حكاية منفى..

بقلم : بوخلاط نادية وهران الجزائر

في عمق وحدتي وأتعس لحظات انهزامي اقتفي آثار عشقك الدامي، أفتش بين دفتي ذاكرتي المرهقة عن آخر لقاء كان بيننا، لقاء كان فيه للدموع القرار الفيصل، وحينها شعرت وأنا أغادر مرابعك وكأن روحي انفصلت عن جسدي، بينما كانت الحافلة تشق طريقها نحو المنفى كانت دموعي تنتحر تاركة أثرها على الزجاج، كنت اجلس وحيدة في مقعد مهترأ غير مكترثة بما يدور حولي من ضجيج ولم تشد انتباهي حتى ضحكات الركاب ولا صراخ القابض وهو يصرخ “افونسي لاريار”بفرنسية مكسرة….

غادرت الحافلة المحطة البرية بحي “الحمري”، كنت أودع تلك الاماكن بصمت رهيب وكنت حينها اشبه بالذبيحة حين تقتاد النحر حين استسلامها للقدر المحتوم.

فقدت كل أسلحتي، لم يعد لحظتها بمقدوري الانتفاض ولا الدفاع عن نفسي لأنني يومها اكتشفت بأن للبشر قدرة عجيبة في لبس اقنعة الخداع ومهارتهم في المكر.

في لحظة قياسية تحول ذلك الشخص الذي عشت معه تحت سقف واحد وكبر امامي لأزيد من ثلاثين سنة إلى خبيث ماكر واحترف هو أيضا لبس قناع الورع والنفاق.

لم أكن ولم أنا تحت وقع تلك الصدمة أدرك بأنني سينتهي بي الأمر منفية من منزلنا ومن حينا ومن مدينتنا التي عشت فيها لأزيد من 46سنة، ما حدث كان اشبه بالطعنة النجلاء حين تصيب هدفها وتنهي حياة المغدور إلى الابد

كم خدعت، وكم كنت وحيدة اصارع امواجا متلاطمة في بحار الخديعة المرة، ووجدت نفسي لحظتها بلا سند، بلا اب وبلا سقف أجر خيبات أملى وندب حياة كلها فشل وعمر ضاع في الانتظار، انتظار أن تشرق شمس أمل وبزوغ فجر لم يأتي لغاية اللحظة.

في ذلك المنفى وبين تلك الجدران الباردة انتهى بي الأمر بعد أن تكسرت مجاديفي حين حاولت أن أسبح عكس تيار الظلم والطغيان والمكر لينتهي بي المطاف جسدا بروح مكسورة وفيض من الدموع

كيف رضيت لنفسي بالسكوت عن حق هو لي، كيف قبلت للمجيء إلى مدينة لا اعرف فيها أحد وأن أعيش غريبة بين جدران العزلة تحاصرني أسوار الندم العالية كيف؟

شمت الشامتون وعبث العابثون بأحلامي وبوعود ايادي خلتها تمتد لانتشالي من ذلك الغبن، لكن تلك الوجوه كانت هي ايضا مقنعة وماكرة ووعودها كاذبة، أدركت أن غبائي ونيتي الصافية هي من جر على تلك الصدمات المتلاحقة وأمواج الخيبات وطعنات الغدر النجلاء التي اصابت روحي المقيدة بأغلال اليأس

مرت خمس سنوات وما بزغت شمس الفرج في سمائي الملبدة غيوما سوداء كأنها الغربان، وما عاد لي حق سلب مني وما أصغت آذان لصوت عذابي المخنوق المنبعث من بئر احزاني العميقة.

انا الآن بث اعرف شيئا واحدا بأنه على أن أتجرد من “نيتي” واحترف لبس اقنعة المكر والحيلة وان اتقن فن توزيع الابتسامات الزائفة لأكون مثل تلك الوجوه البائسة التي رقصت على جراحي يوما لأنه لا مكان للطيبة في زمن الخداع وأن الطيور الجريحة تودع الأغصان حين الرحيل ولكن أنا برغم الآلام لا زلت في منفاي هذا احلم بالعودة إلى وهران وبأن أحتضن جدران بيتنا، وأن تكتحل عيوني بمضارب حينا،  وأعيش على ذلك الأمل الذي ما مات في نفسي يوما ولن يموت.

25/11/2017  الثانية عشرة ليلا و20دقيقة

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد