جدال الأنوار: كاسرير، هوركهايمر وأدورنو 4/5

جون ماري بول

ترجمة: الأستاذ عبد العزيز عبقري

لقد ناضل هوركهايم وأدورنو لكي يكونوا الأوائل في النقد الرومانسي: “…ولأن الأنوار هي كليانية، أكثر مما قد يكون أي نسق آخر، فلا يتعلق الأمر بما سبق لأعدائها الرومانسيين ان آخذوها عليه بشكل دائم، كما ليس المنهج التحليلي، أو العودة الى العناصر الأساسية، ولا إلى تفكيكها عبر إعادة التفكير فيها، هي التي تمثل خطأها بل إن خطأها هو أنها قد قضت بحكمها القضائي بشكل قاطع.”. بهذا الشكل، فإن تفسير الأمر شيء اجبري. إن ما هو معطى، هو أن اتهام الأنوار بالتوتاليتارية هو اتهام بامتياز لها، من طرف المفكرين الذين أوردهم بما فيهم فوكو. إن هذا النقد يشمل تصور الإنسان والمجتمع، وبشكل دقيق أيضا النظام المفروض على الإنسان وعلى الطبيعة من طرف العقل الاستبدادي عبر القبول بالترسانة المتنورة. هذا ما يعمل لصالحه نظام الحكم، بلغة الخصوم التقليديين، من اجل الحسم في أي ظاهرة متميزة وإيجابية أو فيما يتعلق بالمستقبل ثم ايضا فيما يخص إخضاع التاريخ للقدر المحتوم المرتبط بالغائية المحددة في التقدم. إنها (الأنوار) التي تمارس إذن فعل الزندقة حين تدعي إخضاع الظواهر الفيزيائية، وهو ما تعتد به، ثم أيضا التكهن بمصير الإنسان الموجود بيد الله. هدا ما يردده الرومنطقيون بحماس، رغم ذلك فالجهر بالإيمان يخترق مختلف الفصول لكتاب “فلسفة أخرى للتاريخ” التي صيغت بوحدة تركيبية.

إن أدورنو وهوركهايم يتأطران ضمن تقليد قديم، علامته المميزة ليست هي إنجاز، باسم الوحي، لتفسير آخر للتاريخ، بل الاعتراف للإنسان بالقدرة على صناعته وهو موجه بالعقل. نحن هنا على أنقاض الماركسية التي لا تقتدي إلا بالنقد السلبي الصريح للمجتمع الرأسمالي. فلا مجال هنا لتصور أي أثر للتقدم في التاريخ، بل إن الأمل في إمكانية العودة الى القهقرة شيء يتم الإيماء به.

رغم ذلك لا يدفع بنا أدورنو وهوركهايم نحو الإيمان، أو نحو التشبث بالإله المسيحي المعروف. فما يهمهما منه هو طريقة استعمال الفكر التي حولت الميتافيزيقا وجعلتها بكماء. انهما يتابعان خطوات عوليس، فقد يحدث لهما ان يبتليا بموت الآلهة والأساطير.

إن نزع الطابع الشعري عن الطبيعة وهدم الإنسان هما الوجهان اللذان لا يفترقان لنفس الحكم. فتحت تأثير الأشكال اللبقة للتحليل السيكولوجي الذي يجدان فيه الملاذ، واختفاءا وراء الإحالات الفلسفية المستدعاة بشكل انتهازي قصد تحقيق الغاية، فإن أدورنو وهوركهايم يساهمان في تقوية الإدانة الأخلاقية بشكل من الأشكال والمألوفة لدينا، إنها عملية إحياء لا زمانية للوعي أو للضمير. فلا وجود لأي أخلاق معلمنة يمكن أن تحل مكان الأخلاق المسيحية التي أفرغت من مضمونها من طرف الأنوار. هذا ما لم يشك فيه البثة فرديريك شليغل مع الآخرين. إن فشل الأنوار بالدرجة الأولى هو فشل أخلاقي. ما يبدو هنا هو أن ما يرغب فيه كل من أدورنو وهوركهايم، بعد أن حسما أمرهما مع الحضارة الغربية، بشكل سلبي، وتحت ضغط الأحداث، وليس لأسباب نظرية، فهما يجيبان سلبا عن السؤال الذي يخترق الفلسفة منذ النهضة الأوربية: “هل يمكن أن توجد أخلاق بدون أساس ميتافيزيقي؟”. “لقد لجئت الفلسفة دائما الى عقد الصلح مع القوى المتهمة من طرفها. فنحن لا نعرف السبيل الى تجنب هذا القدر المحتوم، المتمثل في كون الإمبريالية هي الوجه المرعب للعقلنة”.

إن العقل ليس ملكة للبحث في القياس، أو في التوازن أو في الانسجام. إنه لا يتحقق إلا من خلال عملية الإفراط. إن المقصود، المعلن هنا بكل صراحة وشغف هو تبيان أن جوهر الأنوار المتمثل في تحطيم الأسطورة والطبيعة والأخلاق، بمعنى آخر إنها تحررية وقاتلة في نفس الوقت، ذلك ما هي عليه في أصولها ومنذ زمن بعيد قبل أن تكون مطبوعة بذلك وبشكل محتوم، وأن تكون أيضا مطابقة لذاتها في كل تجلياتها. رغم ذلك فإن الأمنية القوية للكاتبان هي الإحاطة بالخطأ أو الخطيئة الأصيلة التي تؤدي إلى الرفض التام للأنوار، أو الى أن يتم تصنيفها بشكل نسقي بهذه العبارة التي تعني أنها تحمل في طياتها بعض العلامات على الفضيحة أو العار.

ينتمي كل من أدورنو وهوركهايم الى التقليد اليهودي المسيحي. فكلما خطى الإنسان خطوة الى الأمام في التاريخ كلما فقد إنسانيته، وكلما فقدت الطبيعة طبيعتها. إن التقدم يؤسس للشر والتعاسة في التاريخ. إن التقدم هو الاستعادة للخطيئة الأصلية. إنه يخرج الإنسان من الجنة، وهذا الخروج ليس الإنسان هو المسؤول عنه، وفي تاريخ الإبعاد هذا قد يكون الطرد من جنة عدن الطبيعية أو من الحديقة المزروعة من طرف الله. إن إضفاء الطابع الدنيوي عن المحرم لا يغير في شيء من مصير الإنسان على هذه الأرض. فكل المغامرة الإنسانية تنزع منها قيمتها. ففي تأويله لأسطورة الخلق، نجد غالبا كانت، الذي وظفه المؤلفان بشكل سيئ، يجعل من تقدم المحرم المقدس منبع كل مأساة للإنسانية، لكنه أيضا الفعل المؤسس للشرط الإنساني، إنه القرار الذي بموجبه، ومن خلال التوجيه الذي يمارسه العقل تم تحرير الإنسان من كل طبيعة خارجة عنه، بل أيضا من كل طبيعة كامنة في ذاته. إن تاريخ الإنسان الذي تمنحه لنا الأنتروبولوجيا، بل معظم نصوص كانط، ورغم جل العوامل الدافعة نحو الشك في ذلك، هو تاريخ للتحرر الذي يتحقق عبر خطوات، سواء كان على المستوى الفردي أو الجماعي.

على العكس من ذلك، يجد أدورنو وهوركهايم، وعلى طول القرون ومن خلال المعطى المتمثل في حضارة السوق الغازية ما يعبر عن تاريخ للاعتراض المتزايد لذلك المسار. في هذا الصدد تندرج التعبيرات الماركسية الصعبة التحديد رغم ذلك. إنها ترى أن الفرد في النظام الاقتصادي له الشرف أن يصبح مبرمجا من خلال “الإنتاج للبضائع التي يمكن ان نشتريها في السوق” رغم ذلك فإن فلسفة الكاتبان لا تريد أن ترى نفسها تحقق المساواة. إنها فلسفة تدين نمطية الحياة الجماعية: “كل محاولة لكسر الخطر الكامن في الطبيعة عبر التحكم فيها يؤدي الى المزيد من المخاطر في الطبيعة بشكل عميق، ذلك هو درس الحضارة الأوربية”.

هذه الأخيرة، هي إذن غير ذات قيمة. فأدورنو وهوركهايم، كيفما عملا من اجل الدفاع عنها، فإنهما يعيدان إحياء موضوعات متعددة مألوفة في مجال النقد الثقافي، بشغف حاد، والذي يعبر عن حنين رومانسي غير معلن. إن عالمنا المذهل بأساطيره الجديدة: “تنيره شمس العقل الحسابي، وتحت أشعته الحارقة تتغذى بذرة البربرية الجديدة. “إن كثرة المآسي لا يمكن أن تدفع الكاتبان الى محاولة التوفيق بين العقل والطبيعة الإنسانية مع الحضارة. ذلك ما جعلهما يخالفان إذن وبشكل واضح فرويد المتهم بمحاولة وقاية الإنسان من العصاب وهو يحافظ على الحضارة المسؤولة عنه”.

يتهكم هوركهايم وادورنو من الأنوار التي لم تعرف أي حل آخر للمشاكل التي تواجه الفرد والمجتمع عبر الجواب الذي قدمه أوديب لأبي الهول: “إنه الإنسان”. يمكن ان نرد عليهم بالقول أنه جواب كل فكر يصنف نفسه على أنه إنساني لا يستمد دروسه التي يلقنها من أي دين. إن نقدهما يتأسس على نوع من الأنتربولوجية تريد إعادة البناء انطلاقا من سلسلة من التعابير الرافضة والنافية بشكل متصلب. فإذا تنكر الإنسان لطبيعته، فإن “الغاية” من حياته الخالصة تصبح مبهمة، وغير قابلة لتناولها. إذا استمر في بتر أجزاءه إلى حد فقدانه “للوعي بذاته بما أنه هو الطبيعة نفسها”، في هذه الحالة كل شيء يصبح غير ذي معنى، سواء التقدم، أو “التطور الكمي أو النوعي في كل القوى المادية والعقلية”، أي في كل ما يبرر وجود الإنسان والمجتمع، بما في ذلك الوعي. إن الضبط، الذي يؤسسه للأنا، هو ما يشكل القضاء التام وبشكل افتراضي للذات التي من أجلها يشتغل”.إنه مهدم للحياة. إن اللاعقل الذي تتميز به “الرأسمالية الكليانية” والذي يتجسد في الوسائل التي تشتغل بها والتي تؤدي إلى “القضاء على الإنسان”. لكن قبل ان يتم تدمير الإنسان فيزيائيا، فإن الأمر يتم على المستوى الداخلي: إن تاريخ الحضارة هو تاريخ الانطواء الذاتي عن التضحية بمعنى آخر، إنه تاريخ نكران الذات”.

إن حظ الإنسانية، يكمن إذن حسب الكاتبان، رغم أنهما لا يصوغانه بشكل واضح لكي يظهرا على أنهما يتراجعان أمام نتائج نظريتهما، هو التضحية بالحضارة من طرف الإنسان الذي كلف نفسه عناء القيام بنكران الذات. لن يعني ذلك انتصارا لجولييت، ما دام ان الخطيئة التي وقعت فيها والتي لا يمكن أن تغتفر والمتمثلة في العمل على التآلف عن طريق العقل مع رفضها للنكران الذي يتحول تحت تأثير العامل الشيطاني إلى نظام عقلاني للاستعباد. إن جولييت مع باقي الأبطال الساديون على العموم يجسدون الطبيعة الشريرة أو الطبيعة الشيطانية من خلال العقل المرتد والمؤدي إلى الردة. لكي لا تنغلق أطروحة أدورنو وهوركهايم على نفسها في تصور مشيطن لا رجعة فيه للعقل والحضارة، فنحن ملزمون على افتراض وجود، على الأقل وبشكل ممكن، لطبيعة خيرة نقيض الطبيعة الأخرى التي يتم الحديث عنها. لهذا فالأخلاق تفرض علينا تقليد هذه الطبيعة الخيرة، الأمر قد يشبه نسبيا استيتيقا القديس باتو الذي يدعونا لتقليد “الطبيعة الجميلة”.

هذه الدعوى وهي ترفض الرأسمالية، بل أيضا ترفض كل أشكال المجتمع الصناعي، مثلما ترفض النمط الفكري الذي أنتجهما، فمن خلال هذا الحنين فهي تتنكر للماركسية مثلما تتنكر للفرويدية دون أن تنقلب، منذ الأزمنة الغابرة، بنظرها نحو فلسفة أخرى أو أي دين معين. إنها سجينة أفكارها الرفضوية التي تصاغ على شكل خرجات لا تجد لها أي جزيرة أو واحة ترسو فيها، إنها لا تصل حتى الى مستوى اليوتوبيا. فنكران النكران لا يمكن ان يصمد كبرنامج، قد يتحقق له ذلك بشكل أقل مقارنة بالتجاوز المدان والمتمثل في اللجوء إلى الزوج الذي يجمع بين العقل والابتهاج بإنتاج مخلوقات مدمرة. بالنسبة لهوركهايم وأدورنو، فلا يمكنهما أن يحلما إلا بابتهاج طبيعي من قلب وذهن مستقيمين، مثلما تقتضي “الطبيعة الجميلة” وجود ذوق جيد يحسم في اختيار المعايير.

إن رفض النكران هو شيء غير ذي جدوى، فالتقدم يرافقه دائما الإحساس بالمأساة وبالمعاناة، قد نلمح هنا إلى شوبنهاور. فهناك من المراجع ما يذكرنا بتصورات سودوية حول عبثية الحياة وبلا جدوى المجهودات التي يبذلها الإنسان من أجل ضبطها. إن الإنجازات التي حققها الإنسان تشبه الحقنة التي تؤدي إلى شل الحركة وتوقيف الذاكرة دون أن تحد من الألم.

فإذا كانت الرأسمالية قد توجت قانونها الأدنى، وإذا كانت الاشتراكية قد أفصحت عن الحرية، وإذا كان مكر العقل يقوم على التلاعب بالعقل نفسه مع توالي القرون، فإذن قد يكون من المعجزة أن تتراجع الأنوار عن حركتها الخالصة والمتهافتة وأن تعمل على إنجاز تحول حاسم يعيد المعنى للوجود الفردي ولمسيرة الإنسانية. إننا نبحث دون أن نصل الى أي نتيجة عن إيجاد “مبدأ للتمني” أو بشكل بسيط سببا في أطروحة الكاتبين يسمح لنا بالتمني. إن أدورنو وهوركهايم يكتبان تاريخا تراجيديا للأنوار لا تفشله الهزيمة العسكرية لقوى الشر. هذا الأمر صحيح ولا يمكن ان يكون غير ذلك ما دام أن الدروب المظلمة لم تولد إلا من دروب مظلمة هي الاخرى وسابقة عنها.

يقدم كاسيرير، عكس ذلك أطروحة تركيبية متنورة وعالمة تعلي من المجهود الذي بذل في مغامرة البحث عن تحرير الفكر البشري، وتتجاهل ما يمكن أن يقف حاجزا أمام هذه الإرادة التي تظفي الطابع المثالي على الأنوار، وعلى العموم على القرن الثامن عشر. إنه لا يهتم فقط بالأحداث التاريخية إلا في الحالة التي تعينه فيها. كما أنه منبهر بروسو إلى درجة أنه لم يتوصل الى إدماجه في رؤيته الكونية، إن لم نقل أنه كان يمثل عنده التجاوز الوفي للأنوار. بهذا الشكل يفسر الثورة الفرنسية وبشكل مشروع وهي التي لا يعرف كيف يتصرف معها. “إنه الخطأ والفضل اللذان يعودان في نفس الوقت لروسو، وليس لفولتير…”.

رغم ذلك فأسلوب “الشذرات الفلسفية” التي اخترعها كل من ادورنو وهوركهايم لا تجعل محاولتهما أقل نسقية. إننا قد نعتقد انهما لا يبحثان إلا على تفادي الاصطدام مع النظرات الخاطفة. فإدانتهما التي لا لبس فيها”تعني ان الأنوار تستبعد الاختلاف مع النظرية المفسرة لها” وهو الشيء الذي ينطبق بشكل دقيق على كاسيرير، غير أن هذا الأمر هو الشيء الذي يرمز بشكل واضح إلى ضعف أطروحتهم.

فهل يمكن أن نستدعي هوميروس، بارميندس وأفلاطون لكي نفسر ظاهرة هتلر ؟ هذا ما يتعلق به الأمر إبان 1944 أمام ضعف التاريخ، إذا حاولنا أن نعيد صياغة التحليل الذي تبناه هؤلاء الكتاب، وهو أمر صعب. إن السبب الذي دفعهم الى ذلك هو الابتعاد عن كل خلفيات مسبقة. إن الإنسان قد تمت التضحية به لصالح إكراهات اقتصادية. الأمر الذي تم تقييمه حسب الضرورة المادية الخالصة ومنها المردودية، فقد تم التعامل معه كبضاعة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد