الوسواس آفة العصر

رزاق عبدالرزاق

أتبث العلماء المهتمون بالسلوك البشري أن الأشخاص المصابين بالوسواس )البارانويا) أكثر تأثيرا على محيطهم، من الأشخاص العاديين ومُتزني الطباع. فحتى البيهافيوريون (behavioristes) الذين كانوا يعتقدون أن بإمكانهم صنع أنماط سلوكية على المقاس ، كانوا يحتاطون من المُوَسْوَسين ، لأنهم لا يدخلون في النسق التجريبي العام ، نظرا لسلوكهم المضطرب وردّات فعلهم المفاجئة.

كظاهرتين سيكولوجيتين متميزتين ، فإن “الميثومانيا” (مرض الاستهتار) و”البارانويا” (مرض الدهان) لهما نفس المنبع ، مع فارق طفيف أن “الميتومان” (الشخص المصاب بمرض الاستهتار) ينفرد بغزارة لفضية مثيرة للانتباه، و بغرائبية حكاياته الوهمية ، التي يسردها بواقعية نادرة . أما الشخص المصاب بالوسواس فهو يتحدث مع نفسه على الدوام ، لكن في صمت مريب ، ولا يفشي أسراره (بعد تردد طويل) ، إلا مع من يشبهه. فويل لمن رمت به الأقدار بين مُوَسْوَس ومُوَسْوَس أبشع منه. فلن يخرج من الجوق الكورالي سالما، لأن كلام المُوَسوَسين ليس بكلام عاد ، فتوجد في ثناياه نوايا عدوانية وإرهاصات موجعة تُنْدر بوقوع الفاجعة. كذلك قد يكون الموسوَس فاسقا يتلاعب بالحقائق دون الإدلاء بالحجج.

فحتى على مستوى الكوسموس ، يوجد من يتنبأ باندثار مكوناته، من كثرة الوسواس. وآخر مثل على هذا الهذيان هو نهاية العالم التي انتظرها المَفْزوعون مع بزوغ يوم 21/12/2012. مر هذا التاريخ المزعوم ، ولم نر إلا الزيادات الصاروخية في الأثمان التي قررتها حكومة عبد الله بنكيران ، بإيحاء مُضْمَر ممن يسميهم “وَسْواسيا” العفاريت والتماسيح، ويسمونهم الآخرون ب “أصحاب الوقت”، و الذين يلجئون “لأصحاب الحال” لفرض الأوامر والطاعة على الناس ، وإلا نزل السوط المبرح على ظهورهم .

ينمو الوسواس ويترعرع في الأعماق النفسانية ، ويتغذى من الخوف والشك والريبة. وهو مرتبط ارتباطا وثيقا بالأشياء التي نملك ولو كانت غير مادية ، ولكن ثمينة كالحرية والسرور والطمأنينة. فبين “الميتومان” الحكواتي و”البارانو” الشرير يجب الاحتياط من قوة تأثيرهما. ففي غالب الأحيان لا يؤدي الشخصُ الأولُ الغيرَ، إلا في بعض الحالات النادرة، كالشهادة الوهمية أمام قاضي المحكمة، أما الموسوَس فهو أشد خطورة ، لأنه أكثر عدوى و عدوانية، وبما أن الخوف يسكن قلبه على الدوام ، فهو يريد نقل قسط من العبء للآخرين و بأي طريقة ممكنة ، عيناه طبيعيتين لا ضرر في خلاياهما البصرية ، لكن عقله المصاب بالأذى يرى أشياء مرعبة لم تقع ، وفي استنساخ لا متناهي ومُضَخمَة بشكل دراماتيكي. والأخطر من كل هذا هو أن المصاب بمرض الوسواس لا علاج له، وقد تصيب العاهةُ حتى الحكامَ، الذين يستحوذون على جميع وسائل الدفاع عن النفس، ويستعينون بجيش عرمرم من الحراس المسلحين بأحدث الأسلحة، لأن البارانويا لا تفرق بين حاكم و محكوم، بين فقير و غني ، وبين أبيض البشرة و أسود اللون. فبعد ضربة الحداء المشهورة ، صار جورج بوش الابن أكثر توجسا ، وتعتبر هذه البارانويا من الصنف الموضوعي لأنها مرتبطة بحدث واقعي، وليس بوهم أو أسطورة .

للوسواس مستويات ومسببات شتى. وسواس له عوامل موضوعية كالذي ذكرناه، ووسواس مكتسب موروث جينيا، ينتقل من الأب لابنه أو من الجد لحفيده ، (إذا ما استأنسنا بقانون العالم الفسيولوجي يوهان مندل) وذلك عن طريق الأسيد الحيوي ” ADN” . كذلك يجب التمييز بين وسواس المدن ووسواس القرى، فالأول له علاقة بالسياسة وبعاهات المدينة و بمآسي المجتمع كالقمع البوليسي والأحكام القضائية غير العادلة التي تترك بصماتها الأليمة في النفوس، والثاني يرتبط بالفكر اللاهوتي والسحر والشعوذة وعلم الغيب. ففي وسواس المدن يحتل السياسيون والمثقفون المراتب الأولى، لأنهم أكثر وعيا بخبايا الأمور، وذاكرتهم تتسع للمزيد من الصور النمطية أو غير النمطية، عن “موقع الخطر” المحتمل ، مع الاستفاضة الخيالية التي تترتب عنها. أما موسوَسو الصحافة فيؤولون المقالات حسب مزاجهم المضطرب، عوض عين العقل والمنطق، يقرؤون بين السطور، ويغربلون العناوين غربلة دقيقة ، كأنهم يبحثون عن لغم تحث ركام الحروف الأبجدية، إنهم يخافون من نشر أخبار وأفكار تهدد مصلحتهم أو تزعج أصحاب نعمتهم ، لهذا رأينا نساء تتصرف بجرأة الرجال البواسل، ورجال “مشلغمين خايفين غير من خيالهم وبايعين الماتش”.

قد يكون الشخص مثقفا فوق العادة لكن لا يتق في نفسك، ويشك حتى في أخيه، و يعتبر أن من يجالسه في المقهى أو فى الحانة، لم يقترب منه إلا للإيقاع به ولإسقاطه في فخ أو مصيدة ، وخاصة إن كان هذا المثقف من أصحاب الشبهات ، ومتورط في عمليات اختلاس أو بيع الذمم، أو له امتيازات ريعية ، يرتعد ويخاف من ضياعها . وما يرهب المثقفين والمتحزبين يمينا ويسارا هو البوليس السري، ويجهلون أن حتى البوليس نفسه له وسواسه ، ويتمثل في البوليس الخاص بهم وفي مفتشيتهم ، التي تترصد خطى الخارجين عن الصف.

أما في البادية فيتعذر حصول مثل هذه الحالات لأن الحياة القروية تختلف تماما عن الحياة في المدن. فوسواس المزارعين ومربي المواشي لأكثر تجريدا، لأنهم يربطون المصائب بقوى غيبية. فحتى لو اشترى الفلاح سمادا مغشوشا آو مبيدا للحشرات فتسبب في ضياع محصوله الزراعي، فلا يلوم صانع السماد آو بائع المبيدات، ولكن يرجع الظاهرة إلى علم الغيب كالعين والحسد، ويلوم نفسه لأنه نسي بأن يذبح طائر دجاج كقربان لتجنب عين الشر. وكدليل على ما نسرد، يمكن لأي متسائل أن يقوم بزيارة للقرى المجاورة لمدينته، ويلج أي مسكن قروي ليرى بصمات أياد على الحائط من الحناء وبجوارها رسم للعين. أما البخور والجاوي المكاوي و”التْفَوسيقة” ، فنيرانها لا تنطفئ ، تحسبا لكل طارئ غيبي، وإن كان في بعض الأحيان هذا الطارئ الغيبي من مكر المخزن وخدامه المتعجرفين.

“خَمْسَة وخْميسْ على عينيكم”، هكذا تنطق الأفواه بالبوادي كلما أصابها سوء، يُجْهَل مصدره. ففي عمق الظلام المحيط بالقرى والبوادي تُنْسَج قصص الرعب والفزع. فأكبر قصة عرفها المغاربة أجمعون، هي قصة “لاكونتيزا” البرتغالية التي حولها مُوَسْوَسو دُكالة إلى جنية تدعى عائشة قنديشة. فكم من ضحية لهذا الكائن الوهمي قضت أيامها الأخيرة مسلسلة الرجلين بضريح بويا عمر الشهير. لذلك قيل، على صواب، أن الأشخاص المصابين بالوسواس أكثر تأثيرا على محيطهم.

فإذا التقى الجهل والوسواس في جسد واحد، فتنبأ بوقوع أشياء لا يصدقها العقل السليم ، ولكن بإمكانها الانتشار كالنار في الهشيم ، كما وقع لقصة الحسناء البرتغالية، التي صارت ترعب الصغار والكبار كلما ذُكرَ اسمها، في واضحة النهار أو في ظلام الليل الدامس.

رزاق عبدالرزاق

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد