الأستاذ محمد الهلالي
يرتبط مفهوم اللغة الأم، أو للدقة اللغات الأم، بمفاهيم أساسية على مستوى الفكر، وخطيرة على مستوى النتائج العملية السياسية والاجتماعية. واللغات الأم في المغرب هي الدارجات العربية والأمازيغية بمكوناتها الثلاث. (واللغة تعريفا هي لهجة مسيطرة سياسيا، لأن كل مقومات اللغة تتمتع بها اللهجة ما عدا السيطرة الرسمية كأداة تواصل للدولة) ولهذا فاللغة العربية الفصحى أو الكلاسيكية ليست بأي حال من الأحوال اللغة الأم بالنسبة لملايين المغاربة الناطقين بها ولا بالنسبة لملايين المغاربة الناطقين الأمازيغية.
تحيل اللغات الأم على مفهوم الهوية والاختلاف والتعدد والانغلاق والوحدة والكثرة والتسامح والكراهية. ويجب أن نضيف في حالة المغرب مشكلة التعريب والثنائية اللغوية التي ترتبط في الأصل بالإرث الاستعماري.
هذا الإرث الذي لا يمكن لإرادة السياسيين وغضبهم التخلص منه كما حدث في المغرب حين غضب الملك الراحل الحسن الثاني من فرنسا وقرر تدريس الإيطالية بدل الفرنسية، ولكن الكل كن يعرف وهو ينصت لذلك الخطاب أنه مجرد انفعال حاكم غاضب من جراء نشر “كتب معادية”.
إن المغاربة إذن يجبرون على التضحية بلغاتهم الأم للتعلم بلغات أخرى هي في العمق لغات ثانية أو ثالثة، فبالنسبة لنصف المغاربة تعتبر الدارجات العربية هي لغاتهم الأم، وبالنسبة للنصف الآخر تعتبر الأمازيغية (بمكوناتها الثلاث تمازيغت، تشلحيث، ترفيت) هي اللغات الأم.
أما الفئة القليلة من المغاربة الذين يتكلمون الفرنسية منذ الطفولة، فهم أكثر حظا من الآخرين لأنهم يلجون مدارس البعثات الفرنسية وبالتالي يستفيدون من قاموسهم الأصلي ومن معلوماتهم التي حصلوا عليها بفضل هذا القاموس، وهو الأمر الذي ييسر التحصيل الدراسي.
إذن الأمر يتعلق بمصير شعب وبمستوى تحصيله، وبتنمية قدراته وبقدرته الراهنة والمستقبلية على المنافسة، وليس بمصلحة الفئة الحاكمة والطبقات المتنفذة في دواليب الاقتصاد وبالتالي في دواليب السياسة.
لقد ساد تصور سياسي لدى الفئة الحاكمة بأن المشروعية السياسية للحكم ترتكز على اللغة العربية، كلغة سائدة ومدسترة وحاضرة بقوة في الإعلام السمعي البصري، ولهذا التفسير بعد ديني وهو ارتباط اللغة بدين الدولة الذي هو الإسلام.
ويمكن إضافة المد القومي ومعاداة الاستعمار كفكرين سادا في أوساط المعارضة الاشتراكية والاشتراكية القومية واليسارية، وهو ما جعل اللغة العربية موضع منافسة وصراع بين الحاكمين والفئة المتنورة من المحكومين، ولذلك فلد نظر إلى المسألة الأمازيغية بريبة كبيرة، وكعامل تفرقة، وقد وصل الأمر بالبعض إلى تخوين بعض الأمازيغيين وكأنهم يريدون إلحاق المغرب بمملكة أمازيغية افتراضية.
هذا التصور للمسالة يجسد بالتحديد مفهوم الهوية المنغلقة التي تبرر الاستبداد وتعتمد على “الواحدية” التراتبية المتسلطة والخضوع وعدم الإنصات للغة الواقع ولاختمار هذا الواقع الذي قد ينفجر في أية لحظة غير متوقعة.
الهوية في هذا التصور هي تجسيد لرغبة السلطة في أن ترى الرعايا يخرجون من قالب واحد، ويرددون شعارا واحدا. لكن أتت العولمة بما لم يكن يتوقع بالمرة، لقد دفعت الشعوب والجماعات المضطهدة ثقافيا أو المهمشة أو المضايقة إلى الوعي بخصوصيتها. وسواء أكانت هذه الحركية “لعبة استعمارية” أو “قدرا إلهيا” أو “حتمية تاريخية” أو “صدفة إيجابية” من صدف التناقضات السياسية والاقتصادية، فإن الواقع فرض نفسه على الجميع.
إن الأمر يتعلق بلغات أم يتعلم بواسطتها الأطفال أسماءهم وعلاقاتهم بأجسادهم ويسمون من خلالها الوجود كما يبدو لهم وهو الأمر الذي سيطبع حياتهم إلى الأبد.
إن مفهوم الهوية المنغلقة تسبب في عرقلة تنمية الملكات اللغوية والتحصيل في شروط جيدة والتواصل العميق “نفسيا وحركيا” مع المعطيات المختلفة.
إضافة إلى سيادة انفصام عام نخر المجتمع يجد منطلقه في اللغة المهيمنة رسميا وسيادة وفعالية اللغات الحميمية المتداولة عمليا، إلى جانب عوامل أخرى مثل الدين وازدواجية السلطة ومعاييرها المتناقضة…
إن مفهوم الهوية المتصدعة أو الهوية التي تأوي في قلبها الاختلافات هو المفهوم الذي يؤسس لواقع مستقبلي منسجم ومتلائم مع التعددية والاختلاف والتنوع، كما أن الديمقراطية في آخر المطاف هي تحقيق رغبات المواطنين وليس فرض تصورات الحكام. لا يمكن للغة العربية أن تضعف أو تخسر مكتسباتها إذا أعيد الاعتبار للغات الأم، واعتمدت في التدريس.
إن العربية خاسرة أصلا خسرانا كبيرا في وضعيتها الحالة، فهي لغة الرسميات، ولغة المنسيات، ولغة المحكيات، وليست لغة الاقتصاد والإدارة والعلوم.
إن الذين يدعون، لأسباب إيديولوجية محضة، إلى الهوية المنغلقة سيستيقظون ذات يوم على دوي انفجار هذه الهوية، ولعل تردي المستوى اللغوي للعربية في المدارس المغربية والاستعمال المكثف للدارجات العربية والأمازيغية، في كل المجالات، التقنية والحميمية والمهنية، ليس إلا بداية لهذا التصدع.
ليست اللغة مجرد أداة بسيطة شكلية وخارجية تستعمل للتعبير عن بعض الأفكار والأحاسيس والمصالح… وإنما هي العالم الحقيقي الذي يتواجد فيه متكلموها. فهي تاريخهم وعواطفهم وهوياتهم وحميميتهم. لذلك انصبت الدراسات الوافرة من كل الزوايا على اللغة ليس من أجل تحقيق معرفة علمية موضوعية بشأنها فقط… وإنما بالأساس من أجل حل وتجاوز المشاكل والعوائق التي تعترض النمو النفسي والمعرفي ثم الاقتصادي والسياسي لشعب من الشعوب.
وتعتبر اللغة العربية من اللغات النادرة التي تعيش في عزلة عن الواقع وفي سجن بين دفات الكتب وجدران المدارس والجامعات… بل إنها تعيش يوميا انهزامها أمام هذا التقدم الهائل للغات الغربية التي تعتمد في المجالات الحيوية (العلم والتكنولوجيا والإدارة والاقتصاد…) ويعتقد الكثيرون أن اللغة العربية هي لغتهم الأم في الوقت الذي يتعلمونها في المدارس بطرق لا تتلاءم مع طبيعتها وليس انطلاقا من “الأم/العائلة”.
إنها من اللغات الصعبة التي لا يفهمها المتعلم إلا بعد شكلها مقارنة مع اللغات الأخرى التي تنطق كما تكتب وكما ترى.
لكن هذه الصعوبة ليست هي الإشكال الأساسي بل إن الكارثة تكمن في تدريسها كلغة أم، أي تعليمها لطفل لا يعرفها بتاتا وكأنها لغته يتكلمها مسبقا لأنه في مجتمع ناطق بالعربية. ويكفي أن نقارن بين مفردات الدارجات المغربية والعربية ليتضح أن الأمر يتعلق بلغة أخرى يفترض أن تدرس كلغة أجنبية إذا كان الهدف تربويا ومعرفيا وعلميا (حذاء / صباط، جزر/ خيزو، سيارة / طوموبيل، ضفدعة / جرانة، برغي / تورنفيس…)
إضافة إلى بنية الدارجة واختلافها عن بنية اللغة الفصحى. دون أن ننسى المشاكل المضاعفة بالنسبة للناطقين بالأمازيغية والتي هي لغة مغربية قائمة بذاتها (لأن اللغة حسب العروي ليست إلا لهجة مسيطرة).
إن نتائج ذلك وخيمة على مستوى التحصيل والفهم والذكاء وهدر الوقت. فإذا أخذنا حالة طفل لغته الأم هي الفرنسية ويدرس في مدرسة تستعمل الفرنسية فإنه لا يحس بأية غربة لغوية ولا يبذل أي مجهود لفهم معلمه أو معلمته خلافا للتلميذ المغربي الذي يحتاج لمترجم ينقل له معاني العربية الفصحى إلى الدارجة التي هي لغته الأم.