جون ماري بول
ترجمة: الأستاذ عبد العزيز عبقري
حطم الإصلاح إذن كل الأحكام المسبقة التي تبنتها النزعة الإنسانية، بعيدا عن ربطها فقط، بمكان وزمان، وبمذهب معين. إن الأمر مرتبط بنزاعات مدرسية تريد فرض ذاتها على مستقبل الإنسان، هدا ما يبدو في قول كاسيرير.
لقد مكنتنا التيولوجيا في القرن الثامن عشر من إتمام الخطوة الحاسمة. إنها حررتنا من المصير المحتوم للخطيئة الأصلية ومن طلب العفو. لقد أرجع لنا العقل المنتصر ذو النزعة الأوغوستينية الحرية. لهدا فالعمل الإبداعي للنزعة البروتستانتية، في عصر الأنوار يشكل خيانة للوثر، الشيء الذي يعني أن ارازم قد أوفى بثأره من المصلح.
من هذا المنطلق اصطبغ الجزء الكبير من النقد للمذهب البروتستانتي منذ ستراوس وفيورباخ، بطابع الازدواجية، انه نفس المسار الذي اتبعه العقل و الذي يسير فيه كاسيرير، وهو المسار الذي وصل غايته بعد انكسارات متوالية.
هذا التصور لتاريخ الأفكار والقائم كله على صورة للإنسان، تنكشف في انتاجاتها الفردية والجماعية. إنها صورة الإنسان الحر المتحرر والمستقل (إنها صفات ثلاث مستعملة بشكل مختلف من طرف الكاتب)، والمشروطة بالشجاعة في استعمال عقله. ونظرا لإرادته التي منعته من إن يخدع من أي خطأ يعود لأحد أجداده الأسطوريين، فقد صارت له القدرة على التصرف بشكل أخلاقي في كل المناسبات. كما أعاد الإنسان البحث في مصيره الذي منحه إياه الإيمان القديم والجديد، مع أن الإيمان الثاني إيمان متمرد عن كل تعديل بيلاجيوسي (الراهب المتمرد عن القول بالخطيئة الأصلية والقائل بالإرادة الحرة) وانسانوي أكثر من الإيمان الأول. إذا قرر الإنسان بشأنه في هذا الصدد، فانه سيصبح مسؤولا عن مستقبله الشخصي ومستقبل الإنسانية. وهنا يصبح الاحتجاج عن النزعة الكانطية الجديدة عند كاسيرير مسألة صعبة.
من المنطقي إذن ومن المتوافق مع المبادئ المنهجية لهذا الأخير أن نكون مسيرين انطلاقا من كونية القانون الطبيعي ومن سيادة الإنسان بواسطة العقل حتى في ممارسة الحقوق والواجبات بالنسبة للذات الأخلاقية داخل المجتمع. ولأن فلسفة الأنوار كانت متماهية مع العقل الذي كان يمثل العدو الأصيل لكل الأحكام المسبقة، فإنها “تتصارع في كل الميادين ضد سلطة العرف الخالص وضد التقليد وضد السلطة ذاتها” قد نجازف ونستنتج أنها كانت ثورية، غير أن كاسيرير لن يوافقنا في هذا الاتجاه. إن السلب النقدي لا يرغب في الهدم. إنه يصارع التقليد المستجد بشكل نسبي، لكي يمتد حتى الموضوعات و”المشكلات العريقة في القدم”. هكذا فإن حماس الأنوار، حسب كاسرير، يصب إذن في إعادة تشكيل عام لكل شيء.
إذا كان الأمر يتعلق هنا بلحظة مهمة، بشكل كبير، في تاريخ استقبال الانوار. فباستثناء الثيولوجيا أو (اللاهوت) اللوثرية والكالفنية، اللائي يرمزنا إلى الجانب المرعب من محضر تحرير الوعي، فإن الأنوار أعادت إحياء التصور القديم لفكرة الحق الطبيعي. إن الانوار وهي تستند على لينيتز وخاصة كريتغيوس، الذي طور فكرة الحق الكوني والقسري أيضا مثل الرياضيات، كما وسعت أيضا امبراطورية العقل الذي شمل الحق هو الآخر مثلما شمل الاستتيقا وعلوم الطبيعة. إنها تجعل من فكرة الحق فكرة كونية في طابعها المجرد خلافا لتطبيقاتها الملموسة التي همشتها النزعة الإنسانية وهي منهمكة في تأمل العالم بشكل خالص. إذا كانت أطروحة كاسيرير تفترض ديناميكية مؤثرة في حركة الأنوار، وإذا كانت تشترط الإصلاحات والثورة المفترضة فإن الفكرة ينبغي أن تطبق على الحقيقة الواقعية، إنها أيضا في نفس الوقت وبشكل متزامن حركة محافظة، ان لم نقل حركة مولدة للثبات وهي تبني النسق المجبر على ان يزداد التباسا بشكل متصاعد، من خلال العمل الذي قام به الفلاسفة واتباعهم عن المفاهيم الكونية واللازمنية، الشيء الذي يحيل بشكل ضمني للمرجعية الأفلاطونية. إن المجتمع هو المدعو للتغيير وليست المفاهيم بشكل أكيد، و التي باسمها ستتم إدارة الأمور بدون صدام ولا عنف.
إن كاسيرير يبذل المجهود، بشكل مؤكد، لكي يعلل، من خلال النصوص التي تشكل قناعته، أن التصور عن المجتمع الذي صاغه الماديون الفرنسيون ليس البتة تصورا ثوريا بقدر ما ان رؤيتهم للمجتمع تميل نحو تصليب عود النظام من خلال تقويته بشكل ملائم.
إنه من الشيء المعيب بشكل مبالغ، ان لا يكون ماركس مدرجا البتة ضمن إشكالية إعادة التفكير هاته وأن الثورة الفرنسية ذاتها قد نبهت الى أنه لم يكن عنصرا حاسما. أن كاسيرير لا يتداوله في مفاهيمه قط إلا انطلاقا من فكرة الحق أو بشكل ملموس انطلاقا من البحث عن الضمان فيما يتعلق “بالحقوق الغير مؤدية للاستيلاب” بالنسبة للشخص. إنه ينخرط في الأطروحة التي يدافع عنها كوندورسي في “محاولته لرسم جدول تاريخي لأهم إنجازات الفكر البشري”.
إن دساتير الولايات الأمريكية هي التي سيكون لها الفضل في حماية هذه الحقوق الغير المعلنة بشكل أفضل. كما أن النقد الموجه لها من طرف ماركس الشاب هو الذي سيدفع بكاسيرير لينجز تقاربا متشابها بين “الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن” مع الدساتير الأمريكية لكي يبين أنها أفرغت أيضا مضمون الحرية من كل محتوى موضوعي لكي تجعلها في خدمة الملكية. هذا النقد هو ما لم يقم به كل من كوندورسي وكاسيرير. فبالنسبة لهذا الأخير، فحين يقيم العلاقة بين الأنوار والثورة الفرنسية، فإن خيوط الترابط الأشد تماسكا لا نجد لها أثرا مثلما هو الأمر بالنسبة لما هو متفق عليه:
هذه النظرة الخاطفة والتراجعية، وفي الختام هذا التحليق لحركة الأفكار في مجموعها في عصر الأنوار تبين أكثر من مرة، كيف أن الروح السائدة للثورة الفرنسية بقيت واعية بالتداخل بين “النظرية” و”الممارسة”. فبالنسبة لها لا ينفصل أبدا الفكر عن الفعل. لقد كان الاعتقاد السائد أن الانتقال يتم مباشرة من الواحد إلى الأخر، وأنه يمكن وينبغي، بشكل إجباري التأكد من الواحد من خلال التأكد من الأخر.
لا يعرف كاسيرير بشكل واضح، كيف يدمج الثورة في جدوله لتاريخ الأفكار في القرن الثامن عشر. لن يجد هناك غير روسو، الغائب كليا من الجزء الأكبر من المؤلف، والذي تغزو أطروحته الفصل الذي يدور حول “الحق وحول الدولة والمجتمع”، لكي يمكنه من وساطة منقذة. إن روسو هو الذي يطرح الأسئلة التي تجنبتها الأنوار مثلما تجنبها الموسوعيون وهي: هل من الممكن أن تكون فكرة الجماعة متماهية مع ذلك المثال للمجتمع الذي خضعت له حضارة القرن الثامن عشر حتى حدود الآن بنوع من السذاجة العمياء ؟ أو هل هناك تعارض بينهما؟ هل الجماعة الحقيقية لا يمكن تركها حتى تصل إلى تأسيس ذاتها بشكل صلب في اللحظة التي تتميز فيها بشكل دقيق مع أصنام المجتمع التي ينبغي أن نحميها منها ؟.
إن الحل الذي يقدمه كاسيرير لكي يصالح نظام الأنوار مع احتجاج روسو، هو حل أكثر بلاغة من كونه حقا حلا جدليا. إن روسو يبقى هو “الولد الأصيل للأنوار الذي يحاربها. إنه يتجاوزها بقوة حماسه الأخلاقي ويخترق الطريق نحو كانط. فهو الذي يساهم بشكل حاسم في التغلب على فلسفة الأنوار لكي يعطيها نفسا جديدا: “لم يحطم روسو عالم الأنوار، بل فقط غير مركز ثقلها”.
رغم ذلك، ليست الحجج هي التي تنقص الأطروحة، بل إنها تظهر فقط أكثر إقناعا حين يسلم كاسيرير بشكل صريح بتعدد الأفكار في القرن الثامن عشر، في حين أنه يبذل قصارى جهده للدفاع عن أحاديته، أو حسب الصيغة التي يستعملها أحيانا، وهي “وحدته الروحية”.
صحيح أن هذه العالمية القابلة للاعتراض، سواء اختزلنا أو لم نقم بذلك بالنسبة للقرن الثامن عشر في مفهوم الأنوار، هي تلك القاعدة السارية حتى الماضي القريب. فنحن نرى أن خصوم وأتباع الأنوار يتفقون على الإجماع حول الأفكار الكبرى التي تأسست عليها حركة الأنوار سواء تعلق الأمر بفهم العالم أو بتفسير الدين قصد التحرر منه بشكل أحسن، أو بتحديد طبيعة الإنسان وتنظيم المجتمع وفق هذه الأخيرة أو المحاولة ثانية ودائما وبشكل حازم في تثبيت الأطر المنظمة للذوق الرفيع. ان استقبال الأنوار يتميز بمعارضة أحكام القيمة أكثر مما يتميز بالمسارات المتفرقة في تحليل مضمون المذاهب، وحتى لا نكون نمطيين، يمكن أن نحاول إبراز الأفكار الكبرى التي تفصح عن التركيب الفكري الذي حاول كاسيرير إنجازه.
تؤسس الأنوار معرفة الطبيعة على التجربة وعلى العقل، وعليهما وحدهما. إن الرياضيات في هذا الصدد هي التي تعبر عن الطابع الكوني للقانون. إنها تمثل النموذج الذي لا يمكن تجاوزه وهو المدعو لكي ينتشر في كل مجالات المعرفة. سواء كانت معرفة الإنسان أو معرفة الطبيعة.