الأستاذ محمد الهلالي
المجتمع المدني بالنسبة للمثقف الحالم:
يبحث المثقف عن الحرية، لذلك فقد يحتاج بالأساس إلى المجتمع المدني، إلى فئات متنورة، تتبنى القيم الليبرالية التي تسمح بتحقيق أفضل لفردانية المثقف (إنتاج، استهلاك، اعتراف، مكانة اجتماعية، دور تاريخي…).
لذلك فلا يكفي اعتراف الدولة بالمثقف، ولا فتحها المجال له ليقوم بعمليات الإبداع…إن المثقف هنا ينظر على مستقبل هذه الشعوب التي لازالت تقمع على هامش التاريخ الحديث بمنظار المتحرر من شلل ذلك الهامش المكبل لطاقاتها ولفكرها.
لكن هل يمكن “لإستراتيجية تنمية المجتمع المدني” أن تقود فعلا إلى تحقيق المجتمع المدني ؟ ألا يمكن بالأحرى اعتبار حالة المجتمع المدني حالة تنتج بطرق أخرى غير مدنية ؟
هل يتعلق الأمر بمثقفين يبحثون عن دور جديد بعدما انتهى دور تمجيد السلاح والتغيير العنيف والمواجهة المباشرة باسم التحرر وخدمة الشعب ؟ هل هو مجال آخر سمكن من امتصاص فشل هذا التائه في مجتمع الأمية وسلطة المال والجسد ؟ ألم يكن من الأفضل أن يتحول المثقف إلى احتراف رقص خاص به، رقص “المثقف الراقص” ؟ ألا يتعلق الأمر في الرقص من موقع لآخر؟ الرقص بين المواقع ؟ الرقص في حلبة الكلام المؤدى عنه ؟ الرقص على هذا الحبل المتصل رغم فجواته ؟ يبدو أن “المثقف الراقص” يشتغل كما يشتغل “رقاص الساعة”: الدوران الدائم وانعدام الاستقرار وعدم الاعتراف واللامبالاة والجري وراء التغذية والتعرض للإهمال والتحول إلى مادة رخيصة للاستهلاك…
إن المثقف الحالم يدافع عن الحرية، حريته هو بالأساس لتضميد جراح السيادة الوهمية غير المحققة ؟
المجتمع المدني بالنسبة للمثقف السياسي:
يبدو المثقف السياسي حذرا، لكنه لا يستطيع مقاومة إغراء المجتمع المدني كمفهوم وكقوة مفترضة، وربما ترجع قوة المثقف السياسي إلى كونه يبحث عن حد أدنى من الانسجام ما بين برنامجه السياسي الجماعي (والفردي) وبين نتائج الأخذ، في التحليل السياسي والثقافي، بمفهوم المجتمع المدني، فهذا المثقف لا يمكنه أن يغفل كون أنطونيو غرامشي صاغ موقفا ماركسيا بصدد هذا المفهوم. لذلك فالحوار مع هذا الموقف ضروري.
يلاحظ المثقف السياسي أن مفهوم المجتمع المدني يمكن التعاطي معه كإشكالية سياسية، ولكن هناك إشكالية أكثر انغماسا في الراهن وأكثر سياسية من المجتمع المدني وهي التي تصاغ في عبارة “الانتقال الديمقراطي” أو “المرحلة الانتقالية” أو “إقامة الدولة المدنية”.
إن تبني المثقف السياسي لإشكالية الانتقال الديمقراطي يدخله بوضوح في دائرة المعارضة الشرعية والسلمية والتي آمنت أخيرا بالانتقال التدريجي، وبالتوجه البرلماني الانتخابي كحلول تفرضها موازين القوى الطبقية.
عن اعتبار مفهوم المجتمع المدني “إشكالية سياسية” يقود إلى افتراض بعض المعالم المحددة لهذه الإشكالية: لذلك يسأل المثقف السياسي عن طبيعة هذه الإشكالية: هل هي مشروع عام؟ أم برنامج؟ أم أنها تعكس المكونات العميقة للمجتمع ؟
إن مفهوم المجتمع المدني يتوخى التصدي للدولة القوية التي تمارس الإقصاء في أفق إعادة الاعتبار للمواطنين وللدولة “الملعونة” (في الأدبيات الثورية) معا.
ما الذي كانت تهدف إليه التنظيمات والمجموعات والشخصيات والفعاليات المعارضة سابقا؟ ألم تكن تهدف إلى الحد من الطابع الإداري للدولة وتحقيق المواطنة لجميع الأفراد بغض النظر عن أي مميز يميزهم كيفما كان، وتحديد وظيفة الدولة كخادم فعلي للمجتمع وتوسيع مجالات الحريات (ضمن المنظور الليبرالي) ؟
إن هذه الأهداف هي التي يلقيها المثقف السياسي على كاهل “مفهوم المجتمع المني”. فالأمر يتعلق إذن باستبدال الأداة مع الحفاظ ليس فقط على البرنامج وإنما أيضا على العقليات. ويهدف المثقف السياسي، عبر مفهوم المجتمع المدني، إلى إشراك “الشعب” الذي عجزت التنظيمات السياسية عن جره إلى المعركة السياسية، خارج الإيديولوجيات السياسية. فهل يتعلق الأمر فعلا بضرورة تغيير أداة العمل؟
قد يكون مفهوم المجتمع المدني صالحا لإعادة ترتيب مكونات المجتمع في إطار تحليلين حسب معيار التسلط والحرية. ولكن هذا لا يعني المجتمعات العربية قد عرفت تغييرا أساسيا فرض هذا النوع من التحليل: فالقول مثلا أن الجمعيات والنقابات والنوادي ومختلف الفعاليات الثقافية تشكل ما يسمى بالمجتمع المدني يعني إمساكنا عن طرح السؤال بصدد ذهنيات هذه المكونات لأنها قد لا تكون بالضرورة “مدنية” في توجهاتها وآليات اشتغالها. إن الأمر يتم وفق تعسف كبير يفرضه الفكر على المعطيات التاريخية: ألا يتعلق الأمر في الواقع بمجتمع مدني وهمي أو على الأدق “بإرادة إنتاج مجتمع مدني وهمي” من مجتمع تقليدي تجتذبه الحداثة في بعض مراكزه ومكوناته دون أن تتمكن منه.
إن المتتبع لتحليل المثقف السياسي لمفهوم المجتمع المدني يدرك أن وراء هذا التحليل تختفي خيبة أمل من التاريخ، وعتاب للشعب الذي ظل تقليديا وأميا وبعيدا عن المعركة النضالية، وحقدا على الدولة التي نجحت في مشروعها، وأذلت المثقف الذي حلم يوما ما بتغيير جذري (فعليا أو وهميا) بالاعتماد على من نصب نفسه زعيما لهم ومفتيا (منظرا).
ما هي عوائق ظهور المجتمع المدني في المجتمعات العربية حسب المثقف السياسي ؟
توجد عدة عوائق يمكن حصر أهمها فيما يلي:
– المؤسسات القائمة لا تنسجم مع أسس المجتمع المدني.
– الأفكار السائدة تقليدية ومعادية للحرية الفردية وللمسؤولية التي تترجم بالمحاسبة وفق القانون.
– الإيديولوجيات المهيكلة للأفكار وللسلوكيات هي إيديولوجيات قتالية وإقصائية تقوم على المنافسة والاحتكار.
– الثقافة السياسية هي ثقافة احترافية واستثمارية أساسها احتكار المواقع وتمثيل المعنيين وعدم تمكينهم من الانخراط في عمليات تخصهم.
– اشتغال المجتمع وفق آليات النخب المهيمنة والنخب المضادة.
إن هذه العوائق هي نفسه سلبيات المجتمع الطبقي (التقليدي إضافة إلى ذلك) الذي نذر اليسار بجميع مكوناته نفسه لتغييره. ونلاحظ أن الأمر يتعلق أيضا بتعبير آخر بعملية “الاستبدال الاسمي” والوقوع في فخ “استهلاك المفهوم”.