بقلم / الإعلامية و الروائية بوخلاط نادية وهران/ الجزائر
كثيرا ما شكلت الكتابة النسوية محور دراسات و تحليلات اكاديمية ، ليبقى السؤال الجوهري الذي خرجت به تلك الملتقيات هو لما تكتب المر أة ، اكثر من البحث عن لمن تكتب المرأة الجزائرية تحديدا .
هل المرأة تكتب لتحقيق ذاتها و فرض سلطتها و لإسماع صوتها المقموع مجتمعيا و أسريا ؟ فهل تشكل الكتابة بسبب كل هذا وسيلة للهروب من تلك المنغصات ؟ و هل هي تشكل بذلك بالنسبة للمرأة درعا واقيا لحماية نفسها من تكالب الآخر؟ المتمثل في السلطة الذكورية التي تحاول ان تحصر دورها في حدود ضيقة و ذلك بجعلها مربية و صانعة للأجيال و مكانها الطبيعي الذي خلقت لأجله هو خلف الموقد لا غير .
في الحقيقة قد يكون هذا سببا كافيا و ملزما بالنسبة لمجتمعاتنا الشرقية التي تعتبر المرأة جنس ضعيف ، فكثيرا ما فسر العرب مفهوم القوامة حسب مزاجيتهم و اعتبروا بذلك المرأة ناقصة عقل و دين انطلاقا من المفهوم الديني الذي كرس الفهم الخاطئ لبعض “تجار الدين” على أن المرأة غير مؤهلة عقليا و نفسيا للإرتقاء إلى مصاف القوامة من حيث تركيبتها الفيزيولوجية ، و هي الذهنية التي انتشرت في مجتمعاتنا بأن المرأة عقلها نصف عقل الرجل ، و لم يبحث هؤلاء البحث في جوهر القوامة التي هي في الواقع لها مدلول أعمق ، فالمرأة التي يعتبرونها ناقصة هي في الحقيقة قوية بتغلب عاطفتها عليها و هي بذلك أقوى من الرجل في امتلاكها لرصيد عاطفي لا ينضب و قادرة أن تحب كل أبناءها ووالديها و زوجها و إخوتها و أصدقاءها بنفس درجة الحب و العطاء ، يكفي أنه لولاها لما كان هناك رجال على وجه البسيطة ،فهي من أوكل لها الخالق سبحانه مهمة إعطاء الحياة من خلال الحمل و الإنجاب و التربية ، فهي تحمل بين أحشاءها جنينا لتسعة أشهر ، فتربي و ترقب إبنها و هو يكبر و ينمو و يشتد عوده، و تجعل منه رجلا و تهيئه لتحمل المسؤولية، فهل يستطيع الرجل أن يفعل كل هذا ؟ أكيد لا ..
إذا كانت كل هاته الأدوار موطن ضعف فإن هذا انتقاص و تجني على المرأة
لذا فإن المرأة حين تكتب فهي تكتب ذاتها و أوجاع روحها المتشظية ، فهي بذلك تكتب لتحيا و تثبت ذاتها لذلك الآخر المتجني عليها و تضع في كتاباتها عصارة أحاسيسها الممزوجة بين الأنوثة و الأمومة
المرأة في كتابتها هي الحبيبة و العاشقة و الأم الرؤوم و الزوجة الحنون و البنت المراهقة ، فهي تلعب كل تلك الأدوا ر و تتقمص كل تلك الشخصيات بتلك الاحترافية و تضع في كتابتها كل مشاعرها و يتجلى ذلك في الكتابات الروائية تحديدا ، فكلما تقلب صفحة من صفحات الروايات النسوية من أمثال أحلام مستغانمي ، آسيا جبار، زينب الأعوج و ربيعة جلطي و أسماء روائية كثيرة فإنك تستشف تلك المشاعر الجميلة المرهفة العبقة برائحة الإحتراق و الأمل ، فالمرأة حين تكتب تخاطب الجميع دون تمييز من موقع كينونتها كأنثى و تنساب تجليات تلك المشاعر و لا تميز في خطابها بين قرائها و لا يهمها إن كانوا رجالا أو نساءا ، فالكتابة إرهاص لدى المرأة و لحظة ولادة مقدسة قربانها احاسيس و دموع و فيض من المشاعر الممزوجة بين الوفاء و الخيانة طبقا لما تتطلبه إحداثيات النص الروائي و القصصي و احداثه ، فهي تنسج من وحي خيالها و مخيالها أرضية لبناء جسم عملها الروائي و تطعيمه بمشاعرها و بما تكتنزه في ذاتها ، و بذلك فالمرأة الكاتبة تمتلك من القوة ما تتجاوز و تتفوق به على الرجل نصا و بناءا و سردا، و هي في كل هذا تصف نفسها كاتبة أولا و أنثى بعد ذلك و هذا أحد مواطن قوتها و سيطرتها على عوالم الابداع و التحكم في آلياته، فهي الراصدة لتلك التحولات الاجتماعية و تمتلك القدرة على الغوص و تعرية مجتمعها بشكل جدي بعيدا عن ذلك التحيز الذي قد يسرف فيه الرجل حين يتطرق لظاهرة من الظواهر و يحاول معالجتها في أعماله الروائية و هنا يكمن جوهر الوزن القيمي للكتابة النسوية و تحديدا حين تكون الكاتبة جزائرية لانها تحمل ذلك الماضي الحافل بالبطولات و العبق بقصص الشهداء و التضحيات ، و هذا يجعل من الكاتبة الجزائرية تلك العلامة الفارقة في الأدب النسوي العربي و مثلا يحتدى به و شمعة تنير عتمة نهج الجيل الجديد من الكاتبات الجزائريات و العربيات، فمن لا تقرأ لاحلام مستغانمي و لزهور و نيسي و لآسيا جبار لن تدرك معنى العطاء و التضحية ، و معنى ان تكون كاتبة في زمن القهر !