قراءة بقلم الأستاذة مجيدة السباعي
مهاجر نورس راوده الغرور باحتضان الشط البعيد، فاستطاب المقام بالمجتمع الأوروبي لحضارته وبريقه ،فأسلم نفسه لحلم جميل ثمل، علق آماله على هيلين الشقراء امرأة ببهاء الشمس، هطلت عليه كنتف الثلج فذاب قلبه وكاد يفتتن بها حلما مجنونا ،يسكنه أملا ملتهبا ،ويغرقه في نوبة نشوة جامحة، حسبها غيما سيمطر عليه بشهد نسرين ورحيق ياسمين، فحلق من حبوره كحمام طليق يغتسل بأنداء الفجر الصبوح ،وانتشى كما الطير يعانق الحرية بعد طول أسر، كاد أن يبحر في المجهول ويهدى شقراء الثلوج بطيب خاطر منه ناصية فؤاده، ويمكنها أن تعصف بأحلى زهرات أيامه، خال الأيام معها ستزغرد فرحا ودوحه سيزهر بكل الفصول، لكنها كانت ستختلس فرحته وتهديه منفى معتما، بل شتاتا وشظايا انكسار يغرقه كمدا وأسى ،فيتعثر في خطوات سوء اختياره، ويضيع في دهاليز متاهات ضيقة، تهشم آماله وتحطم مراكبه على حين غفلة، وتجعله يتخبط في واقع مستفز مشاكس تماما كلقلاق شردته العاصفة الهوجاء، فبذلك كان سينطفئ الفرح وينهشه الوجع، فمن أعماه الضياء ليس له إلا أن يشقى ويكابد لكي لا تسحقه أقدام الزمن.
‘’هيلين وطيف الرباب’’… انه العنوان العتبة والمفتاح، جاء متماسكا منسجما، يساهم في إذكاء شاعرية القصيد، يلخص كل المضمون ويهدي كل المعاني، له طابع شعري جمالي، يستوقفنا بإلحاح لماله من وظيفة إيحائية تخدم التشويق و تدعو لولوج أعماق النص الفني، ورمزية لغوية قوية خلاقة منتجة تحفز على الإبحار إلى كنه الرموز، به نستنبط رسالة ود الشاعر إيداعها كمقاربة إنسانية ملحة ، فشتان بين هيلين والرباب، بين امرأة المظهر والإطار رغم حضورها، وامرأة الجوهر والرمز طيف لكنه قوي حاضر بالدهن، هيلين اسم أعجمي به كسرتان كأنه يجر إلى الأسفل، تنتمي لأرض جميلة متحضرة لكنها من العواطف عاقر، أما الرباب فاسم عربي يعني آلة موسيقية وترية تمثل العهد والميثاق ، يغنى بها الثراث الأصيل وخاصة المديح، الكل أصيل ترمز لابنة البلد الأصيلة الطيبة الوفية ،بهية الروح والأدب، الصامدة كصخرة الوادي، أين لهيلين أن تصل قدر الرباب الأطهر من الطهر؟.
نعم الرباب وحدها رمز الوطن، والوطن نفحة الله ،صورة محفورة في تلافيف القلب ،عطر الأنفاس، حضور يسكن الوجدان حد الهوس، ذكراه متجذرة في الروح لا تغادر، فحتما كان صوته يزبد ويرغي ويعترض على شقراء الثلوج ،الوطن روح هائمة تسكن الصدر حيثما ارتحل، تحمل معها التراب النسيم والشجرة والزهر والسنابل ولون الكتبان وظفائر الشمس، إنه شغف الانسان بالمكان بمسقط الرأس ،بلحظات الماضي الموشوم وآمال المستقبل الزاهر، كل ذاك يذكي لفحة نيران حنين موجع مؤرق، يحفر أخاديد لوعة تهز أعطاف المشاعر، وتدق طبول اللهفة اشتياقا حارقا…
‘’أنفض آخر ذرة رمل من وطني.. استنشق آخر نفحة عطر خلفتها رباب بأنفي.’’.. بعد الرباب مر محاصر بالمسافات، وذكراها يعاود للجرح النزيف.
‘’مدائن لا تنام’’….. حركة ليلية دؤوب مضيئة، جلبة وضوضاء وسكر وادعاء سعادة سراب، إلا أن السكينة الحقيقية غائبة والحنان فر إلى غير عودة، والقلوب باردة كنتف الثلج، بخلاف الإخوة بالوطن.
‘’لكنها دروب صامتة ريح الشتاء تنوح…’’ لا دفء لا هوية لا أمان لا حماية فقط برودة وجدانية قوية كريح الشتاء، نواح وبكاء روحي صارخ يعكس فقدان السند وركبة الأم الحنون، لا أحد يرحم أو يربث كما في الوطن الغالي…’’أجمع روحي وشعتي… أمضي بلا ظل أمشي’’.
‘’وحدهم الغرباء الساهرون..’’ من هاجروا هجرة سرية لا ينعمون بالنوم والراحة، تلك مشاعر ظلت بالوطن ،يتذكرونها بمرارة قاتمة بآهات وزفرات، رو حهم مشردة وقلوبهم تنزف وأحلامهم أجهضت، ومعاناتهم لا تنتهي، فأنهكهم الضياع.
‘’يتبادلون زجاجة الخمر الرخيص..’’. لعلهم ينسون مرارة واقعهم الآسن الطافح بالأذى، وصفعة الزمن المؤلمة، وقلة اليد لعسر ظروف العمل، وليلهم المدلهم البهيم، فالقسوة أضحت واقعا أكثر إيلاما من الفقر، لأن الإنسان مات في قلب الإنسان.
‘’كل يحكي قصته عواجيز شباب… عاطلون’’…. إنها لمة الغربة توسعهم مواساة وجلد ومؤازرة، وتظل القلوب تلتفت وراءها معلقة بحبال التعلق، إذن الوطن محك الحكاية، حاضر دوما لا يغيب عن ذاكرتهم، وأغلبهم عاطلون سبب فروا منه بموطنهم ليفترسهم ببلاد غريبة، شروط عيشها صعبة وتسلب منهم السنين والجهد والشباب، ونار الحنين تتوقد اشتياقا حد الاحتراق كلما طال الزمن…’’. كم من الساعات مرت.’’….
‘’يجوبون الأزقة كالأشباح يرقصون’’… فهل الخروف عند ذبحه ينتشي بألمه بترنحه برقصه ؟ فقلوبهم تترنح حتما من الألم وتنزف من البعاد.
‘’أنا وحدي القابض جمر الصحوة والإيمان.’’.. إشارة للتمسك بالمعتقدات والقناعات الموروثات، والثرات الأصيل مقابل رفض المجون وتبعاته.
“تركت الرباب خلفي هناك والسقف يوشك أن ينهار”… إنه سقف الموروث الثري الوازن، وبه يستظل ويوشك أن ينهار من كثرة مغريات العالم الجديد حوله.
‘’في جيبي صك بيعي للملاجئ”. يقول على لسان الراوي… صار لي صك وهوية، قد أكون بعت بها لعلي أتمكن من شم هواء ملوث غريب، بكل ما هو متباين عن هويتي عن قناعاتي واختياراتي وانتظاراتي…
‘’نصبتني في عرش هواها..’’. المغريات كانت قوية الشراع والمجداف والتيار جارف لا يقاوم … رقص هيلين مؤثر جميل لكن كمنجل غادر….
‘’إلا أن… الباب كان يطرق… إنه وجهها خلف الزجاج خلف الستائر تحت المناضد إنه طيف الرباب.’’.. حضور طيفها كان الأقوى الراجح والمتربع دفين النفس بل بؤبؤ العين، غمر وجوده كل المكان، تمدد بكل مساحات الروح، فانتصر الوطن الراسخ في الدهن بالأرض والأهل والنسيم والليلة القمراء، وصدق الصحب والإخوة… ذاك ديدن الحياة.
كما دوما ينبلج الصبح من غسق الليل دقت نواميس قلبه، حيث رفعت ستارة الغشاوة واستفاق من نوبته، فانفطر قلبه شغفا وتناثر حنينا للوطن الغالي، لعله ينسج سكينة النفس من الذكرى ويتحرر من أصفاد المنفى فحتما للمكان ذاكرة لا تبلى… صدق من قال لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق.
ما أثرى هذا القصيد الحر بموضوعه أدب الهجرة والترحال، يعد لا محالة عملا فنيا ثريا راقيا أشبه بالسيرة الذاتية، حروفه تكاد تئن أنينا وتذرف الدموع، وتصور مأساة إنسانية اجتماعية حقيقية وتتحمل أوزار هموم وهواجس تقال، ورصينة بهية المنحى والإيحاء والدلالات والانزياحات.
الكلمات منتقاة بحرص شديد مزدانة ببعض محسنات كالطباق، وإشارات لقصة امرأة العزيز والقميص الذي قد من دبر مما يثمن القصيد ويؤثث.
كان للمبدع القدير المحنك الأديب عليم أدم رشيد جميل القصد بفتح الأعين على واقع مأساوي، تتراكم به عدة إخفاقات، وبرسم صورة المهاجر التائه المشرد الجاهل للحل.
إنها صرخة واعية للتنبيه حيث انحرف الإنسان عن غايته، فتكاثفت همومه ودوما هناك أمل لمصافحة الصفاء ومصالحة الذات، واحتضان الوطن والسعي للرزق بذكاء للقضاء على عسر اليد، فالوطن يغادرونه ولا يغادرهم.
—
قصيد هيلين وطيف الرباب للأديب الأستاذ عليم أدم الرشيد من السودان
مدائن الثلوج لا تنام.
لكنها الدروب الصامته.
ريح الشتاء تنوح.
وحدهم الغرباء الساهرون.
صعاليك الليل الضائغون.
يجوبون الازقة
كالأشباح يرقصون.
المشردون مثلي الهائمون.
بلا مأوى بلا زاد أو هويه
كالبطاريق…..
في الزقاق المهجور يجلسون..
يجلسون حول النار
يتبادلون زجاجة الخمر الرخيص
كل يحكي قصته
عواجيز
وشباب عاطلون….
يغنون لحنا مبتذلا ويقهقهون.
وأنا الغريب
في ليل المدينة الشقراء
أهيم لاجئا خلف خلفه الأوطان.
في جيبي صك بيعي للملاجئ
وحدي أنا
القابض جمر الصحوة و الإيمان.
تركت (الرباب) خلفي هناك
والسقف يوشك ان ينهار…
لماذا يا رباب…..؟
لماذا يطل وجهك الآن.
تقفين امامي
(وهيلين) ترقص
كتمثال الإغريق الأنثى
كعويل الغربة و الأحزان.
كم من الساعات مرت
انا و(هيلين) وطيف الرباب
نعبر جسر النشوة والأشجان.
نعبر جسرا لا ينتهي
كظلال الثلج الأزرق
نعبر بهو الليل
ونداء الرغبة في الأعماق تاجج
يعصف كالنيران.
و(هيلين)…..
كألضوء الشارد ترقص
جسد يتغانج راودني.
كالنار تثنى يغويني.
هيت لك
وإذ هممت به
مثل الضوء تفلت يمضي.
لا من دبر قد قميصي
لا الفيت السيد عند الباب
ولا ………
مستها يدي.
على جسدي اشد المعطف
بغناء الغربة اهذي.
وفوق رصيف الشارع أجلس
أخرج شيئا من جيبي.
انفض آخر ذرة رمل من وطني
ألقيها
في بئر الصمت بجوفي.
أستنشق آخر نفحة عطر
خلفتها رباب بأنفي.
اجمع روحي وشعثي.
امضي
بلا ظل أمشي.
و(هيلين) يد بيضاء
كالثلح تنام على كتفي.
لماذا..؟
لماذا تركت الحقل بليل
وحصاد سنابل قمحك اقبل
لماذا تركت الحقل ؟
والريح تهز اليك بجزع النخل.
كيف تركت رباب هناك
قبضت أخذت من رمل خطاك.
القتها في عمق الصدر
حيث ينام في صمت سر هواك.
وكأم موسى
ألقت بحلم هواها في اليم العريض
لمن تقولين قصيه ؟.
يا أم موسى….!!
أمراه العزيز ليست هناك
فمن يا ترى في مدائن الضباب سيأويه.
فنجان القوة يبرد
سرحت احدق عبر زجاج المقهى.
أبحث عن قافية
عن حرف روي ابهى.
لا…
ليس حلما كان
هناك رأيت رباب في عرض الشارع تجلس
كعصفور ضل طريق..
كزنبقة الثلج الأبيض…..
وبالبنطال الأبيض
تتلوى كسوط حريق.
لماذا احبك انت ؟
اراها طيفا… تجلس في المقهى.
من كل نساء الدنيا .!!
لماذا احبك أنت
أي سر فيك
كفاك يا قلبي
أما كفاك ان تنسى.
طيف الرباب يهرب
وهيلين ترقص
تتثنى كقوس النار
تناديني هيت لك.
هيا خذني.
يا ليل الشتاء
ما أقساك ما اغربك
ما اجملك.
(هيلين)
هيأت للسيف غمدا
من يعصر البرتقال في كأس غريب
من يروي ظمأ الصدر العاري.
اينا الغريب يا (هيلين)
انا ام انت
أنا اللاجئ فصرت انا المجتاح والغازي.
اوقدت شمعا
نصبتني في عرش هواها مليكا
صيرتني اميرا… سيدا سلطان.
(هيلين) ترقص
وصار الليل كزورق عشق
يمخر يبحث عن شطأن.
قالت سيدي انت
أميري انت
كن انت دليل الرحلة والربان .
هلين ترقص
والباب يطرق.
هلين تجلس والباب يطرق.
هيلين غنت
والباب يطرق.
هيلين……
والسيف يبحث عن غمد….
والباب يطرق
من هناك
ويفتح باب ..
إنه وجهها خلف الزجاج يرنو
خلف الستائر تحت المناضد
انه طيف الرباب.