بقلم: الدكتور محمد الطالبي
ترجمة: الأستاذ حسن بيقي
المؤرخ ليس بمقدوره أن يحلل الراهن، فهو موضوع من اختصاص العلوم الاجتماعية، لكن تحليله ذو فائدة لهذه الاختصاصات. فعندما ينصب تفكيري على زمننا الراهن، فإن كل ما يمكن أن أفعله – بما أنه يستحيل الرجوع قهقرى – هو معاينتي لمجتمع عربي إسلامي نعيش في خضمه شروطا ترفض بشكل عام الحوار وعدم احترام الأخر كما هو أو كما يريد أن يكون. لهذا السبب ننهي صراعاتنا دوما بمواجهات عنيفة. فكل واحد منا يروم استخدام الإسلام لنفسه قصد تحقيق مقاصده الخاصة. إنها الصورة الحقيقية للإسلام السياسي، صورة تعاني من ميل إلى التنغيص والقهر ووسواس الشمولية، والتي تؤدي بدورها إلى العمل السري والإرهاب. بيد أن حقيقة الإسلام السياسي ليست وليدة الزمن الحاضر، بل لها تجدر في تاريخنا (هنا تكمن أهمية المؤرخ)، وانعكاس في مخيالنا الاجتماعي، وامتداد على سطح وعينا الفردي والجماعي. فضمن هذا المستوى الذي أحاول أن أتموقع فيه، أعتقد أن مساعدة المؤرخ قادرة على اجتثاث الرواسب الراكدة في أعماق ذواتنا، والتي تدرأ من تأسيس مجتمعاتنا على قيم الحوار والاحترام المتبادل من أجل أن يصير الخير حقا خيرا.
ففي نهاية المطاف أتساءل بحزن وجزع على نحو ما عن القضية الآتية، والتي من الأحسن أن تثار من لدن الجميع: إن المسلمين عانوا في ماضيهم الويلات جراء استخدام الإسلام لأغراض سياسية، وقد كانوا خاضعين للبعض ومعارضين لآخرين. وكان الدين مستخدما كمطية للاستيلاء على السلطة، أي يمتطونه امتطاء ركوب، تهمز من خلاله همزات اللعنة والتكفير، متخذين في ذلك جميع الأشكال الموصلة إلى حبائلها. فهل قدرنا التاريخي أن نظل قابعين في هذه الوضعية أبد الآبدين؟ أم سنسير في أخر المطاف نحو أخذ الدروس من التاريخ وتكسير شوكة أولئك الذين قادونا إلى الإقصاء المتبادل والتحريض على القتل باسم الثورة أو الردع؟ هل من المعقول أن نقرأ اليوم أيضا في صحيفة “المسلمون” (عدد 333.24 رمضان12/04/1991) ذائعة الصيت الصادرة في لندن، بقلم دكتور دعوي: “من الواجب علينا أن نطبق الحدود الشرعية على أهل الردة بغية إغلاق الباب على الشياطين”؛ أي هي دعوة إلى تطبيق الحدود الشرعية على الملاحدة بحسب معايير “واجتهادات فقهائهم أنفسهم حول خطاب حرية المعتقد”. هنا يقبع الخطر الذي يضع الحريات الأكثر قداسة في مهب الريح. فهؤلاء الفقهاء، هم أنفسهم من أفتوا اليوم أيضا بضرورة قتل المرتد. ففي هذه الحالة، سترفع الشعارات: “فلتحيوا محاكم التفتيش ولتنصبوا المشانق”؟ فأين هي حقوق الإنسان الأساسية؟ ألا يحق للمهددين في حياتهم أن يستعجلوا وضعيتهم، وبأي وسيلة من الوسائل، لصد جلاديهم من الاستيلاء على السلطة؟ من يستطيع حرمانهم من إنقاذ حياتهم قبل أن ينتقل التهديد إلى التنفيذ وقبل أن يطوق حبل المشنقة أعناقهم؟ فعندما يملي التكتيك على بعضهم اتخاذ مقاصد توافقية، ألا يعد هذا الاحتراز شكلا من أشكال التقية والانسحاب المؤقت في انتظار صحوة الأيام المواتية، مسترشدين في ذلك بوصايا مشايخهم الذين نظروا لهم، منذ فجر تاريخنا، على استعمال العنف والعمل السري من أجل الاستيلاء على السلطة؟ فطالما لم تحدث ثورة فكرية في عقولنا تسهم في تغيير جذري في طرائق تفكيرنا، سيظل عقلنا دائم الشكوك ومستمر في طرح التساؤلات الشائكة.
ولأنني إنسان مسلم، أتذكر كلام الله: “يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون” (سورة المائدة ;105)، “ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” (سورة فصلت الآيتان: 34 – 35).
تلكم هي وصية القرآن: فأي مسلم له الحرية في أن يجادل في كل شيء “بالتي هي أحسن”، وإن اختلف الناس فيما بينهم في أمر ما، فليردوه إلى الله الذي إليه يرجعون. على ضوء هذه القاعدة، أعتبر أن الأمر بالمعروف هو موقف وسط بين طرفين مفرطين. فمن جهة: اللامبالاة، وفقدان الثقة، وانطواء المرء على عالمه الأناني الضيق أو بإيجاز، الإعلان عن الاستقالة أمام مواجهة الرشوة أو الشر هو موقف تفريطي والذي سيترتب عنه فقدان الخير المشترك وإفلاس المجتمع وتقويض البنيان المرصوص للأمة. ومن جهة أخرى، هناك موقف إفراطي مغال في ردع الشر إلى حد المساس بحرية الغير وإنكار أحقيته في اختيار الحياة التي توائمه، والذي من شأنه أن يؤدي إلى الاضطهاد والعسف، وفي أقصى الحدود، إلى الإرهاب والعنف. فالنبي جعلنا بمنأى عن هذين الموقفين المتطرفين من خلال ما تركه لنا من مأثورات وأحاديث نبوية وعبارات دينية حكيمة ك: “الدين النصيحة”، “إنما الأعمال بالنيات”، “إنما الجماعة كجسم واحد”،”المسلم هو من سلمت يداه ولسانه” و”لكل مقال مقام”. هكذا، يبدو أن تطبيق الأمر بالمعروف شهد أشكالا مختلقة وفق سياق الأحوال والأزمان. فلكل جيل وعصر معاييره، وأن التوازن بينهما ليس من السهل العثور عليه. إن الحياة داخل المجتمع تتطلب تنازلات منصفة وتسويات مستمرة. ففي كل الأحوال، تقتضي القاعدة أن نبحث عن تقارب سلمي قائم على أساس الاحترام المتبادل بغية انبثاق موارد مطمورة في الإنسان، كل إنسان. فالكل هم أهل الله.
فعلا، لا يمكن إلا أن أحترم الأشخاص الذين خطوا سيرهم ضمن هذا المسار، أمثال علال الفاسي الذي لم يسبق له أن كان نصيرا للعنف. إن أي إنسان يحمل قلما بين أنامله دون أن يتورط في ممارسة الإرهاب الثقافي، يظل في نظري شخصا جديرا بالترحيب والتقدير. لأن ما يحمله من تعقل فكري هو مساهمة في اغناء الفكر الإسلامي إذا كان مسلما، وفي إثراء الفكر الإنساني قاطبة. إن هذه الجهود الثقافية المبذولة أثمرت فوائد جمة، وإن ظلت محصورة لمدة طويلة في إطار البحت الثقافي. لقد منحتنا مادة خصبة للنقاش؛ وسمحت لنا باستنارة أفكارنا وتنمية كل الأمور التي لا يمكن أن تتم إلا في إطار حوار جاد. فكل كتابة تعرض نفسها على مطرقة النقد هي في حد ذاتها قيمة إيجابية. لأن المجابهة الثقافية هي بالأساس مسألة جوهرية، لكونها تسمح للمجتمعات في اختبار خياراتها الجماعية الأساسية إذا ما أرادت أن تعيش في رحاب السلام والوحدة وعلى أساس وضعية مشتركة، يولى فيها التضامن ميزة معتبرة داخل الجماعة. فلا يمكن إذن إلا أن نبارك في الصدد: أعمال علال الفاسي وإنجازات مالك بن نبي (مفكر جزائري مؤلف “دعوة الإسلام” طبعة سويي باريس 1955) وباقي الأعلام الفكرية الأخرى طالما أنها تلتزم لغة الحوار، وتنأى عن نفسها أسلوب العنف والإرهاب وتقدر قداسة الحرية باعتبارها ملكا للناس أجمعين. إن اهتمامنا بفكر علال الفاسي، لا ينبغي أن يفهم منه تبجيلا لكتابته. ففي ثنايا مؤلفاته ما يقبل وفيه ما يترك. غير أن فكره ظل مع ذلك سجين فكر سلفي محافظ. (المرجع: Mohamed Talbi, Réflexion d’un musulman contemporain).