بديعة خداد
يبدو أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية ذات التوجه اليميني المتطرف، أعمتها الإسلاموفوبيا لدرجة لم تعد قادرة على التريث لتتأكد من صحة الأخبار المتعلقة بالمسلمين و الإسلام قبل نشرها. و هي بذلك تسعى جاهدة لترويج أخبار زائفة عنهم وتلفيق تهم خطيرة لهم، بهدف مغالطة الرأي العام و شحنه ضدهم. و يعتبر المنبر الإعلامي الأمريكي اليميني “فوكس نيوز” من أبرز المنابر الإعلامية التي تسير في هذا الاتجاه و تتبناه.
إن أي عمل إرهابي بالنسبة “لفوكس نيوز”، لا تكتمل أركانه دون أن يكون من تنفيذ مسلمين. و تعتبر الطريقة التي تعاملت بها مع الهجوم الإرهابي الأخير، الذي كان المركز الثقافي الإسلامي بمدينة كيبيك الكندية هدفا له يوم 30 يناير الماضي، و أسفر عن مقتل ستة أشخاص و جرح آخرين، دليلا قويا على خلط الأوراق و اللعب على وتر الإسلاموفوبيا الذي تنهجه المؤسسة الإعلامية المذكورة. فقد سارعت بعد وقوع الحادث المأساوي إلى نشر الخبر تحت عنوان : “المشتبه فيه في الهجوم الإرهابي على مسجد كيبيك من أصل مغربي”؛ دون الإشارة إلى المعتقل الآخر ألكسندر بيسونيت. كما قامت بنشر الخبر عبر تغريدة في صفحتها الرسمية بموقع تويتر بهدف وصوله إلى أكبر عدد من متتبعيها.
إلا أن المعالجة الإعلامية للخبر ستتغير بسرعة بعد الكشف عن هوية مرتكب الهجوم الإرهابي، الذي لم يكن من أصل مغربي، بل مواطنا كنديا يدعى ألكسندر بيسونيت معروفا بمناصرته للرئيس الأمريكي دولاند ترامب و السياسية الفرنسية ذات الاتجاه اليميني المتطرف مارين لوبين. فقد أبقى الموقع الإلكتروني على التغريدة الأولى، رغم عدم صحة الخبر الوارد فيها، و أتبعها بتغريدة أخرى معتبرا الشاهد المغربي “الشخص الثاني”، وكأنه يصر على إلصاق تهمة المشاركة في الهجوم الإرهابي بمسلم، على الرغم من تبرئته وإطلاق سراحه و اعتباره شاهدا. و قد أشارت وسائل إعلامية أخرى و خاصة “الأندبندنت” و”الغارديان” و “سي بي سي”، إلى أن ما أقدم عليه موقع “فوكس نيوز” من نشر خبر يفتقد إلى المصداقية، جعله يواجه عدة انتقادات و مطالبات بحذف المقال والتغريدة المضللة التي لم تحذف و ظلت تحصد الإعجاب إلكترونيا الذي وصل إلى 1600 إعجابا. و قد دفع هذا التصرف اللامهني مديرة التواصل لدى رئيس وزارء كندا جاستن ترودو، إلى نشر تغريدة أعلنت فيها إرسالها رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى “فوكس نيوز” بخصوص التغريدة المضللة، مطالبة بحذفها أو تحيينها وفق المعطيات الجديدة المؤكدة بخصوص الحادث الارهابي. معتبرة مثل هذه التغريدات إهانة لذكرى الضحايا الست ولعائلاتهم، و محاولة للترويج لسياسة الهوية و زرع الخوف و الفرقة بين جاليات المجتمع الكندي. و بالفعل، فبعد ساعات من توصل الموقع المذكور باحتجاج السيدة كيت بارتشيس، تم حذف التغريدة الأولى، بالإضافة إلى تحيين الخبر و نشر تغريدة أخرى تضمنت اعتذارا.
و بالرجوع إلى المعطيات الأولى للحادث الإرهابي، فقد تداولت وسائل الإعلام الكندية وغيرها، خبر اعتقال أول مشتبه فيه كان يتواجد داخل المسجد. هذا المشتبه الذي اعتقل ليلة كاملة قبل الإفراج عنه بسبب سوء فهم، لم يكن سوى محمد بلخضير المغربي الأصل الذي حسب ما ورد في الغارديان الإنجليزية و سي بي سي الكندية، كان يزيل الثلج خارج المسجد عندما سمع طلقات الرصاص داخله، وعندما ساد الهدوء اتصل بالرقم 911 ثم دخل المسجد لتقديم يد المساعدة للضحايا. و في غمرة اندماجه في نجدة أحد أصدقائه، لمح شخصا مسلحا لم يكن سوى أحد رجال الأمن، إلا أن بلخضير اعتبره مطلق النار عاد من جديد. وقد سببت له فظاعة الموقف ارتباكا و رعبا شديدين. و لم يتبين حقيقة الأمر إلا عندما سمع رجل الأمن، الذي اشتبه فيه يأمره بالانبطاح أرضا، لتصبح هويته بعد ذلك مرتبطة بالهجوم رغم الإفراج عنه و اعتباره شاهدا. و هو ما استغلته “فوكس نيوز” ووسائل إعلامية أخرى بما فيها صحف عربية، للترويج لتورط مسلم في الحادث الإرهابي لغاية في نفس يعقوب، ضاربة بأخلاقيات مهنة الصحافة و مصداقيتها عرض الحائط.