خطاب الصراحة والواقعية والتوجه نحو المستقبل

بقلم: عبد الله الفردوس

لم تكن الرسالة التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى القمة العربية في دورتها الـ 27 الملتئمة بنواكشوط يوم الاثنين الماضي، إلا تأكيدا على ضرورة الخروج من إطار المفاهيم العتيقة والتقليدية التي مازالت تهيمن على العمل العربي المشترك إلى مقاربات جديدة مستشرفة للمستقبل، ومبنية على عمق التحليل والفهم الصحيح للواقع العربي الراهن، وممارسة نقد ذاتي صادق لمسار طويل من الإخفاقات والانزلاقات التي شابت علاقات الحكام العرب بشعوبهم وقدمت لأعداء الأمة العربية الفرصة الذهبية لاستغلال حالة الضعف والوهن الداخلي بفعل غياب الشرعية والمشروعية السياسية والديمقراطية وربما التاريخية، وكذا التشرذم والانقسام بين الدول العربية لتنفيذ مخططاتهم الرامية إلى تفتيتها وتقسيمها إلى “كانتونات” وفقا لمخططات سايكس/ بيكو جديدة، تحت شعارات وعناوين براقة، سرعان ما انكشفت بعد سنوات من اندلاع ما سمي بـ”الربيع العربي”.

إنها دعوة إلى مراجعة الذات، واستخلاص العبر، ودراسة معمقة لأسباب الفشل والإخفاق، وعدم تحقيق الحد الأدنى من التضامن العربي، والوحدة العربية، في خضم التحديات والمخاطر التي تهدد مستقبلها ومصيرها ووجودها منذ عقود.

وما قرار المغرب إرجاء القمة العربية التي كان من المفترض أن تنعقد في مراكش قبل شهور، كما أكدت رسالة جلالة الملك للقمة العربية، إلا تعبير عن موقف صادق وواضح من قبل جلالة الملك، تجاه ما يجري ويحدث في عدد من الدول العربية الشقيقة التي سقطت ضحية مخططات إقليمية ودولية، وتحولت إلى خراب ودمار وأصبح مواطنوها لاجئين ومشردين داخل بلدانهم وخارجها، مما يفرض القيام بوقفة تأمل عميقة في ظل الوضع المزري الذي وصلت إليه الشعوب العربية ، وتكالب القوى الخارجية عليها، وتغول جماعات الإرهاب والتطرف في دول عربية عديدة، حيث تعيث فيها فسادا وتقتيلا وتدميرا.     

قرار “لا يعني أبدا تخليه عن دوره الرئيسي في العمل العربي المشترك”، وهو نابع من شعور جلالة الملك بالمسؤولية التاريخية والقومية التي تطوقه كقائد عربي، وكزعيم دولة عربية تسعى بكل ما تملك من وسائل وإمكانيات إلى  توحيد الصف العربي، والتصدي للمخططات الرامية إلى تفتيت وتقسيم العالم العربي وتحويله إلى بركة من الدماء والأشلاء والخراب والدمار خدمة لمصالح قوى إقليمية ودولية معروفة.     

لقد قدم جلالة الملك في رسالته السامية تشخيصا عميقا للواقع العربي، ووضع الأصبع على مكامن الجرح وحدد معالم الخلل انطلاقا من “واجب التحليل للواقع السياسي الراهن، وتقييم العمل العربي، حتى تستنهض (الأمة العربية) الهمم وتسترجع سلطة القرار”.

وجلالته من خلال هذه الرسالة لا يهدف إلى إعطاء الدروس لأي من البلدان العربية، بل يسعى إلى”ترسيخ الوعي الجماعي بضرورة وحتمية الاتحاد بين البلدان العربية، في سياق دولي وإقليمي يتسم بالتكتل والتوحد والتنافسية الاقتصادية”، لأن التفرقة لم تكن يوما مصدر قوة، والحلول الجاهزة والنظريات والنزعات الانفصالية لم تؤد إلا إلى التشرذم والانقسام، حتى أصبحت الدولة هي الحي والحارة، وتم النيل من سيادة الدول بذريعة الدفاع عن مذهب أو طائفة أو شعار معين، والتضحية بروح المواطنة لصالح ولاءات لا هدف لها سوى العبث بالعقول وبسط الهيمنة.

تلك هي الحلقة المفرغة، يقول جلالة الملك، التي وقعت فيها الدول العربية، والتي كانت من بين أهم الأسباب التي أضعفت دورها في حل قضايانا العربية، كالأزمة في ليبيا واليمن وسوريا والعراق ولبنان، كما قلصت مساهماتها في التعاطي، بكل الفعالية وبعد النظر اللازمين، مع ظاهرة الإرهاب التي تنخر عقول بعض المواطنين العرب، وتقوض أمن بلداننا وسلامتها.

ومن هنا وجب التساؤل حول الدور الذي كان على العرب القيام به بشكل استباقي من أجل &وضع الإستراتيجيات المتعددة الأبعاد، والخطط العملية المحكمة، لمواجهة هذه الآفة الهدامة، ومن ثم الانتصار لديننا الإسلامي الحنيف، دين الوسطية والاعتدال، في مواجهة المتطرفين والإرهابيين الذين عملوا على تشويهه بأفعالهم الإجرامية ضد البلاد والعباد، دون أن يتم دحض مزاعمهم وتأويلاتهم المغرضة وأطروحاتِهم المزيفة بالأسلوب المناسب والمفحم، خاصة وأن الأمة العربية والإسلامية ظلت من حملة رسالة التنوير، ولها إسهامات مشهود بها في بناء الحضارة الإنسانية، ومن واجب العرب والمسلمين الاستمرار في التفاعل مع الأمم الأخرى لما فيه خير البشرية، والعمل على مواصلة هذا الدور في إطار رؤية ومنظور مختلفين عما جرت به العادة في التعاطي مع المشاكل الحقيقية للشعوب العربية، والتي على رأسها التنمية، التي أصبحت اليوم الشغل الشاغل لكل الدول الطامحة إلى تحقيق نسب من التطور والنمو وتحقيق شروط العيش الكريم لأبنائها، في إطار من السلم والأمن والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وترسيخ قيم المواطنة الصالحة والحكامة الجيدة والتعايش والانفتاح على الآخر.

لذلك دعت الرسالة الملكية من منطلق واقعي وطموح إلى “ضرورة إنجاز مشاريع تنموية اقتصادية واجتماعية، وفق خطط مشتركة بين الدول العربية، كفيلة بخلق قصص نجاح” تعيد إلى الشعوب العربية الأمل، وتقطع مع كل المقاربات التقليدية المبنية على التعصب الإيديولوجي والطائفي والمذهبي والتي أثبتت إفلاسها، وأدت إلى ما أدت إليه اليوم  مما نراه داخل العالم العربي من وهن وضعف وتفتت، يصب فقط في صالح أعداء وخصوم الأمة العربية.

إن الرهان الحقيقي اليوم هو مدى قدرة القادة العرب على تخطي الواقع الحالي والتغلب على كافة المصاعب والمخاطر، واستنهاض الهمم لمواجهة مخططات التقسيم والتخريب، واسترجاع سلطة القرار، ورسم معالم مستقبل يستجيب لطموحات الشعوب العربية في التنمية ويليق بالمكانة الحضارية للأمة العربية، علما أن المخاطر الداخلية والخارجية التي تستهدف تقسيم البلدان العربية، مازالت قائمة، مما يستوجب التحلي باليقظة والحيطة والحذر والعمل على توحيد الجهود وتكاملها، والتعاون في إطار من التضامن لسد الطريق على كل أسباب ومسببات الفشل.

ومن منظور شمولي ومتبصر وحكيم، أكد جلالة الملك على أن “التحدي الأكبر يتمثل في ربح معركة التنمية، من خلال استدراك تأخر مسارات بناء قدراتنا، في معالجة مظاهر الفقر والهشاشة في بلداننا، وتجاوز عوائق النهوض بتعاوننا الاقتصادي والتجاري”، ووجوب أن “يبقى تركيزنا منصبا على إيجاد ووضع هندسة الشراكات المناسبة بين أفراد البيت العربي، من حيث الاحتياجات والأولويات والفضاءات، للنهوض بالبعد التنموي في عملنا المشترك، مسخرين كل قدراتنا الذاتية من أجل تحقيق العيش الكريم والطمأنينة للمواطن العربي”، وأن يشدد على “أننا لسنا فاقدين للفكر المبدع، ولا للطاقات البشرية المؤهلة، ولا للإطار المؤسساتي اللازم، ولا للثروات الطبيعية المحفزة”، لكن ما نحتاج إليه هو “تعزيز الإيمان بالاستثمار في المستقبل، وبالتضامن الفعلي والربح المتدرج المتأني”.

من هنا يقول جلالة الملك إن “إنجاز مشاريع تنموية، بناء على هذه المبادئ، ووفق تلكم الهندسة، وعلى أساس مقاربة تشاركية، لاسيما مع القطاع الخاص، لكفيل بخلق قصص نجاح، تشكل محفزا حقيقيا لانسياب الاستثمارات، والتنافس على المشاريع، في مختلف بقاع الوطن العربي”، في إطار روح  من التضامن الحق، حتى “يجني أبناؤنا غدا، ثمار مشاريع بنيوية واقتصادية وتجارية، وتقنية وعلمية وثقافية، أنجزت في إطار جامعة الدول العربية، لتكبر هذه المؤسسة العتيدة في عيون المواطنين العرب، ولتتبوأ مكانتها في تحريك عجلة التبادل والتعاون بين التكتلات الإقليمية الأخرى، والتأثير الإيجابي على الاقتصاد العالمي”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد