة الأخرى، وهو ما يجعلها ذات حمولة فكرية تفرض على الذين يهمهم أمر الحركة التشكيلية المغربية الاعتناء بها، ووضعها في الموضع الذي تستحقه، قبل أن تقتلعها الرياح العاتية.