قراءة متأنية في قصة “خنجر في الضلوع” للقاص العراقي عادل المعموري

بقلم الأستاذة مجيدة السباعي

قصة قصيرة، ملّخِصة، ومختزِلة لمأساة الإنسان العربي، تضع المتلقي حيث تتشعب القضية العربية وغلبة الظالم المعتدي المتجبر، حاك خيوطها بحذق وروية وإحساس كاتب شامخ، متمرس في الحرف العربي الجميل، وتوظيف الدلالات الموحية بأدق الرسائل والرموز الأستاذ عادل المعموري، أشهر من نار على علم.

انتقى بذكاء معهود عنوانا كاشفا للغدر، راسما للخدلان… خنجر بين الضلوع… حتما هو ضربة قاضية، جارحة، مميتة، على حين غفلة ينغرز لها الخنجر المسموم، فيسكن الضلوع ليهشمها، وليمزق اللحم بوحشية، ويدمي الفؤاد، ويشظي الروح الطيبة دون شفقة ولا إنسانية.

على حين قدر ظهرت جارة جديدة غريبة الشكل، والنوايا ودفين النفس، تبدو مخالفة تماما للبطلة آمنة وأمها البدينتين، من نساء العراق القطر العربي العريق، ذي الخيرات والنخيل ودجلة والفراث، والحرف العربي الجميل.

بداية لم يذكر المبدع اسمها، فأمثالها كثر، يتسللون في صمت كغراب شؤم، وينسابون كالحية الرقطاء، ولاغرابة كانت الغريبة مصممة، وعازمة على التقرب والتودد، والخدمة برموش العين لغاية في نفس يعقوب، نعم كل ذلك لتحتل مرتبة القريب المقرب، وتعيش بين العائلة الطيبة لتكتشف مستور السرائر، بل بدون حياء صارت تدعو الأم بالخالة، والخالة تعد أما وهي منبع للحنان الفياض، والود الغامر.. شاركتهم خبز التنور وملح الطعام، وأحاديث المساء، وضحكات اللمة والشاي وكانت أقرب جارة، وللجار واجبات اتجاه جاره القريب.

هذا البيت العربي لا محالة رمز لبيت أكبر بكثير، كان مستقرا، تلفه السكينة والطمأنينة رغم أن الاب كان مريضا، والام لا تنهض إلا بعسر تحت وطأة السنين، وحدة فجيعتها بأبنائها الذكور الثلاثة أركان البيت، إنهم هدوا بالحرب وويلاتها ونالتهم خيباتها، كلهم عن الأم غياب، الأول بالجبهة معرض لرصاصة طائشة، والثاني استشهد تاركا أمه كثلة ألم وحنين، يحاصرها ركام الشتات، والثالث جميل متوار عن الأعين فرارا من التجنيد الاجباري، لذا أقفرت دروب العمر بغيابهم، وخلا البيت العريض، وصار فارغا من حسهم.

هنا قرر أن يسخر المبدع أيما سخرية من الجارة فأسماها سالمة، كرمز للسلام والسلم والسكينة. وكيف للحرباء ان تحتفظ بلون واحد ؟!

كانت سالمة جد يقظة لكل كلمة، لكل حركة بالبيت، أو ضجة غير معهودة كي تفسرها لصالح مهمتها النكراء، بل جنحت للحيلة وبعذر واه تذرعت، وكشفت جميلا بجانب أمه، بعد أن تجرأت ودفعت الباب بخسة ودناءة غير معهودة دون اعتبار لحق الاستئذان للدخول.

بذلت قصارى جهدها لكيلا يفر جميل ولا يشك بأمرها، قاسمته مواهبه وحب الشعر والشعراء، وداهنته وراضته الى أن سكن واطمأن، هنا سقط القناع وتعرى الزيف حيث اختارت الحرباء ترتيب ليلة العيد وفرحة الانتظار، وتهيئ العجينة التقليدية لتكشف وتخبر عن مكان جميل، فتدوس الحلم الجميل وتمتص فرحة العيد، وكأن قلبها قد من حجر، حتما قصدت أن تتلذذ بإفساد الفرحة وتعتيم أفق الاسرة الطيبة، كل ذلك لترضي زوجها المتستر وراءها، والطموح لمنصب عسكري اعلى، والفخور بزيه (سفري) المقيت. شاء القدر فكانت الاضرار حادة مضاعفة، كانت الأم امام التلفاز تجتر آلامها ومخاوفها اتجاء ابنها الغائب بحسرة، وآهات، ودموع حين فتح الباب على مصراعيه، وكأنه كان مواريا بفعل فاعل قاصد مدبر حيث اقتحم البيت بعساكر يرتدون الزي الزيتوني، ويشهرون مسدساتهم، في لمح البصر اعتقلوا جميلا الذي كان ينتظر شرب حليبه بالشاي، قيدوه وعنفوه بأصوات عالية مزمجرة. لم تستطع الام أن تستسلم لبشاعة منظر اعتقال جميل، وهو يحاول التخلص من قبضة العساكر الحديدية وسيطرتهم المحكمة، تحجر الدمع في مآقيها، وتكاثف الضباب حواليها، وتشظت الروح بكل المناحي، وكان وقع السهام عليها أشد من احتمالها، خاصة أنها لدغت بعقر دارها من جارتها التي قاسمتها الأيام والملح والطعام، تأبطت الصمت، وأخلدت للسكون على ضفاف الجمر، وشعرت بمشاعر لا تفسروا لا تبرر ولا توصف.

كيف لها أن تستسيغ غصة الابن الصغير فلدة الكبد آخر العنقود الجميل جميل ؟ إنه العين المتبقية اعتقلوه ليلة العيد، فمزقوا الروح تمزقا لا يرتق.

تسمرت الام الطيبة الموجعة، وهوت روحها كالنجم في السماء، وأسلمت الروح لبارئها بعد رحلة عناء، لعلها تستريح من عذابات الحرب والقلوب المتحجرة، التي ترصدت كل أبنائها بدون رحمة. فالصمت هو القرار الأخير لكل موقف موجع شائك. وهكذا ضاع كل أمل وتلاشت كل سكينة في طمي غدر كعاصفة صحراء مرت وجففت كل شيء.

أما الجارة السالمة ففرت الى بيتها من جريمتها، التي حيكت في الخفاء لما وصل الوحل حد أذنيها. وتركتهم يتخبطون بأحزانهم ولوعة غفلتهم، وجدت زوجها يرفل بأذيال الفرحة، وكأنه خرج بكسب عظيم، وحاك تاجا من نصر، لكنها وجدت روحها تعفنت، وبلغت من الندم عتيا، وتعمق الألم بنفسها لموت من دعتها بالخالة، وشاخت كل الدنيا في عينيها، وأدركت ان الزوج الاناني استغباها وغرر بها، فغادرت وذاكرتها تولول وتصرخ، لتبحث عن مرفأ أمان لروحها، ولتجلو صدأ قلبها، لعل ضميرها يستريح وفي صدرها ألف حكاية. حقا حملت الحرف أيها المبدع الكبير هموما وهواجس جساما، وناديت من أجل السلام والسلم والإخاء والتسامح والصدق والمودة بأسلوب سهل ممتنع، وانسيابية آسرة لاهتمام المتلقي، وصور ما أبهاها وما أدلها على رسائل وجيهة بليغة.

خنجر في الضلوع

جارتنا الجديدة، شابة جميلة، طويلة، رشيقة كعارضة أزياء، وأنا بدينة كأمي الجالسة بقربي، أنا وأمي نشبه بعضنا في كل شيء، عمري اثنان وثلاثون وأمي سبعينية، إذا أرادت أن تنهض عن الأرض، تتوكأ بقبضتيها على البلاط، ترفع عجيزتها الضخمة بصعوبة بالغة وعلى لسانها كلمتها المأثورة دائما (يا جميل يُمّه)، جارتنا تلك في يومين فقط، استطاعت أن تقيم علاقة قوية معنا بلسانها اللبق وخفّة دمها، يعيشان لوحدهما، لم ينجبا طفلا، تقول: إن زوجها عقيم.. عسكري في إحدى مقرات بغداد، شاهدْتهُ مرتين يؤوب الى بيته عند حلول الظلام، شاب طويل أربعيني، نحيف الجسم معروق اليدين، أصلع الرأس، لم أره يرتدي الملابس العسكرية، كان يرتدي بدلة من قطعتين (سفاري)، يخرج في الصباح الباكر ويعود عند المساء، أما هي فتقضي جُل وقتها معنا في البيت.. بمرور الأيام أصبحت تنادي أمي ب (خالتي)، كانت تساعدني في تنظيف البيت وتوضيبه، وأحيانا تقف على التنّور، لتخبز لنا أقراص الخبز الشهية، حتى غدت تعرف عنّا الكبيرة والصغيرة، لم يكن في البيت سوى أبي المريض ولي ثلاثة أخوة، واحد منهم في الجبهة جندي مقاتل، وأخي الأوسط أستشهد في بداية الحرب، أما الأصغر فقد هرب من الخدمة العسكرية منذ شهرين وهو مختبئ عند عمتي في أحد أطراف بغداد..

الواقع أنا كنتُ أتعبُ كثيرا في تنظيف البيت، وتوضيب الأغراض وبمجيئ (سالمة) جارتنا قد حملتْ عني الكثير من الجهد والتعب، فقد أصبحت صديقة لي تزيل عني الوحشة والملل، وكانت أمي فرحة بوجودها، لأنها خفيفة الظل، تجعلنا في مرح وسرور بكلماتها اللطيفة، أغلب الأوقات، إذا شاهدتْ أمي تبكي على أخي في أوقات اشتداد المعارك على الجبهة.. تجلس أمامها وتهمس لها بكلمات.. فتنفرج شفتا أمي عن ابتسامة، لم تكن تعرف أن أخي الصغير هارباً من الخدمة العسكرية، وفي يوم جاءت عمتي إلى والدي وأخبرته أنها لا تستطيع إيواء جميل أكثر من هذا، لأن الحزبيين بدأوا يشكّون بها ويراقبون بيتها، في تلك الليلة ذاتها، هيأنا مكاناً لجميل في الطابق العلوي في غرفة صغيرة منعزلة متروكة، وأوصيناه بعدم التحرّك من مكانه، الطعام والشراب يأتيا نه إلى غرفته، وحاجته يقضيها في الحمام العلوي، كعادتها كل يوم تمر علينا (سالمة) بعد العاشرة صباحا وتمكث عندنا لصلاة المغرب ثم تؤوب إلى بيتها عند قرب موعد قدوم زوجها من ثكنته العسكرية، كنا قد أخبرنا جميلاً بعدم إحداث أي صوت طالما المرأة في بيتنا ،عليه التزام الحيطة والحذر.. في اليومين الأولين قَبِل بهذا الشرط ولكن بعدها طلب منّا أن نطردها من البيت لأنه لا يستطيع الحركة ويشعر أنه مقيد كالمسجون. رفضتْ أمي مطلبهُ وأقنعَته بالصبر والسكوت عن ذلك.. ذات ظهيرة قبل أن تخرج جارتنا (سالمة) لقضاء بعض أشغالها، سمعتْ صوت خشن، توقفت هنيهة وهمست لي:
– أسمع صوتا غريبا في بيتكم،
– لا.. هذا صوت أبي، هزّت رأسها وخرجت، قبل أن تعبر عتبة الباب أردفت
– سأغيب لساعتين في السوق، هل تريدون حاجة أجلبها لكم ؟
– لا شكرا.. أغلقت الباب خلفها وابتعدت.. بعد قليل خرج أخي جميل مطمئنا لخلو البيت منها، جلس قرب أمي وقال وهو يتأفف:
– أشعرُ أني مقيّد في غرفتي لوحدي.. من أين جئتم بتلك المرأة وكأنها أحد فراد العائلة ؟ شيء لا يُطاق والله، لابد من طردها.
التفتت إليه أمي وحدجته بنظرة حادة وقالت له:
– امرأة لطيفة ووحيدة.. لم نرَ منها أي ازعاج أو أذى.. حتى لو هي علمت بوجودك فلاضير من ذلك يا بُني. قبل أن تكمل أمي كلامها، دفعت (سالمة) علينا الباب، استغربنا من عودتها المفاجئة، أرادت أن تنطق، سكتت قليلا ولملمت عباءتها على صدرها وقالت بارتباك:
– العفو… لا أعلم أن عندكم ضيفا.. لقد نسيتُ حافظة نقودي في مكان جلوسي إذا سمحتِ يا (أمينة).. وجدتُ محفظتها الصغيرة تحت إليتي.. تناوَلتها مني على عجل وخرجتْ.. ذات صباح ليس كعادتها دخلت علينا (سالمة) ووجدتْ أخي (جميل) جالسا يتناول فطوره الصباحي مع أبي، وقد علمتْ أنه هارب من الخدمة العسكرية بعد أن حدثتها أمي عن المعارك الشديدة التي تدور بيننا وبين جيش العدو، وأكدت لها عن خطورة القاطع العسكري الذي هو فيه، استطاع أخي (جميل) بعدها أن يتأقلم بوجودها وبدا يشعرَ بالارتياح لها، فقد كانت تتحدث معه عن الشعر والشعراء وتذكر له الدواوين التي قرأتها لفطاحل الشعر وأخبرته أنها تنظم الشعر مثله، وكانت تستعير من كتبه لتقرأها في أوقات خلوتها قبل مجيء زوجها كل مساء كعادته..

قبل أيام العيد الكبير، جلسنا أنا وأمي و(سالمة) جارتنا لنعمل (الكليجة) أبي كان ممدّدا على فراشه كعادته في باحة الدار و(جميل) في غرفته يطالع كتابا ما، كنّا نقطع العجينة ونضعها في قوالب بلاستيكية مزخرفة، لتخرج قطعة (الكليجة) بشكل جميل شهي، كعادتها جلست سالمة معنا وهي تفرد رجليها، تقصُّ علينا لطائف من كلامها ونكتها الجميلة المضحكة، كنا مبتهجين في إعداد القطع الصغيرة، أمي تعمل ببطء وتحدق بالتلفاز وهو يعرض برنامج حربي عن سير المعارك الجارية، كانت أمي تنظر نحو شاشة التلفاز بألم ينعكس على وجهها وثمة دموع تترقرق في عينيها، تجاهد عبثاً أن لا تسقط على خديها، كنتُ أسمع شهقاتها المكتومة تغلي في صدرها كالمرجل.

ناداني (جميل)، أن أعمل له شاياً بالحليب، ما أن نهضتُ من مكاني، حتى سمعنا طرقا قويا على الباب، انفتح الباب على مصراعيه دفعة واحدة، لا ندري ربما كان الباب موارباً ولم نتأكد من غلقه، دخل علينا ثلاثة رجال يرتدون الزي الزيتوني يحملون مسدساتهم بأكفهم، يتقدمهم رجل أشيب صائحا بنا بغلظة:
– أين هذا الهارب الذي في بيتكم.. ليخرج علينا بسرعة قبل أن ندخل عليه ؟، ران علينا السكون وتلبستنا الدهشة، أمي ظلت جالسة في مكانها، بيدها قطعة العجين وهي تنظر إليهم ساهمة كأن فوق رأسها الطير، لمّا لم يسمعوا منّا جوابا ،اقتحموا البيت عنوة وأخرجوا أخي (جميل) مقيّدا.. وهو يحاول أن يتنزع ذراعيه منهم، يمسكون به بقوة، لم يتركوا له مجالا للحركة، سحلوه خارج البيت، سمعناهم يشتمونه ويضربوه بأيديهم، بعد قليل اختفت الأصوات.

مكثتْ أمي جالسة لم تفه بكلمة، لم يبدر منها أي رد فعل، بقيتْ جالسة، فيما كانت عيناها تنظران نحو الباب المُشرع، سالمة جارتنا، تركت مكانها وهرولت مسرعة خارجا، وقفتُ هنيهة كي أستعيد أنفاسي، الألم المعفر بالدموع ينسج فوق خدي جمر الفجيعة، ها أني أرى الليل يسقط عند عتبة باب الفراق، يا ارتعاشة قلبي المكسو بفرح مبحوح، ألقيتُ نظرة على أمي، دنوتُ منها، راعني صمتها، جامدة كتمثال، حرّكتها من ذراعها، هززتُ جسدها بقوة، لم تستجب، ناديتها، لم تطرف جفن لمناداتي، انتظاري المزمن ومرارات يومي وترُملّي يزيد من نزيف نسغ روحي، وفقدان أخي يرسم فوق مواقد جمري اشتعالات لا تنطفئ، أمسكتها من كتفيها ووجهي في وجهها، عيناها ساكنتان وشفتاها مزرقتان،.. أنفلتت من أعماقي صرخة قوية مزّقت أحشائي، ترنّحَ جسد أمي إلى جانب الجدار، وألوت رقبتها، مفغورة الفم،.. سمعتُها شخرت قليلاً ثم هوى جسدها دفعة واحدة ليرتطم ببلاط الغرفة.. حطمّتْ ظلي الموشوم حرقة عمياء، وشهقة يتيمة تشظت بوجه الموت، تبعثرَ ظلي في فراغ الأمكنة الموحشة، غامت الأشياء في عيني وتحول كل شيء حولي إلى ظلام، بعد انتهاء مراسيم العزاء.. افتقدت سالمة، فقد أقلقني غيابها، سألتُ عنها زوجها.. قال: إنها تركت البيت.. ولن تعود، سألتْهُ عن السبب، لم يجبني وأوصدَ الباب بوجهي !

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد