جدال الأنوار: كاسرير، هوركهايمر وأدورنو 3/5

جون ماري بول

ترجمة: الأستاذ عبد العزيز عبقري

إن العقل هو المحرر الشيء الذي يجعل التقدم يستمر. هكذا لا تقبل الأنوار بالحضور الوازن لسلطة المقدس ولا لسلطة الدولة. إنها تدافع عن الحق الطبيعي أو عن الحقوق التي لا تعرض الشخص للاستيلاب.

هكذا نجد أن هناك قناعة أخرى هي التي توجه كل المسار التحليلي لكاسيرير، إنه افتراض مسبق يعلو على كل شك. يتمثل في إن فكر اي إنسان أو فيلسوف في الأنوار فهو غير مهم. إنه لا يمثل طبقة اجتماعية، نقصد هنا البورجوازية وأيضا نظام الحكم، وحتى إن حدث تبنيه بشكل رسمي. فهو لم يصل بعد ليكون ناطقا رسميا لأمة أو دولة. إن المقولات التي وضعها المؤلف قد تؤدي إلى الانخراط في التساؤلات التي تهدد الحفاظ عن الصورة المثالية للقرن والتي يمنحها إياها هو نفسه له. إن الإشكاليات التي انبثقت عن هذه الصورة هي إشكاليات جد مذهلة.

يدافع كل من هوركهايم وأدورنو عن وجهة نظر مخالفة جدريا. رغم ان بييركيلي يصنف دراستهما بأنها “المؤلف الناقص إلى حد الركاكة والتشتت، لكنها تتضمن جزءا من الحقيقة”. من خلال اعتراضهما عن براءة الأنوار، فإن هوركهايم وأدورنو لا يشكلان تيارا آخرا مهما من الإرث المنتمي للأنوار والذي يمكن أن نجده يمتد حتى القرن الثامن عشر ذاته.

إذا كان غظ الطرف هو التفسير المناسب لعقيدة الأنوار، ثم الانخراط فيها هو منهج كاسيرير، فإن ربطها بعملية التحرير هي المؤاخذة الأولى التي يسجلها هوركهايم وأدورنو عن الأنوار كما انها هي المؤاخذة التي تتضمن مخادعة رفيعة، تتمثل مهمتهما بشكل أكيد، في عدم إيلائها اية اهمية.

إن الأنوار وكل الحضارة التي انبثقت منها حتى اليوم الحالي، لم تعمل أبدا على التجسيد التاريخي للقيم الكبرى التي تتبانها بفخر واعتزاز. إن الحقيقة والعلم لا تهمهما في شيء. بل إن ما تهتم به هو الجدوى والنجاعة. لقد ضحت بالعلم من أجل التقنية التي وضعتها رهن إشارة الربح المادي والمركانتيلي. هكذا يسجل الكاتبان أن الأنوار قد خضعت أثناء مجراها المنطقي المحتوم للسيرورة الداخلية التي توجهها، بشكل سريع نحو الخداع الذاتي، لأن الجدوى التقنية لا يمكن مصالحتها مع الممارسة العظيمة للروح النقدية. يعتبر هنا فرنسيس بيكون أحسن ممثل لفلسفة الأنوار لأن تمجيده للمنهج التجريبي سيؤدي للتضحية بالإنسان وبالطبيعة لصالح تقديس النجاعة والنجاح. فمنذ تعريفهما ل”مفهوم الأنوار” نجدهما يخاصمانه بشكل حاد ومتطرف […] ففي نظرهما؛ يجب على العقل المنتصر على الخرافة أن يسود في الطبيعة الخاضعة لنزع الطابع السحري، أما المعرفة التي تعتبر سلطة فلن تعرف أي حدود، لا فيما يتعلق بتحويل الخلق إلى عبيد ولا في السخرة لصالح أسياد هذا العالم. إنها في خدمة أولائك الذين يستثمرون، بدون الأخذ بعين الإعتبار للأصل ولا لكل الغايات للمجتمع البورجوازي، سواء في المعمل أو في ميدان المعركة.

إن حقيقة الأنوار، وهنا لا يقيم كل من هوركهايم وأدورنو أي فرق بين فرنسا وألمانيا مثلما هو الأمر عند كاسيرير، هي استغلال الإنسان والطبيعة من طرف الرأسمال، أي تحويل كل الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية إلى بضاعة قابلة للتسويق.

إن تأويل الكاتبين يقوم على فكرتين موجهتين، من جهة، هناك الرأسمال، الذي هو على الأقل، الحقيقة التاريخية للأنوار، ثم الفاشية التي هي نفسها حقيقة الرأسمالية، من جهة أخرى تعتبر الأنوار المنحى الأساسي للروح الإنساني، الذي يشتغل بشكل مثبت في التاريخ وهو الشيء الذي نجد أثاره حتى عند أفلاطون وهوميروس-ما يتعلمه عوليس في صراعه هو التحكم في الزمان. إنه ينزع الطابع السحري كما ينزع الطابع الوهمي عن القوى الطبيعية التي يسيطر عليها بواسطة المنطق والحساب. إنه في تحليل أدورنو وروكرهايم البطل الذي يصرح بلا غرور ولا حيرة عن أناه وعن مشروعه ضد معجزات الطبيعة التي شخصها الجهل الشعبي على شكل آلهة أو شياطين.

إننا بصدد عملية قلب لأفق النظرة التقليدية. إنها دائما النزعة الإنسانية، في كل الأزمان والأمكان وليس فقط في زمان ومكان النهضة، حيث شهد الإنسان عظمته المتمثلة في قدرته على تحدي القوى التي تكبله والتي انتصر عليها بواسطة عقله، وشجاعته وروح التضحية التي تشهد له بدرجة العبث الذي وصل إليه الإعلاء من عظمته التي تميزه داخل الكون الخالي من العقل.

يقلل إدورنو وهوركهايم من قيمة هذه النزعة البطولية المهيمنة والغازية حتى في تراجعها أمام القوى الأولية الغير محسوسة من إرادتنا. والذي يتبرآن منها حين يصوغان هذه الملاحظة: “إن عجزها، الذي كان معروفا امام عوليس في المكان الذي هو البحر، هو العجز الذي يهدف في نفس الوقت الى حرمان تلك القوى من قوتها.” ان كل ملحمة لهدم الأساطير قد صارت عملا مشينا: “إن العنصر الكامن في الأنا والذي جعل عوليس قادرا على الإنتصار في المغامرات، أي قادرا على أن يتيه لكي ينجو، ذلك هو المكر. إنه المسافر عبر البحار، والذي يستغل مقدسات الطبيعة؛ الشيء الذي يشبه ما يقوم به المسافر المتحضر تجاه المتوحشين الذين يبادلهم العاج بلآلئ من زجاج ملون”.

إن القارئ رغم كل ذلك، ليس مدفوعا ليجعل من عوليس جوهرة للفضيلة. إنه ليس ملزما أن يثبت كون عوليس قوي في دهائه لأنه يتماهى مع مشروعه، الشيء الذي يجعل منه بطلا ويجعل من تيهه رمزا للشرط الإنساني. إذا كان كل من أدورنو وهوركهايم يؤاخذان فقط عوليس على كونه يستعمل عقله بشكل لا أخلاقي، فرغم ذلك فإن هذه التهمة شيء عرضي.إنهما لا يقصدان طريقته في الاستعمال، بل الوسيلة نفسها. رغم ذلك هناك في الماضي البعيد وبشكل نظري مثلما هو الأمر في ملحمة هوميروس عقلا يتم استغلال سلطته النقدية لصالح الإنسان ولصالح الطبيعة.

نحن نبحث عند أدورنو وهوركهايم، دون نتيجة، عن الأمثلة التاريخية الدقيقة التي تمكننا من الاعتقاد بوجوده وبعودته.

تحت ضغط عدم الرؤية للعقل إلا من الوجهة الشيطانية، فإننا ننتهي الى الشك في قدرته على أن يعري عن وجه الآخر. إن العقل وهو يخلص الطبيعة من سحرها ومن معجزاتها المقلقة، فإنه ينزع عنها كل شعرية. إنها اي الطبيعة قد تحولت الى قيمة تسويقية قابلة للتكميم، ولم تعد ذلك الحيز للمقام السعيد للإنسان. في الوقت الذي سارت فيه مسخرة من طرف التقنية والمسخرة بدورها لصالح النقود، الشيء الذي جعل الإنسان يجهل السعادة. إنه تائه في عالم لاشيء فيه يبهر. فلم يبقى له إلا الهم الحيواني المتمثل في انقاذ وجوده، وهو ما أصبح مستحيلا. فقد نظن أننا بشكل مسكوت عنه وبشكل مختلف، بصدد موضوعة الفردوس المفقود. إن الإنسان قد تم طرده من عدن لأنه اكل من شجرة المعرفة. كل لحظة من حياته تشكل له عبئا وشكلا من اشكال الاستيلاب. إن الإيديولوجيات هي التي سارت خبزنا اليومي، لهذا يعترف الكاتبان لنا، انها لا تمثل إلا إحياء وتجديدا لأقدمها. إن نقد هوركهايم وأدورنو يومئ إلى إحياء أسطورة الخلق.

إن الأمر يتعلق بذلك ما دام أن دراستهما، “المتينة” لكنها “المشتتة” بشكل لا غبار فيه، كما يرى بييركالي والتي تعيد رسم إحدى المسارات، حيث تاريخ الإنسان وكذلك الأنوار يسيران نحو التماهي الأولى والى ان يصبحا محتجزين من طرف العقل الأداتي والذي سيصبح المهيمن عليها. فحينما يكشفان عن السنن الموجهة لطريقة اشتغال الانوار أو عن افتراضاتها، فإن أدورنو وهوركهايم لا يحيدان بشكل حقيقي عن الانتقاد السابق عنهما سواء تعلق ذلك بالمتعاطفين أو المعارضين للأنوار.فهناك نقط أساسية وحاسمة قد نحاول وضعها موضع البداهة، خصوصا إذا علمنا أن هناك فقط الالتقاء فيما يتعلق بالمعايير أو التعاريف المتشابهة، فإذا كان كاسيرير يطلق على فكر الأنوار صفة الكونية، فإن هوركهايم وأدورنو يصرحان أنها بشكل مهم “كليانية”.

إن الاصل والعنصر المحدد في الأنوار حتى يومنا هذا، هو الذي ينبغي أن نؤكد عليه وهو الاستبداد الموحد لفكر لصيق بنماذج رياضية، مثل مسلمة الوحدة العلمية الكونية عند باكون، أو الترييض الكوني بالنسبة للايبنتيز.

فأن يتعلق الأمر بالعدالة او بالتبادل للبضائع، فهو دائما نفس النسق فيما يتعلق بالمعادلة المنضمة لعالم الأنوار. وهو ما قد نجده قبل ذلك، في الكتابات الأخيرة عند أفلاطون، والتي جاءت على شكل أسطوري، يطابق فيها هوية الأفكار مع الأعداد. إن الأسطورة هنا تترجم الحنين الى كل هدم للأسطورة ذاتها ف”العدد يصبح المدفع للقذائف التي تطلقها الأنوار”. فصك الاتهام الموجه لها لزال مستمرا. إن عظمة الرياضيات وطابعها المجرد هو الذي يسمح بمقارنات وبعملية التطابق بين الظواهر الطبيعية الغير قابلة للاختزال. إن هذه الظواهر، مهدمة للحياة: “الشيء الذي لا يمكن ان يحل من خلال الاعداد، وفي النهاية من خلال الواحد الذي أصبح مظهرا بالنسبة للأنوار” بهذا المعنى فان بارميندس مع راسل هم بهذا الشكل متهمان بشكل متساوي.

إن عالم الأنوار هو عالم الحقيقة الواقعية الجامدة والصلبة. على عكس ذلك يؤاخذ كاسيرير الأنوار على أنها، حولت العالم الى عالم عقلي. غير أن الحكم العلمي ليس مخالفا للحقيقة. إن قانون الاستدلال الرياضي هو الذي يشكل، في كونيته، النموذج الذي لا يمكن تجاوزه والذي تحاول الأنوار أن تطبقه في كل مجالات الحقيقة الواقعية، في علوم الإنسان، كما في علوم الطبيعة.

إن قلب العلامات، الذي يشكل الطابع الأكسيولوجي، لما يعتبر الجريمة عند الواحد، قد يصبح هو المبرر عند الآخر، فكاسيربر يندرج ضمن حركة الأنوار نفسها، أما نقد هوركهايم وأدورنو، رغم حدته، فلا تنقصه سوابق، بل أن السابقين الذي ينحدر منهم أيضا هم معاصرين للأنوار. لقد سبق أن طور كل من هامان، نوفاليس، شليكل، وعلى الخصوص الرومانسيون حججا ومؤاخدات متشابهة. فهامان يتوجه، دون أن تنقصه الشجاعة، الى سالمون في روسيا لكي يتبرأ من السياسيين الحيسوبيين. إنه يومئ طبعا الى الرياضيين أو الى العلماء الفرنسيين الآخرين الذين كان فرديريك يطعمهم في مائدته الشيء الذي كان يملأهم إحساسا بالشرف مثل ما هو الشأن بالنسبة ل موبتيوس، لكنه يدين، بالدرجة الأولى نمطا من الفكر يختزل الحياة في معطيات قابلة للقياس والتكميم. أما الحجة السياسية والاجتماعية فهي حاضرة أكثر من ذي قبل. إنها تتمثل في كون فلسفة الأنوار إنسانية، كما أنها سببت في معاناة الشعب، وبالتالي فرعايا فريديريك معرضون للاستغلال بشكل مخجل.

طور هاردر نفس الموضوعات. انه يرى انه في ظل حكومة الأنوار لم يتم الاعتراف بكرامه الإنسان، فمن خلال صياغة هاردر لشكل آخر من فلسفة التاريخ، فهو لا يؤاخذ فقط الملك فرديريك الثاني الذي جعل الرعايا تحت حكمه مرغمون على أن يتصرفوا كمجرد آلات أتوماتيكية، بل إنه يدين النظام القمعي، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للنزعة الإمبريالية، التي تريد فرض نمطها في التفكير على كل شعوب الأرض. فبسبب الأنوار تمت سرقة ثلاث قارات لصالح أوربا، التي انتشر فيها هذا المرض بنفس السرعة والتي ازدهرت فيها النزعة الميركانتيلية.

إن هاردر يدين المجتمع الذي تتم فيه التضحية بالإنسان لصالح الربح المباشر. فالنزعة الإنسانية للأنوار قد سبق أن تم تقديمها كخدعة مادية عظمى. كما ان الأنوار عومل كفكر أجنبي في الأصل، قد شيد مجتمعا يعرض الإنسان للاستيلاب ويبرر ذلك بالادعاء بالتفوق، إنه يعرض معظم شعوب الأرض لعملية السخرة. رغم تصور هذا الفكر بالمبشر فإن الامر يفرض عليه إدماج الأنوار ذاتها أيضا في فلسفة محددة غير غائية متفائلة للتاريخ، رغم ذلك فإن الاتهام بالهيمنة الفكرية للقرن الثامن عشر ليس اتهاما شاملا الى حد كبير، بل انه يكون احيانا خاضع لاعتبارات. فرغم الاختصار في هذا الملخص، فانه كان لزاما علينا أن نعترف في الصياغة على الأقل بورود موضوعات متعددة تشير الى الاستنكار المعبر عنها أيضا من قبل ماركس وأدورنو.

ليس الإيمان بنفس القضايا هي المرجع الموجه لنوفاليس ولفرديريك شليكل ضد الأنوار. فالخصم عندهما ليس مدركا بنفس الطريقة. إذا كان التمسح هو مجرد وسيلة للتعبير عن حسرة أوربا عن قدر الإنسان المنفي فوق الأرض، رغم ان ما يعنيه ما هو إلا مجرد نتيجة لتعقد آليات الحياة الاجتماعية. إن الإنسان وهو يتخلى عن الإيمان بالقيم الطبيعية، وفي نفس الوقت يتخلى عن حب الناس الآخرين، فإنه يتوقف عن أن يكون إنسانا.

كل الجماعة البشرية ستنقرض، ما لم يعد هناك من “تناغم كوني”. إن علم الطبيعة الذي، يشكل ويحلل ويعيد التشكل قد يهدم وحدة الحياة. إنه يكتفي فقط بالمظاهر. نفس التصور المادي سينزع عن الإنسان الشرف الذي يجعله غير مختزل في أي شيء آخر، كما سيحرم الطبيعة من الأزيز الخلاق الذي لن يبقي نفسه سجين الصيغ الرياضية. إنه يكسر أيضا العلاقة الحاسمة في مآل التاريخ الوارد في دراسة هوركهايم وأدورنو. في روايته يلتجأ نوفاليس الى أشكال من الأسطورة والى الملحمة للكشف عن الحقائق الأبدية الكامنة في نقيض الأطروحات الغامضة المتنبئة بنهاية القصيدة ونهاية الحياة ما لم يضع الإنسان حدا لسيادة النزوع العقلاني القاتل في معمعة الحب والحكمة.

بشكل سياسي أكثر تعبير، لم يكن فرديرك شليغل بحاجة لمعاناة العاشق أكثر من معاناة شاعر الوردة الزرقاء، حين يريد اقناعنا بالحاجة للملحة لإعادة ولادة الإنسان والمجتمع. إن الأنوار هي مشروع شيطاني يزيغ بالإنسان عن وجهته الحقيقية. فعلامة القرن هي أنه له وجه آخر، هو وجه الانحطاط، وجه “التفكك الأخلاقي” – إن الكاتب لا يخجل من الحديث عن “الفضلات” – التي تجعلنا نخشى القيامة. يحصي شليغل التأثيرات القاتلة والمختلطة، وعلى وجه الخصوص الفرنسية. وكملاحظ مستشرف واستراتيجي مخلص، فهو يخشى فولتير وروسو أكثر من الماديين العقائديين. إنه ينتظر الخلاص عبر إعادة بعث لطاقة أخلاقية وعبر نظرة ملتفتة بشكل قوي نحو الماضي، اي عبر شكل من أشكال التنظيم للدولة، منسوخة لنماذج قروسطوية، حيث الجسم الاجتماعي يستعيد وحدته من خلال الخضوع التام لسلط مقدسة وأرضية مطهرة من طرف التقليد

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد