بقلم: عبد الله الفردوس
يشكل النهوض بالشباب أحد أهم التحديات الكبرى التي تواجه بلادنا باعتباره العنصر الاجتماعي المؤثر في سير الأحداث والتحولات التي يعرفها المغرب، وباعتباره ثروة بشرية تشكل الشريان المتدفق الذي يضخ دماء التجديد والتحديث في مسيرة الشعوب، يصل ماضيها بحاضرها ويستشرف المستقبل.
ولعل المدخل إلى إعداد فئة الشباب يكون من خلال تنمية قدراته العلمية والتعليمية والفكرية وتأطيره سياسيا من طرف الأحزاب للدفع به نحو المشاركة في العمل السياسي المسؤول ليأخذ مكانته مستقبلا ضمن المكونات الاجتماعية الأخرى للعمل من أجل بناء الوطن وصنع مستقبل أفضل في ظل نظام ديمقراطي يحمي مؤسسات الدولة وثوابتها وهويتها.
وليس اعتباطا أن تخصص بلادنا عيدا للشباب على عهد المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، ليسير على نهجه جلالة الملك محمد السادس، الذي منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، وضع نصب عينيه النهوض بالشباب في جميع المجالات، وتقوية المؤسسات الدستورية والحكومية التي تهتم بالشباب، حيث رسمت خطب جلالته ومشاريعه ومبادراته خارطة طريق لتمكين هذه الفئة من تحقيق طموحاتها، حسب ما نص عليه دستور 2011 الذي أقر إحداث “المجلس الأعلى للشباب والعمل الجمعوي”، حيث تضمن الدستور فصلا يقضي بإنشاء هذا المجلس الاستشاري، تكون مهمته دعم مشاركة الشباب في صناعة القرار، مما دفع بكافة القوى السياسية وجمعيات المجتمع المدني إلى فتح نقاش وطني من أجل وضع إستراتيجية للنهوض بالشباب المغربي.
إن قضايا الشباب المتعددة، وتطلعاته المشروعة إلى المساهمة في التنمية الشاملة والانخراط في معركة الإصلاح والتغيير والبناء والمشاركة الفعالة في تدبير الشأن العام الوطني والجهوي والمحلي، مازالت تفرض علينا -اليوم- كمجتمع سياسي وكمجتمع مدني ونخبة مثقفة ومسؤولين ومهتمين وباحثين مزيدا من التعبئة الشاملة والكاملة وراء جلالة الملك من أجل تحقيق تطلعات شبابنا المغربي الواعد، وهي تطلعات وطموحات يجب أن تكون إحدى أهم الخيارات الأساسية التي يجب علينا الالتزام بها لوضع لبنات المجتمع المغربي الجديد، مغرب الشباب والمستقبل، كما يسعى إلى تحقيق ذلك جلالة الملك محمد السادس الذي يحرص منذ توليه العرش على وضع الشباب في صلب مشروع التحديث المجتمعي الشامل، باعتباره خزانا لا ينضب من العزائم والكفاءات، وتكريس أكبر لدوره الحيوي في مختلف الإصلاحات الديمقراطية والأوراش التنموية التي تشهدها البلاد.
لقد كانت مسألة إدماج الشباب في مسار الإصلاح والتحديث والتجديد مرتبطة أشد الارتباط بمدى توفير الإمكانيات والوسائل المادية واللوجيستية والتقنية والبرامج التكوينية والتربوية والمعرفية، والموارد البشرية المتخصصة في تأهيله وتمكينه من أدوات العمل والاجتهاد والابتكار والاندماج في المشروع المجتمعي التنموي الديمقراطي الحداثي الذي يقوده بحنكة وتبصر جلالة الملك ويوليه العناية الخاصة والمتميزة في مختلف مجالات تكوين الأجيال الصاعدة، وإعدادها للمساهمة في خدمة المسار التنموي والديمقراطي الذي اختارته بلادنا عن إيمان وقناعة.
من هنا كان عيد الشباب ومايزال مناسبة وطنية حقيقية لتقييم ما تم إنجازه لفائدة الشباب المغربي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعرفية والعلمية والتقنية، واستخلاص النتائج والدروس والعبر من الأخطاء ومعالجة الاختلالات والانزلاقات، والعمل على إصلاحها وتقييمها وتقويمها بعزم ووعي وحماس، وطرح الحلول والبدائل التي من شأنها تكريس إستراتيجية النهوض بالشباب على كافة المستويات والأصعدة.
لقد أكد جلالة الملك في أكثر من مناسبة على ضرورة تجاوز الصورة التقليدية والنمطية في التعامل مع الشباب وقضاياه وتطلعاته وأحلامه وطموحاته، التي تعتبره فقط عبئا على المجتمع، في الوقت الذي يجب فيه التعاطي معه والتعامل مع مشاكله وقضاياه وتطلعاته من منظور حضاري إنساني وتنموي وتربوي وتكويني، بما يجسده من مخزون استراتيجي واعد لمستقبل بلادنا ومجتمعنا، وذلك من خلال تبني مقاربة شمولية ومندمجة تضع حدا للطرق العقيمة والمتبعة في تنظيم الخدمات القطاعية المقدمة للشباب، وتعبئة مقدرات الدولة لبلورة إستراتيجية متكاملة لمعالجة قضاياه المشروعة، من تربية وتعليم وتكوين وإعادة تكوين وإدماج في سوق الشغل، وتمكينه من الانخراط في العمل السياسي بمختلف أبعاده وتجلياته.
إن بلادنا اليوم تخطو خطوات مهمة على درب بناء المجتمع المغربي الجديد، ولقد رسمت الخطب والمشاريع والمبادرات الملكية في هذا الشأن خارطة طريق لتأهيل هذه الفئة التي تجسد طموح الشعب المغربي إلى التقدم والتطور، وتشكل بحق قوة فعالة وأداة مؤثرة في الدفع بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي نحو الأمام، بما يتيح استثمار مقدراتها وطاقاتها الحية والإبداعية ومؤهلاتها العلمية والفكرية في دعم مسار البناء الديمقراطي والازدهار الاقتصادي والرقي الاجتماعي وفق تدبير معقلن وعلمي وراشد ومتشبع بالروح الوطنية وأخلاق المواطنة والشعور العميق بالمسؤولية.
لذلك، لا بد من جميع مكونات المجتمع المغربي وقواه الحية العمل وفق التوجهات الملكية المخلصة والمستنيرة بما تجسده من رمزية دالة لقيم الحداثة والتقدم والإصلاح والتطور والتحديث لتمكين الشباب المغربي من كل الفرص المتاحة لإبراز كفاءاته وتوظيف مهاراته وإمكانياته، من خلال المشاريع والبرامج التي توفر له كافة سبل النجاح سواء تعلق الأمر بتكوينه وتأطيره أو بإشراكه في الحياة السياسية باعتبارها بوابة أساسية لضمان مستقبل أفضل، بعد تخفيض سن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية إلى ثمانية عشرة سنة.
لقد جسد الاهتمام الملكي بقضايا الشباب أملا لدى هذه الفئة الحية من المجتمع الراغبة دوما في تحقيق ذاتها وتحمل المسؤولية وتحقيق طموحاتها المشروعة في كافة المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمهنية وخلق فرص حقيقية وأوسع لها في الاندماج داخل الديناميكية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها بلادنا في الوقت الراهن، ناهيك عن اندماجها في سوق الشغل كحق من حقوقها المشروعة التي نص عليها الدستور.
فالإرادة الثابتة لجلالة الملك تشكل عنوانا بارزا وإشارة واضحة وذات دلالة لكل الجهات المعنية بقضايا الشباب المختلفة، من أجل تمكينه من العمل والمشاركة في صنع التغيير والإصلاح المنشود في إطار المسار التنموي الشامل الذي وضع أسسه للإقلاع بالمغرب نحو آفاق التقدم والازدهار، ناهيك عن قضية النهوض بأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، باعتبار أن الشباب هو الرأسمال الثمين لبلادنا لتحقيق التقدم والازدهار والتوجه نحو بناء المستقبل، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا بعقول الشباب وسواعدهم وإبداعاتهم٬ وانخراطهم الإيجابي في صنع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي وترسيخ الإحساس لديهم بالانتماء للوطن والتشبث بالهوية الوطنية والانفتاح على القيم الكونية.
ومن ثم، فإن بلادنا تحتاج اليوم إلى مقاربة أكثر منهجية وتكاملا لتنمية الشباب وإدماجه في شكل فاعل، في الحياة العامة والاقتصادية والاجتماعية، وتركز بوضوح على استهداف فئات الشباب الأكثر حرمانا وتمكينها من وسائل المشاركة في البناء الديمقراطي وتحمل المسؤولية في الجهد التنموي الوطني والجهوي والمحلي.