يونس إمغران: إعلامي
لو استطلعنا آراء الناس في بلادنا عن جامع القرويين، لتوزعوا بين مذهبين لا ثالث لهما، مذهب – وهو الذي يشكل الأغلبية – لا يعرف هذا الجامع، ولم يقرأ عنه – خلال مرحلة تعليمه الإعدادي – إلا شيئا يسيرا من تاريخه و دوره الحضاري البائد، ولا يعلم مصيره اليوم، ومذهب ثان – ويشكل أقلية لا بأس بها – يرى أن هذا الجامع مجرد بناية ومعلمة تاريخية لا دور لها اليوم، سوى استقطاب الزوار من المغاربة، والسياح الأجانب.
ولكن هناك من يعرف ويعلم ويدرك أن جامع القرويين مازال يؤدي دوره في التدريس والتعليم والتربية الدينية إلى يومنا الحاضر، غير أن هؤلاء ممن لهم معرفة بذلك، لا يشكلون في واقع الأمر وحقيقته، إلا فئة قليلة جدا لا تتجاوز أصبعي الإبهام و السبابة، ومن ثمة يصعب علينا أن نعتبرهم مذهبا ثالثا.
لقد ارتأى المسؤولون المغاربة السياسيون – وليس غيرهم إطلاقا – أن ينشئوا مرافق تعليمية تابعة لجامع القرويين ببعض المدن المغربية، فكانت كلية أصول الدين بتطوان، وكلية الشريعة بفاس وأكادير، وكلية اللغة العربية بمراكش، في حين حرصوا على أن يظل جامع القرويين المركز بفاس على سجيته التاريخية القديمة والنمطية، كما راهنوا بالمقابل على أن يبقى دور هذا الجامع محدودا في حياة المغاربة، دون أي تأثير أو قدرة على توجيه الناس في أمورهم الدينية والدنيوية.
والدراسة بالمرافق التعليمية للجامع المشار إليها أعلاه، تعد من أبشع صور التعليم في بلادنا، فمنتوج هذه المرافق بئيس وعتيق وتقليدي وجامد وراكد ومتعفن ولا ينفع في شيء، أضف إلى ذلك أن الولوج إلى هذه المرافق لمتابعة التحصيل “العلمي” سهل وميسر ومشرع الأبواب لكل من هب ودب من أنصاف العقول، والراسخين في الجهل، والمحاربين للاستنارة والنبوغ، والهاربين من نعم التفكير والنظر والتأمل المنتج.
بل يكفي أن يطلع المرء على كشوفات النقط لأغلب طلبة وطالبات هذه الكليات قبل الولوج إليها، ليقف على حجم المصيبة التي ابتلي بها التعليم في بلادنا.. بمعنى أن الهروب من الكليات والمعاهد الأخرى يقود بالضرورة إلى الاحتماء بمرافق جامع القرويين التعليمية التي باتت تشكل مأمنا لهم و استجارة ( استغاثة به ).
والواقع أن حاجتنا ملحة وعاجلة لتطوير تعليمنا الديني، وإلحاقه بمتغيرات العصر التربوية والبيداغوجية، على اعتبار أن الإصرار على ترك برامجنا التعليمة بكليات جامع القرويين على حالها اليوم، وكما هي، رديئة وقديمة وساكنة ومتحجرة وبعيدة عن فقه العصر وحركيته، هو إصرار مدفوع من طرف إرادة سياسية تحارب بقوة أي تحصيل علمي يستند إلى شرعية دينية.
نحن لسنا ضد تعليم ألفية بن مالك أو لا ألفية بن عاشر ولا ألفية العراقي ولا المنظومة البيقونية، ولا يزعجنا أن نطيل النظر والتفكير في سنن الترمذي ولا ابن ماجة ولا أبي داود، ولا يحزننا الانكباب على دراسة تفاسير الطبري والقرطبي وابن كثر وجلال الدين السيوطي.. ولكن يحز في أنفسنا أن نحرم أبناءنا وطلبة علمنا من ثمار المعرفة الحديثة، وعلوم العصر، وأسباب التقدم والنهوض والحضارة.. كما يقلقنا أن لا نجدد منهجية دراسة أحاديث نبينا الشريفة، وتفاسير قرآننا العظيم، وسير صحابتنا الكرام وقادتنا الذين صنعوا تاريخنا المشرق بأفكارهم الجبارة، وبطولاتهم المغوارة، ودمائهم الزكية.
بيد أن الحاجة قوية إلى إعادة الاعتبار لجامع القرويين الذي لا يؤدي أي دور في حياتنا اليوم، في الوقت الذي نجد فيه صنوه جامع الأزهر الشريف بمصر يكاد يوجه الحياة الدينية ويصنع مجمل ملامحها في كل أقطار عالمنا العربي والإسلامي.. علما أن جامع القرويين أقدم منه، وأقرب منه إلى حضارة الغرب ومناهجه الرائدة في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
والسؤال الذي تتولد عنه عشرات الأسئلة، هو لماذا يصر البعض على أن يظل هذا الجامع محصورا في تعليم نواقض الوضوء، وشروط التيمم، وكيفية الآذان ؟
لماذا نرفض تنصيب هذا الجامع منارة للمذهب المالكي، ومرجعا دينيا في العقيدة والشريعة والتصوف ؟
لماذا لا نجعل لهذا الجامع شيخا وإماما أكبر، يعفينا من اللجوء إلى الاقتباس من فهم إخواننا المشارقة للدين الإسلامي وفلسفته ؟ و بالتالي إلى الاقتداء بفتاواهم ومواقفهم وقراءاتهم للنصوص الدينية ؟
لماذا يريدون الإبقاء على جامع القرويين معلمة تاريخية وسياحية ؟.
والخلاصة، هي أنه لا إصلاح للخطاب الديني وتجديده، ولا هيكلة فاعلة للحقل الديني وترشيده، ولا عقلنة لعلاقة الدين بالمجتمع المغربي، إلا بإصلاح جامع القرويين، ورد الاعتبار إليه، وتمكينه من العودة إلى العمل في حياتنا وفق آليات العصر الحديث، وجهاز مفاهيمه المتطور والمتفاعل مع المستجدات العلمية والاجتماعية والثقافية والحضارية لعصرنا الراهن.
تعليقات الزوار