رسائل أوباما و بوتين

المصطفى المعتصم

في مقال سابق أشرت أن كل من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري و فيتالي تشوركين مندوب روسيا في الأمم المتحدة قد وجها رسائل واضحة للمعارضة السورية و للعواصم التي تقف ورائها ولنظام بشار الأسد ولمن يقف ورائه تفيذ بوجود اتفاقات وسقوف بين القوتين العظمتين لا يمكن لأحد تجاوزها … سقوفا تحددها الرؤية الإستراتيجية لروسيا وأمريكا المحكومة بموقعهما ومصالحهما أولا وقبل كل شيئ … ومن المفروض على الجميع تكييف سياساتهم وفق هذه الرؤية الاستراتيجية لا العكس. ولعل السعودية وحلفائها في المنطقة وكذا النظام السوري لم يستوعبوا جيدا رسائل كيري وتشوركين فجاءت تسريبات تصريحات الرئيس أوباما لمجلة أتلانتيك “The Atlantic” الاميركية ، وللصحفي الأمريكي “Jeffrey Goldberg” ، كما جاء قرار بوتين بسحب الجزء الأكبر من قواته العاملة في سوريا لوضع النقاط على الحروف وحتى يفهم الجميع ان الحل هو ما تراه روسيا وأمريكا .

بخصوص تسريبات مجلة أتلانتيك والصحفي المعروف “Jeffrey Goldberg ، أعتقد أنها ليست خلاصات رئيس أمريكي في نهاية فترته الثانية بل هي رسائل الإدارة الأمريكية للسعوديين ومن معهم. رسائل تجمع بين التهديد والنصح . تهديدات واضحة وأخرى مبطنة: – التهديد باتهام السعودية والخليجيين بنشر التعصب والتطرف والنموذج الصارخ هي أندونيسيا حيث انتقل هذا البلد من نموذج اسلامي توفيقي الى نموذج أكثر تعصباً بسبب السعوديين وغيرهم من “الخليجيين العرب” اللذين موّلوا ،خلال حقبة التسعينيات، المدارس الوهابية التي تدرّس النموذج المتعصب من الاسلام الذي تفضّله العائلة الحاكمة السعودية. – التهديد باتهام السعوديين برعاية الإرهاب حينما ذكرهم الأمريكان ان مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض لم ينسى أن أغلب منفذي هجمات 11 أيلول لم يكونوا إيرانيين وإنما سعوديون. – التهديد بإثارة موضوع حقوق الإنسان من خلال الإشارة إلى قمع السعودية وبعض حلفائها لشعوبهم وللمعارضة وتغاضيهم عن الفساد وتكريس عدم المساواة وإهانة المرأة. – من خلال اتهام دولا “جانحة” حليفة لأمريكا بمحاولة جرها الى حروب طائفية طاحنة لا مصلحة لها فيها ، أرادت أمريكا التأكيد أنها لن تنجر الى هذه الحروب، ولن تتدخل عسكريا في المنطقة التي لم تعد تصدر النفط فقط، وانما الإرهاب ايضا، وأنها ستركز على آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية حيث المستقبل. أمريكا وبعدما انتقدت الدور الذي لعبته فرنسا وبريطانيا وأدى إلى نشر الفوضى في بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ( ليبيا نموذجا) عادت لنصح حلفائها السعوديين أن يتقاسموا الشرق الاوسط مع إيران، ودعت إلى أن تتوقف السعودية وايران على تغذية الحروب بالوكالة ونشر الفوضى في كل من سوريا والعراق و اليمن ومطالبة السعودية وايران بإيجاد وسيلة فاعلة لتقاسم المنطقة والتوصل الى شكل من أشكال “السلام البارد” رسائل الرئيس الروسي بوتين للنظام السوري كانت أيضا في غاية الوضوح . فهو من خلال الإعلان عن سحب الجزء الأكبر من قواته العاملة في سوريا أراد أن يقول أن روسيا لم يرقها دعوة الرئيس الاسد لانتخابات تشريعية ولم يرقها رفض وزير خارجية سوريا للمرحلة الانتقالية و ترفض اتهام النظام السوري لمجمل المعارضة بالخيانة والإرهاب وطبعا أرادت روسيا أن تقول أنها لن تخوض الحروب من أجل إدامة حكم الأسد . فلادمير بوتين يأمل من هذا الموقف الضغط على النظام السوري بالمضي قدما في سيرورة الحل السياسي الذي اتفقت عليه روسيا مع أمريكا .

روسيا وإمريكا إذن يريدان ان يؤكدا أن هناك تفاهمات قد تمت بين القوتين العظيمتين اللتان تقرران شروط “اللعبة” في سورية وأن لا مجال لحديث آخر غير وجوب الإبقاء على الحلول السياسية التوافقية، في صدارة الأجندات والأولويات… وعلى الجميع القبول بهذه الترتيبات بما في ذلك حلفاء النظام السوري وحلفاء المعارضة والقوى الأخرى كتركيا وفرنسا وبريطانيا.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد