بقلم مصطفى الكمري
قليلة هي المواضيع التي حظيت بمثل ما حظي به موضوع “خدام الدولة” من اهتمام ومتابعة من طرف عموم المغاربة، حيث انتقل النقاش فيه من شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جلسات الأصدقاء في المقاهي وأحاديث الأسر في البيوت.
ومرد ذلك ليس لأنه كشف حجم الفساد الذي تغرق فيه مؤسسات الدولة المغربية، وحجم التطاول على الممتلكات العمومية والذي يضيع على ميزانية البلد ملايير الدراهم سنويا، فالأمر بالنسبة للمغاربة صار معروفا لحد أنهم يتهكمون في مجالسهم على جشع مسؤوليهم بالقول: “كون غير يسرقو شوية ويخدمو شوية”. ولكن مرد ذلك أن المغاربة اكتشفوا فجأة أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وأن مبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور المغربي ليس سوى حبر على ورق، وأن جهدهم وعرقهم في سبيل خدمة الوطن لن يوصلهم في نهاية المطاف سوى ليكونوا خدما عند “خدام الدولة”.
إن حجم الأموال التي ضاعت على خزينة الدولة، جراء تفويت مساحات شاسعة من الأراضي بعشر ثمنها الحقيقي، لشخصيات لا تحتاج مع ثرائها لمساعدة أو إحسان، يظهر حجم العبث الذي تدور في فلكه الدولة المغربية، خصوصا وأن جل الحكومات المتعاقبة تتذرع بغياب الموارد وبقصر ذات اليد، حين يطالب المغاربة بتحسين جودة الخدمات وبالقضاء على الفقر والهشاشة والبطالة.
لكن هذا العبث يأخذ بعدا مأساويا حين يجد المغاربة أنفسهم مطالبين بتقديم التضحيات تلو التضحيات بالصبر على الزيادات في الضرائب، وفي الأسعار، وفي اقتطاعات التقاعد وسنوات العمل… في الوقت الذي يرفض فيه البرلمانيون والوزراء التنازل عن سنتيم واحد من امتيازاتهم، وفي الوقت الذي يتمتع فيه بعض النافذين والمقربين من “خدام الدولة” من أملاك الدولة بأثمنة بخسة.
ومع هذه الضجة التي أحدثها تسريب الوثائق الخاصة بالأراضي التي استفاد منها “خدام الدولة” دون وجه حق، نجد أن هذه الفضيحة المدوية لم تحرك الأحزاب وقادتها الذين فضلوا الانحناء للعاصفة، دون التعبير عن أي موقف قد يطفؤ نار الغضب التي تشتعل في صدور المغاربة، حيث كان رد فعل عبد الإله بنكيران صادما حين دعا أعضاء حزبه، وخصوصا القياديون في العدالة والتنمية، إلى عدم الخوض في الموضوع، وحين اكتفى بالقول: “بعض الصمت أبلغ من الكلام”.
إن موقف الأحزاب المغربية من فضيحة “خدام الدولة” هو في حقيقة الأمر فضيحة أكبر، والصمت في مثل هذه اللحظات هو تواطؤ مع الفساد وتشجيع للوبياته على الاستمرار في نهب ثروات البلاد ومقدراتها، والمغاربة وهم يرون أحزابهم من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال غير قادرة على الانتفاضة في وجه هذا النهب الممنهج للممتلكات العامة، لن يجدوا مبررا مقنعا لذهابهم للانتخابات البرلمانية التي صرنا على أعتابها، وحينها سيصدمون الأحزاب السياسية بعدم إقبالهم على المشاركة وسيعاقبونها على جبنها وتعاونها مع لوبيات الفساد والاستبداد ضد مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.