إيران قوة إقليمية بلا منازع

*المصطفى أحسني:باحث في علم الاجتماع السياسي. متابع للشأن الإيراني.

إن الاتفاق النووي الموقع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والقوى الغربية، صيف العام 2015، بمثابة الترجمة الدقيقة لنظام عالمي جديد لا تنفرد فيه دولة واحدة أو مجموعة من الدول بالسيطرة عليه، هو ترجمة لانتشار القوة في النظام العالمي الجديد، وعدم تمركزها في مجموعة محددة من الدول أو في إقليم معين. فالدول الكبرى رضخت صاغرة للاعتراف بصعود الجمهورية الإسلامية الإيرانية كقوة إقليمية في الشرق الأوسط،وبالتالي فهذه الدول لا تعترف بإيران كمجرد دولة في الشرق الأوسط ولكن باعتبارها أهم دولة في المنطقة. فالمكانة المتميزة التي بلغتها إيران هي نتيجة لتقدمها في مجال البحث العلمي الذي قفز بها إلى المكانة السابعة عشر في مجال حجم الإنتاج العلمي المنشور دوليا والذي جعلها تسبق كل دول العالم من حيث معدل الزيادة في الإنتاج العلمي المعترف به في دوريات علمية دولية. هذا التقدم العلمي الذي انعكس في مجالات الطاقة النووية وإنتاج الصواريخ وإطلاق أقمار صناعية. ويستند هذا التقدم العلمي إلى تقدم في مجال التنمية الإنسانية، والتي قفزت فيها إيران من المرتبة الرابعة والتسعين في سنة 1990 بعد انتهاء الحرب المفروضة إلى المكانة الخامسة والسبعين في سنة 2013 ، وارتفع مستوى سنوات التعليم للمواطنين الإيرانيين من ثماني سنوات تقريبا ليصبح خمس عشرة سنة لمن هم في سن الدراسة في الوقت الحاضر. كما يقترب ما تخصصه إيران للبحث العلمي والتطوير من 4% سنويا وللتعليم من 7% من ناتجها المحلى الإجمالي. وقد استفادت إيران في هذا الصدد من ارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية قبل أن تنخفض الأسعار بسبب سياسات بعض الدول التي ترى في التقدم الإيراني تهديدا لها وهو ما بات يعرف ب”الإيرانوفوبيا”، وفي المقابل لم تنعكس عائدات النفط المتزايدة في تلك السنوات على أي تقدم ملحوظ لتلك الدول في مجال الإنتاج العلمي.
وقد أثبتت الانتخابات الرئاسية ليوم 19 مايو الماضي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسير بخطى حثيثة ومسؤولة على درب التقدم والبناء رغم الاستفزازات المتزايدة من هنا وهناك، فالوضع يبدو مستقرا والسوق الإيرانية سوق واسعة لأزيد من ثمانين مليون مواطن، وحاجة إيران للتكنولوجيا المتقدمة هائلة في كل المجالات، و امتلاكها قدرات جيدة في مجالات النفط والغاز والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة والالكترونية وكونها قادرة علي سد جزء من احتياجات أوروبا للطاقة مما يعكس تطلع كبريات الشركات العالمية للاستفادة من مزايا إقامة علاقات اقتصادية وثيقة مع إيران.
كما أنها تتوفر على قدرات كبيرة ناعمة تتمثل في الدبلوماسية التي أثبتت جدارتها في إدارة المفاوضات حول القضايا المصيرية للبلاد اعتمادا على إستراتيجية الجمع في آن واحد بين كل من : التنازع والتحالف والتفاوض، وهذا ما تسلكه في العلاقة مع أمريكا والغرب، مما أعطاها القدرة على تصورا شاملا في العملية التفاوضية التي تتوجت بانتزاع الحق في امتلاك و تطوير القدرات الدفاعية والبحث العلمي في المجال النووي. وقدرات هائلة خشنة تتمثل في القوة العسكرية والصاروخية للدفاع عن البلاد بحيث أنه حتى أعداء إيران يعترفون اليوم بأن القدرات العسكرية والصاروخية الإيرانية لا علاقة لها بالاتفاق النووي ولا بالقرار 2231 فمن حق إيران الاحتفاظ بقدراتها العسكرية وتعزيزها.
ولتبديد المخاوف والتخفيف من وطأة “الإيرانوفوبيا”؛ فإن جميع القادة الإيرانيين يجمعون على أن قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقدراتها العسكرية والسياسة والاقتصادية ليست ضد جيرانها ودول العالم الإسلامي بل هي قوة للدول الإسلامية جميعها. وقد تمكّنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نتيجة الإستراتيجية المُحكمة التي نهجتها منذ انتهاء الحرب المفروضة ، من بسط سيطرتها ووجودها في أهمّ المحاور الإستراتيجيّة الحسّاسة على المستوى الدولي والإقليمي. فبالإضافة إلى القدرات العسكريّة، أصبحت من اللاعبين الأساسيّين في المنطقة، خاصّة في الملف العراقي. وعبر تحالف إستراتيجي مع سوريا، ودعمها لحركات المقاومة، في فلسطين ولبنان. ولقد استطاعت إيران عبر انتصار المقاومة في لبنان (حزب الله) والمقاومة الفلسطينية في غزة في وجه الكيان الصهيوني من إسقاط نظرية “الجيش الذي لا يقهر”. ونتيجة الدعم اللامتناهي الحدود للدولة السورية في مواجهتها للعدوان الهمجي التكفيري المستمر منذ العام 2011، أصبح من المتعذر إنكار الدور الإيراني الحيوي والمحوري، في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا ، عند رسم أية تسوية أو إستراتيجية مستقبلية، لمنطقة الشرق الأوسط.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد