الإسلاميون بعد انتخابات 2026: الحكومة محطة والمجتمع هو المشروع

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
الإسلاميون بعد انتخابات 2026: الحكومة محطة والمجتمع هو المشروع

لا تُقرأ نتائج الانتخابات بوصفها توزيعاً للمقاعد فقط؛ فهي تكشف أيضاً عن اختلاف المشاريع التي تتحرك داخل الحقل السياسي، وعن الأزمنة التي تقاس بها نجاحها وإخفاقاتها. وفي المغرب، تتيح عودة حزب العدالة والتنمية في انتخابات 23 شتنبر 2026، وانتقاله إلى المعارضة، مدخلاً لفهم العلاقة بين الزمن الانتخابي المحدود بولاية حكومية، والزمن الإسلاموي الأطول، الذي قد يجعل من الحكومة محطة داخل مشروع لتشكيل المجتمع. يتضح هذا التباين في كلمة عبد الإله بنكيران خلال لقاء حزبي يوم 29 شتنبر 2026، متداول في مقطع بعنوان “هل يمكن فصل الدين عن الدولة بالمغرب؟” عبر قناة بجيدي TV على يوتيوب. فقد أكد أن الحزب لم يدخل السياسة والبرلمان طلباً للمقاعد والمواقع في ذاتها، ورَبَطَ عملَه بوضع الدولة، والأمة، ومكانتهما، ودورهما. ويتسع هذا الأفق، في عَرضِه، من الأمة المغربية إلى المجال العربي والإسلامي، وصولاً إلى تصور أخلاقي وحضاري لدور المسلمين في العالم. وتؤكد التغطية الرسمية للحزب مضمون هذا التصور، وإن كان تاريخ إلقاء الكلمة ينبغي تمييزه عن توقيت رفع المقطع وإعادة تداوله.
تكمن الدلالة التحليلية للكلمة في إعادة تعريف وظيفة السياسة من خلال غاية تتجاوز المنصب. فبنكيران، الذي سبق أن ترأس حكومتين، يستحضر الدولة والأمة والأخلاق لشرح معنى الانخراط الحزبي. لذلك يصبح السؤال: ماذا تمثل الحكومة داخل تصور التغيير بالنسبة للإسلاميين؟ أهي غايته، أم إحدى أدواته أو محطاته؟

الزمن الانتخابي والزمن الدعوِي المُمتَد

يتحرك العمل الحزبي، من حيث خضوعه للمحاسبة الانتخابية، داخل تعاقب معروف: انتخابات، وبرنامج، وولاية حكومية، وحصيلة، ثم اقتراع جديد. وتفرض الدولة الحديثة واقتصاد السوق أجندة يومية تتعلق بالتشغيل والاستثمار والضرائب والمديونية والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والبنيات التحتية. إنه زمن تقيسه الميزانيات والمؤشرات والآجال، وتُختبر فيه الوعود بقدرتها على إنتاج نتائج قابلة للتقييم. أما الحركة الإسلاموية، سواء احتفظت بصيغتها الدعوية أم أسهمت في تشكيل مؤسسة حزبية، فقد تجمع هذا الزمن السياسي بزمن ثقافي وتربوي أكثر امتداداً. فمشروعها يمكن أن يتعلق بالفرد والأسرة والسلوك الاجتماعي والقيم والفضاء العام، وبالمكانة التي ينبغي أن يحتلها الدين في تنظيم الحياة الجماعية. ومن ثم، لا تستنفد الانتخابات معنى المشروع، ولا تشكل الحكومة ذروته الضرورية؛ فقد تكونان لحظة من لحظاته وأداة من أدواته. يمكن تسمية هذا الأفق بالزمن الدعوِي الممتد: وهو سيرورة تراكمية تبدأ بتكوين الفرد، وتمتد إلى الأسرة وأنماط السلوك والثقافة العامة، وتتفاعل مع المجال السياسي. وفق هذا المنظور، تستطيع الحركة الإسلاموية أن تخسر انتخابات وتظل داخل مشروعها، وأن تخرج من الحكومة دون أن تعتبر مهمتها التاريخية منتهية. فالعمر الإيديولوجي للمشروع يتجاوز العمر المؤسساتي للحكومة.
ولا يعني هذا التمييز أن جميع الإسلاميين يتبنون مساراً واحداً للتغيير. إنه يحدد اختلافاً في ترتيب الغايات وفي العلاقة بين التدبير السياسي والتكوين المجتمعي، لا تقابلاً مطلقاً بين فاعلِين محكومين بأزمنة منفصلة. ويقتضي التحليل التمييز أيضاً بين الحزب بوصفه مؤسسة انتخابية والحركة بوصفها تنظيماً دعوياً ومشروعاً مجتمعياً. فالعلاقة بين العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح عرفت تمييزاً وإعادة تفاوض، ولا تُختَزَل في تبعية ثابتة أو انفصال نهائي. والاستقلال التنظيمي بينهما، لا يستلزم زوال الأفق الثقافي المشترك، كما أن وجود هذا الأفق لا يثبت وحدة القرار بين التنظيمين.

المجتمع فضاءً للمشروع، والاقتصاد مستوىً من مستوياته

ترتبط إدارة الزمن بإدارة الفضاء. فالمسجد والأسرة والمدرسة والجامعة والجمعية والإعلام والحي والمنصات الرقمية، ثم البرلمان والحكومة، يمكن أن تصبح مجالات لإنتاج القيم ونشر تصور مخصوص للحياة الصالحة. وعندئذ يتجاوز الرهان سؤال من يحكم إلى سؤال القيم التي تنظم الحياة المشتركة، ونمط الإنسان الذي تسهم المؤسسات والممارسات الاجتماعية في تكوينه. وتظهَر هنا علاقة مركبة بمنطق الاقتصاد الرأسمالي. فالدولة مطالبة بالنمو والاستثمار والتنافسية والإنتاجية وتوفير الشغل وتحسين الاستهلاك والمؤشرات الاقتصادية، بينما يضيف الخطاب الإسلاموي أسئلة عن الغاية الأخلاقية للمجتمع، وحدود الاستهلاك، ومعنى النجاح، والقيم التي ينبغي أن تحكم الحياة الخاصة والعامة. وهذه الأسئلة لا تخص الإسلاميين وحدهم، لكن المرجعية الدينية تمنحها لديهم صياغة مميزة. ولا يستقيم الاستنتاج بأن الإسلاميين لا يهتمون بالاقتصاد؛ فقد قاد العدالة والتنمية الحكومة المغربية لنحو عقد، واضطر إلى التعامل مع المالية العمومية والاستثمار والسياسات الاجتماعية والتحالفات والقرارات غير الشعبية. وأظهرت تجربته ما تفرضه ممارسة الحكم من براغماتية وتسويات وتكيف مع القيود المؤسساتية والاقتصادية. لكن الاقتصاد قد يظل، في التصور الإيديولوجي، مستوى من مشروع أوسع للإنسان والمجتمع والأمة. لذلك يُفهم البرنامج الاقتصادي والاجتماعي ضمن مشروع متعدد الأزمنة: زمن يومي للتدبير، وزمن انتخابي للتنافس على السلطة، وزمن ثقافي ودعوي لتكوين المجتمع. أما وصف هذه البرامج بأنها مظلات تخفي غرضاً آخر، فيفترض نية لا يكفي الخطاب وحده لإثباتها.
ويكتسب مفهوم الأمة أهمية خاصة في هذا البناء. فبينما ترتكز المسؤولية الانتخابية للحزب الوطني على الدولة وناخبيها، يوسع خطاب بنكيران دائرة الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية وإلى دور أخلاقي عالمي. وتستخدم لغة الحزب بدورها مفهومي المرجعية الإسلامية والأمة العربية والإسلامية. هنا تتجلى مفارقة الإسلاموية المؤسساتية: استعمال أدوات الدولة الحديثة، من الحزب والاقتراع والبرلمان إلى البرنامج والأرقام والميزانية، مع الاحتفاظ بأفق حضاري لا تستنفده الحدود الحكومية، وبمشروع قيمي لا تختزله السوق.

المَلَكيِّة وإدارة التوازنات وتوزيع كلفة القرار

تطرح انتخابات 2026 سؤال قدرة النظام السياسي على التعامل مع هذا الامتداد الإسلاموي. فقد ارتفع تمثيل العدالة والتنمية من 13 مقعداً سنة 2021 إلى 54 مقعداً، فيما تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ 97 مقعداً. وفي 29 شتنبر، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب. يمتلك النظام السياسي المغربي خبرة في إعادة ترتيب التوازنات واستيعاب شخصيات إدارية وتكنوقراطية داخل المجال الحزبي. وعاد هذا النقاش مع التحاق فوزي لقجع بالأصالة والمعاصرة قبيل الانتخابات. ويمكن للفاعلين الإسلاميين قراءة هذه التحركات باعتبارها محاولة لتقييد عودتهم، لكن هذا التأويل السياسي لا يمثل دليلاً مستقلاً على الغاية الفعلية من الاستقطاب. والسؤال الأهم هل يكفي ترميم الخريطة الحزبية مرحلياً للحد من نفوذ الإسلاميين، بينما يعمل مشروعهم على بناء تأثير اجتماعي مستمر عبر التربية والدعوة والتواصل، يتجاوز الانتخابات وتشكيل الحكومات؟ ولا يتعلق الأمر بصراع بسيط بين دولة بلا مشروع قيمي وحركة تحتكر المعنى؛ فالمَلَكيِّة بدورها تحمل شرعية تاريخية، ودينية، وأفقاً للاستقرار والاستمرار.
وفي هذا السياق، يكتسب اختيار المنصوري، بدلاً من لقجع، دلالة قابلة للنقاش. فهي تمتلك تجذراً حزبياً وتجربة انتخابية ومحلية وتنفيذية، بينما ارتبطت صورة لقجع أساساً بالإدارة والميزانية والرياضة، وكان انضمامه الحزبي حديثاً نسبياً. كما يمكن افتراض فائدة استمرار الكفاءة المالية والتنفيذية للقجع في الأوراش المرتبطة بالميزانية والاستثمار والتحضير لكأس العالم 2030. لكن هذه احتمالات تفسيرية، وليست أسباباً رسمية مثبتة لعدم تعيينه. ويمكن، من زاوية وظيفية، تصور رئاسة الحكومة مصدّا سياسيا يمتصّ كلفة المواجهة وجزءاً من كلفة القرارات المثيرة للجدل، ويحوّل المواجهة إلى مستوى حكومي وحزبي بدل انتقالها مباشرة إلى المؤسسة الملكية. ولا يقتضي ذلك اختزال رئيسة الحكومة في واجهة فاقدة للمبادرة، أو الجزم بأن هذه الوظيفة كانت سبب اختيارها؛ بل يثير سؤال توزيع المسؤولية والمساءلة بين مواقع السلطة.
وتبرز العلاقات مع إسرائيل ضمن الملفات الحساسة التي قد تختبر هذا التوزيع. فقد أُعلن في شتنبر 2026 التوجه إلى رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، واستئناف الرحلات المباشرة، واستكمال اتفاقيتي حماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي قبل نهاية السنة. وقد تنقل إجراءات التنفيذ جزءاً من الصدام إلى الحكومة، خصوصاً مع معارضة إسلاموية تجعل القضية الفلسطينية جزءاً من خطابها الأخلاقي والهوياتي. لكن التنفيذ الحكومي لا يعني انفراد الحكومة بتحديد الاختيارات الاستراتيجية؛ فتحليل المساءلة يتطلب مراعاة توزيع الاختصاصات الدستورية وطبيعة كل قرار. وهكذا يصبح السؤال: أين تُصنع السياسات، ومن ينفذها، ومن يتحمل كلفتها أمام الرأي العام؟

المعارضة وإعادة بناء الرأسمال الأخلاقي

حَسَمَ العدالة والتنمية اختياره للمعارضة بعد الانتخابات، وهو اختيار قد يتيح له توظيف حضوره البرلماني لإعادة بناء قدرته على التعبئة. فالأسئلة الموجهة إلى الحكومة، والمداخلات في الجلسات، ومناقشة القوانين، تتيح للحزب إنتاج مادة سياسية يمكن اقتطاعها في مقاطع قصيرة وتداولها عبر المنصات الرقمية، وربطها بقضايا تمس الحياة اليومية للمواطنين. وهكذا يستطيع تحويل مساءلة الحكومة داخل البرلمان إلى خطاب جماهيري خارجه، يستقطب التفاعل ويعزز صورة الحزب بوصفه مدافعاً عن مصالح المواطنين في مواجهة السلطة. وقد يسهم هذا الربط بين المنبر البرلماني والانتشار الرقمي في تجديد صلته بقواعده وتوسيع جمهوره، لكن نجاحه يظل رهيناً بصدقية خطابه وقدرته على الإقناع والتنظيم، لا بعدد مقاعده وحده. فالحكم يفرض الموازنة والتسوية والبراغماتية وتحمل مسؤولية القرارات، وقد يضعف صدقية اللغة الأخلاقية حين تتباعد الوعود والممارسة. أما المعارضة فتتيح استعادة المسافة من السلطة التنفيذية، وإحياء خطاب محاربة الفساد والدفاع عن الهوية والقيم ومساءلة النخب، وإعادة وصل التنظيم بالشارع. ومن ثم، يمكن للعودة إلى المعارضة أن تساعد الحزب على إعادة بناء رأسماله الأخلاقي والتنظيمي واسترجاع صورة النزاهة في مواجهة السلطة والمال وشبكات النفوذ. وتنسجم مع هذا الاحتمال مواقف حزبية ترى في المعارضة فرصة للحفاظ على وضوح الخط السياسي وتحقيق مكاسب يصعب تحصيلها داخل حكومة يقودها خصمه. لكنها تظل استراتيجية قابلة للنجاح أو الإخفاق؛ فالخروج من الحكم لا يمحو حصيلة المشاركة السابقة ولا يعفي منها.
ولهذا قد تكون المعارضة أكثر إزعاجاً سياسياً من المشاركة الحكومية: فالحكم يقيّد حرية التعبئة بكلفة القرار، بينما يوسع الابتعاد عنه هامش النقد. غير أن اختبار البديل يبقى قائماً. فما المشروع الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي المقترح؟ وكيف تتحول النزاهة إلى سياسات للتشغيل والتعليم والصحة والتنمية وإعادة توزيع الفرص؟ لا ينبغي لأي حزب أن يحتكر موقع “الضمير الأخلاقي” دون مساءلة قدرته على إنتاج الحلول.

البرلمان والفضاء الرقمي ورمزية رئاسة امرأة للحكومة

يتضاعف أثر المعارضة حين يمتزج حضورها في المؤسسة البرلمانية بحضورها على المنصات الرقمية. فالحضور الحزبي عبر فيسبوك وإنستغرام وإكس ويوتيوب، واستعمال أدوات التواصل والمشاركة في الحملات، يتيح تحويل المداخلات والأسئلة والمواقف إلى مواد متداولة خارج البرلمان. وامتلاك بنية تواصلية نشطة يجعل المعارضة أقوى تأثيرا في الفضاء الرقمي. وقد تتشكل معارضة هجينة تجمع زمناً مؤسساتياً تضبطه الأسئلة والملتمسات والتشريع والمساءلة، وزمناً رقمياً أسرع تتحرك فيه المقاطع القصيرة والتأطيرات الأخلاقية والتعبئة اللحظية. عندئذ قد تصبح القدرة على تحويل النقاش البرلماني إلى سردية شعبية مؤثرة عاملاً يضاعف وزن المقاعد، ويصل زمن الدعوة الطويل بإيقاع الانتشار الرقمي السريع.
وقد يتيح أسلوب المنصوري في القيادة للمعارضة الإسلاموية هامشاً أوسع لفرض إيقاع المواجهة، فإذا غلب على أدائها التدبير التوافقي والتواصل الهادئ على حساب الحزم والمبادرة في السجال السياسي، فقد تجد نفسها في موقع دفاعي أمام خصوم متمرسين في الخطابة والتعبئة، مثل بنكيران. فقيادة الحكومة تتطلب قدرة على الرد وصياغة خطاب مقنع والدفاع عن القرارات أمام الرأي العام. ومن دون هذا الحضور، تصبح رئيسة الحكومة أكثر عرضة للإحراج، إذا اكتفت بإدارة الملفات دون بناء حضور سياسي قادر على منافسة المعارضة داخل البرلمان والفضاء الرقمي. ويظل هذا الاحتمال رهيناً بأدائها الفعلي ومدى قدرتها على الانتقال من تدبير التوافقات إلى قيادة المواجهات.

بين الطهرانية الإسلاموية وشبكات الريع

لا ينبغي أن يتحول نقد أخلاقنة السياسة إلى تبرئة الأعيان ورجال المال وشبكات النفوذ، أو إلى التساهل مع الفساد الذي يتداخل مع الاقتصاد والإدارة والقرار السياسي. فكما أن اختزال الإصلاح في صلاح الأشخاص والموعظة لا يكفي لإنتاج التنمية، فإن اختزاله في البراغماتية وإعادة تدوير النخب والتحالفات لا يكفي لبناء مؤسسات عادلة. المطلوب تجاوز استقطاب يمنح أحد الطرفين احتكار النزاهة، ويمنح الآخر احتكار الكفاءة والتدبير. فليس كل صاحب مرجعية أخلاقية قادراً على الإصلاح، ولا كل صاحب مال أو خبرة إدارية فاسداً. إن معيار التقييم هو أثر السياسات وقابلية القرارات للمساءلة، وطبيعة المصالح التي تخدمها، وشروط الوصول إلى الموارد والفرص. وتحتاج مكافحة الفساد إلى معالجة شروط إنتاجه: استقلال القضاء، وشفافية الصفقات، وضبط تضارب المصالح، وتقليص الريع والزبونية، وتكافؤ الولوج إلى الاستثمار، وفصل النفوذ الاقتصادي عن القرار السياسي، وتقوية الأحزاب والمؤسسات الوسيطة. ويكتمل ذلك بتوسيع وعاء التشغيل والإنتاج والاستثمار المُنتِج، وجعل النجاح قائماً على الكفاءة بدل القرب والولاء. عندئذ تصبح النزاهة قاعدة قانونية قابلة للإنفاذ، والتنمية مشروعاً له وسائل ومؤشرات، ويغدو الفساد مكلِّفاً بصرف النظر عن هوية مرتكبه.

الوعي السياسي بوصفه اختباراً للإصلاح

تعيد انتخابات 2026 طرح سؤال يتجاوز تشكيل الحكومة: أي دولة وأي اقتصاد وأي مجتمع تنتجه السياسة بالمغرب؟ فإذا كان المشروع الإسلاموي مطالباً بترجمة مرجعيته الأخلاقية إلى تنمية ومؤسسات وضمانات للتعدد، فإن النظام السياسي والأحزاب المنافسة مطالبون بتحويل إدارة التوازنات إلى بناء مؤسسات قابلة للمساءلة. الحكومة مؤقتة، لكن المشروعات التي تتنافس على المجتمع قد تكون أطول عمراً منها؛ ولذلك ينبغي إخضاعها جميعاً للنقد، لا الاكتفاء بتقييم حضورها في السلطة. ويبقى سؤال الوعي السياسي الأكثر إحراجاً: هل توجد إرادة فعلية لدى النظام السياسي والأحزاب لبناء مواطن يمتلك أدوات الفهم والنقد والمساءلة، أم أن استمرار ضعف التأطير والتربية المدنية يتيح تدبير المجال الانتخابي عبر الأشخاص والشبكات والولاءات الظرفية؟ وهل تؤدي الأحزاب وظيفتها التربوية والإعلامية في تنمية معرفة سياسية مستقلة، أم تكتفي بالتعبئة الموسمية واستمالة الأصوات؟ لا يَفترِض هذا السؤال تواطؤاً موحداً بين الفاعلين، بل يدعو إلى اختبار إرادتهم من خلال ما يخصصونه للتثقيف السياسي، وشفافية المعلومات، وفتح النقاش، واحترام استقلال المواطن. فحين يظل المواطن بعيداً عن فهم المؤسسات والاختصاصات والبرامج وآليات المحاسبة، يَسْهُل اختزال الانتخابات في تدبير الأصوات، والعمل الحكومي في إدارة التوازنات، وتوجيه الاختيارات بواسطة الولاء أو التعبئة الأخلاقية أو النفوذ المادي. أما التربية السياسية المستمرة فتجعل الاقتراع والمساءلة والمشاركة ممارسة واعية للمواطنة. ومن هنا، لا يبدأ الإصلاح الحقيقي بتعديل القانون الانتخابي أو تبديل الوجوه وحدهما، بل ببناء وعي يتيح للمواطن فهم القرار، ومقارنة البدائل، ومحاسبة المسؤولين. ويكون الاختبار الأوضح لجدية الإصلاح هو استعداد الفاعلين لتكوين مواطن أقل قابلية للتوجيه، وأكثر قدرة على الاختيار والنقد والمشاركة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد