حركة 20 فبراير: المخزن ومعاداة السياسة اللا مفكر فيه في الإصلاحات بالمغرب (2/2)

بقلم: بياتريس هيبو

رجمة: حسن بيقي

إن اكتساح مجالات المشاركة السياسية كانت مراقبة على نطاق واسع من المخزن في إطار إعادة التأويل للشورى والتي ليست اعترافا بسلطة ما، بل بكفاءة ترمي إلى إضاءة، جزئيا على الأقل، ماسك السلطة دون المساس بتفوقه: وعلى الرغم من المواقف الشخصية إزاء بعضهم البعض فإن السياسي مازال مستمرا على نطاق واسع، كما هو الشأن في الماضي، في “التعطيل”. إن السلطة المركزية لا تنفك في الاستحواذ على الكفاءات، والمخزن لا يهدأ في تشكيل حوض لتوظيف النخب، ساعيا إلى تجفيف الأحزاب السياسية والبيروقراطية الإدارية من كفاءاتها الطبيعية. لكن تبقى هذه الكفاءات حبيس خدمة السلطة المركزية وبلورة آليات الاستقطاب ووسائل تنفيذ التحكم السياسي والاقتصادي وتكنولوجيا الهيمنة والاستدماج. لذلك، فإن شرعية السلطة المركزية تجد نفسها أقوى مما كانت عليه فيما مضى؛ والكفاءات التكنوقراطية والجمعوية تساهم في تحديث – على الأقل ظاهريا – ممارسة السلطة، وفي المقابل، فإن التكنوقراط والفاعلين في المجتمع المسمى بالمدني لا يستمدون شرعيتهم والقدرة على تعزيز عملهم إلا بسبب دعمهم للقصر. فنحن نعثر، إذا صح القول، ما تبينه الأشغال عن الخبرة: إعادة النظر في التمييز بين الخبرة والسياسة والشفافية، بل واستحالة تحديد التخوم بين المجالين. فلسنا، وحسب، أمام تعدد المواقع، فالتكنوقراط هم كذلك سياسيون. فالخبرة تظهر كرؤية مكونة للسياسة، ومعرفة للتدبير الحكومي، وهندسة سياسة، ووسيلة في قبضة السلطة، ودولنة المجال الاقتصادي والمجال الاجتماعي، أو عودة إلى معايير دركية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. إنها تعبير لوجه آخر للسياسة التي تمر عبر نقد المجال السياسي، وعبر مقدمة الارتياب واللايقين، عبر التغير اللا متكافيء بين الخبراء وغير الخبراء، عبر تطبيع وتخفيض ميدان المناقشة، عبر إزالة تعدد الاختيارات، عبر إعادة الصيغ السياسية حول المعارف والأفكار المتنافسة، عبر تحريك مفاهيم حسية ، كمفهوم المخاطرة. إلا أنها لا تمت بصلة بأي حال من الأحوال إلى نوع من نزع الطابع السياسي عنها، خلافا لمزاعم من يتمسكون بزمام تجديد المجال السياسي عبر التكنوقراط والمجتمع المدني.

وضمن هذه الشروط، فإن الموقف اللا سياسي كما تم التعبير عنه عبر الإصلاحات القائمة في المغرب يجد نفسه في مأزق لحظة الحراك الاجتماعي. ذلك أن الأجوبة التي جاءت كرد فعل على المطالب الاجتماعية تبقى من طبيعة تقنية مع نزوع إلى “دسترة ” كل المشكلات، سيما وأن الأحزاب السياسية تطمح إلى التسوية مع الدينامية المتأتية من القصر عوض تأسيس علاقة قوة معه. هكذا تغيب الإشارات الرمزية، وبالأحرى تغيب التأويلات المختلفة في الحياة الاجتماعية وتدبير الصراعات والنقاشات والتوترات والتعارضات التي يمكن أن تفتح مسلكا لانتقال حقيقي لعلاقات السلطة وأنماط الحكم. هكذا، فالموقف المناهض للسياسة لا يظهر فقط كمجرد رفض للمجال السياسي، خصوصا رفض الأحزاب السياسية، بل إنه يعبر أيضا، بشكل خاص، عن رفض للفكر النقدي. ومن ثمة، فإن إحدى مميزاته، في المغرب كما في البلدان الأخرى، هو الرفع من قيمة الحس المشترك وبساطة التفسيرات، وانتقاد ضغط المصالح الخاصة” للكبار” و”الأقوياء” و”أصحاب الإيرادات” دون الدخول في تحليل تعدد العمليات الجارية، وتنوع العلائق السببية، وتعددية المقاصد، والاستقلالية المتاحة للفاعلين… إن رمزية هذا المأزق هو الإغراء الذي يمارسه مفهوم المخزن على النخب التي تنضم إليه بشكل عشوائي، لشعور مطمور في عمق الذاكرة الجماعية لدى جموع الناس والذي تنزع الأجيال الراهنة إلى النظر إليه بمنظور نسبي. إنها النقطة الثانية التي أود تطويرها.

إنه لمن اللافت للنظر، بالنسبة لمراقب أجنبي، أن يشاهد مستشاري الملك أو القصر، وبشكل أدق المخزن، في قلب كل التفسيرات عن أي تصرف مهما كان، عن أي واقعة حدثت أو متوقعة ،حول أي رأي معبر عنه. أينسب هذا الأمر إلى ركود في الحياة السياسية؟ أم ينسب الخطأ إلى حزب الأصالة والمعاصرة والهمة، المستشار السياسي لمحمد السادس، أم إلى اختلال في قناة التلفزة الرسمية؟ أم يعود الخطأ إلى فيصل العرايشي وسميرة سيطايل ومستشاري إعلام القصر ؟ أهو تصدع في الاتفاقات بين رجال الأعمال؟ أم راجع إلى غياب الشفافية ؟ فمرارا وتكرارا، ينسب الخطأ إلى الماجدي (المستشار الاقتصادي والمالي) دون ذكر تصرفات ذوي المال الريعي والممارسات الحمائية أو، في المقابل، عن تأثيرات الانفتاح على المستوى الدولي وأشكال العنف الناتج عن رفع أو تحرير القيود الإدارية أو ثقل الروابط الاجتماعية والترتيبات التي تشكلت عبر التاريخ. في ظل حكم الحسن الثاني، كان الخطأ ينسب إلى كديره ثم إلى البصري، وننزلق، على الرغم من “الإصلاحات” والانفتاح والتحديث، في الخطاطات التفسيرية نفسها لمخزن مبثوث في كل مكان وعليم بكل شيء: أرواح معذبة لسلطان وضع جانبا جهاز الهيمنة خلف شاشة سحرية للمخزن. أما اليوم، وضمن عرض التصورات والتأويلات، وضمن تعريف الحقل المفكر فيه سياسيا، لازال الملك والبلاط مستمرين في منح تأشيرة للأحداث السياسية. ومما يلاحظ في هذا الاتجاه، أن الأحزاب السياسية الكبرى لم تكن مثار اهتمام ولا اقتراب من حركة “20 فبراير” إلا بعد الخطاب الملكي، يوم تاسع مارس عندما أعلن فيه عن مراجعة الدستور كجواب على مطالب الحركة الاجتماعية وفي نفس الوقت إضفاء المشروعية جزئيا على مضمونها. وبنفس الطريقة، كانت جلسات الاستماع وممثلي الأحزاب السياسية لدى لجنة مراجعة الدستور شديدة التخوف ومرتبكة من طرف التحسبات التي اتخذها هؤلاء وأولئك حول ما اعتبره المخزن كإصلاح فعال. وهذا ما يشير إليه المثال الأخير حول المناقشات التي دارت حول التعليقات التي تلت المقابلة التي أجرتها المجلة مع محمد الطوزي، أحد أعضاء اللجنة، وهو بالمناسبة أستاذ جامعي مشهور. إن خرجاته الإعلامية التي تهم الحياة السياسية بالمغرب، وعن القوى الحاضرة فيها، وعن إمكانيات التحول في البلاد…. قد تراجع عنها. وكأن ما تبقى هو السؤال التالي: لماذا يؤكد عضو مشارك في اللجنة، علما أنه عضو بارز ونزيه ومستقل، على أن الطبقة السياسية ليست ناضجة لظهور ملكية برلمانية؟ إن الجواب الذي لا مفر منه: هو أن المخزن قد أخبره بأن يقول ذلك، وأنه بصدد ترسيم حدود للإصلاح، وبالأخص رفض مسبق لإمكانية تحقيق ملكية برلمانية.

إن ما يميز اللحظة الراهنة، هي هذه الطريقة في التفكير التي تمنع المرء أن يفكر تفكيرا ذاتيا. وهي الطريقة ذاتها التي تميز أيضا عالم الأعمال والحركة الاجتماعية والثقافية والشارع والساسة والصحافيين .إن مجرد رؤية تبسيطية للسلطة المطلقة، ستبين أن ما هو ممكن التفكير فيه سياسيا يظل محددا من احتكار المخزن. وحتى وإن شرع القصر في اتجاه الانفتاح من قبيل الاستجابة لأول مرة للرأي العمومي من خلال فتح النقاش، والدعوة إلى الفاعلين السياسيين للتعبير عن أرائهم، لكن هؤلاء الفاعلين ظلوا سجيني رؤية ضيقة وفجة للسلطة. كما لو كان من المستحيل أن نفكر أن الملك يفقد احتكاره في تعريف المجال السياسي ومضمونه المعجمي؛ أو كما لو أنه من غير الممكن أن نتخيل قوى أخرى قادرة على تزويد النظام السياسي برموز السلطة بالتمثلات وبالصور. يبدو أن الفاعلين السياسيين، أكانوا منتمين أم لا- لأن الصحافة تلعب هنا دورا أساسيا وكذلك الأشخاص الذين يدعون أنفسهم مثقفين ويبثون تعليقاتهم على الشبكات الاجتماعية- لا يودون التحرر من التمثلات ومن المخيال السياسي الثاوية في قلب ممارسات الهيمنة. لقد طور التصور الحسني للسلطة فكرة عن الشرعية في المغرب – ويعتبر مثالا جيدا ل”اختراع التقليد” – يقاس به مدى قدرة الدولة والمخزن على نشر معنى للمفاهيم السياسية للمجتمع برمته. فمن خلال البيعة (حفل الولاء)، تم التقليل من شأن القانون الوضعي، بإقصاء الإجراءات التعاقدية لممارسة السلطة قصد الحفاظ على طقس الطاعة. إن هذه القدرة على الهيمنة كانت متجبرة ومكتسحة على نطاق واسع، خصوصا من جراء عمليات إدماج المعارضة. ذلك أن التأويلات الراهنة التي ترجع كل شيء إلى انتظارات مفترضة من القصر، إلى نوايا الملك وإلى قوى التحكم المخزني؛ تعمل على إعادة تجديد هذه التمثلات وهذا المخيال. وبالفعل، إن الفاعلين السياسيين الذين ينتمون إلى القصر أو إلى الأحزاب المستقطبة (أكانت في الحكومة أم في المعارضة) تبحث، قبل كل شيء، عن التأثير والمواقع التي تتيح لهم مراقبة الموارد، وبالتالي الحظوة من السلطة المركزية. لهذا تجدهم اليوم يظهرون بمظهر عبثي جراء ذهولهم للمبادرة الملكية التي تعتزم مراجعة الدستور وفتح باب النقاش حول المسؤولية وأنماط الحكم والمحاسبة. فهم يفضلون مسايرة القصر عوض الدخول معه في علاقة قوة، وهذا ما يفسر سبب ضحالة اقتراحاتهم. ومع ذلك، فإن السكان يدركون عدم تمثيليتهم لهم في أي شيء، بل هم مجرد شفعاء مقربين من المنبع الأسمى للسلطة، أي الملك، وهذا سبب إضافي يفسر رفضهم، والذي تغذى من الموقف المعادي للمجال السياسي الممأسس. إن هذا الموقف يشمل غالبية كبيرة من المثقفين والصحافيين والمدونين والمتظاهرين الذين يجهرون رفض هذه العلاقة مع المخزن ويودون إعادة النظر فيها بشكل نهائي، بل إنهم يعزون إليه كل نواقص المجتمع المغربي، فهم لا يؤبدون فقط رؤية قصدية وتبسيطية لسلطة مطلقة ينعدم فيها أي هامش للمناورة، وإنما يمنعون على أنفسهم تعديل علائق السلطة. ومن المفارقة، أن هؤلاء أنفسهم يساهمون في تأبيد ما يدينونه. وبفعلهم هذا، فهم متأثرون، وبطريقتهم الخاصة، بالمحيط السائد الذي يعادي السياسة، وهو ما يعد بالأخص استشكالا خاصا حول إعادة رسم خطوط الفعل العمومي ولاسيما أنماط ممارسة السلطة. فماعدا أقلية صغيرة جدا من الشباب المتحدر من العدل والإحسان والنهج الديمقراطي وجزء من شباب الإتحاد الاشتراكي وجزء من قيادة الحزب الاشتراكي الموحد الذي يروم تأطير حركة “20 فبراير”؛ فإنها ترفض الأحزاب، مهما كانت، وتسقط عنها مسبقا، القدرة على التغيير دون التفكير في أن تقوم مقامها، ولا حتى أن تعمل على هيكلة وتنظيم هيئات تمثيلية، تفاوضية ووسيطة. إنهم عازمون على عمل هو، قبل كل شيء، سياسي – وهل هناك حقا شيء أكثر سياسة من أن تطلب المساواة، العدالة واحترام مبادئ نظام الاستحقاق ؟ – لكنهم يعبرون عن مطالبهم بشعارات مكرورة وأعمال فرجوية دون وصلها بتفكير سياسي عن الخدمات العمومية، عن الضريبة أو عن الاقتصاد السياسي للتفاوت؛ وبكيفية أعم، عن أنماط الحكم الاقتصادية والاجتماعية. بيد أن أحد المواقف السياسية الذي بات معروفا هو “ارحل يا مخزن”… وهو ما يعني هنا كذلك وضع موقفهم في قلب رؤيتهم السياسية.

إن هذا الرفض لانخراط مباشر في اللعبة السياسية، وتنشيط المناقشة الموضوعية، والانحياز والالتزام بشأن خيارات واضحة، يظل الضعف الأكبر للحركة الاجتماعية: الإحباط وعدم الرضى دعما، بلا شك، “حركة 20 فبراير” المكونة من خليط من العناصر، لكن تبقى مطالبها متشظية ومتواضعة وشعبوية في أغلب الأحيان، ولا تتيح المشاركة الكاملة في إعادة تشكيل لعلاقات السلطة. وهكذا، ففي ظل غياب الانخراط وتحول للأحزاب السياسية ومطالب إصلاحية غير صريحة، وتحليل مكامن الضعف، وأجهزة مازالت تغدي الإحساس بالظلم والإذلال، وآليات إنتاج اللا مساواة وانسداد الترقي الاجتماعي، فان الأمور ستظل أولية حتى لا نقول منعدمة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد