صدور كتاب “مدارات علوم التربية ـ التدريس والفن” عن دار النشر: للدكتور المصطفى المودني

ريتاج بريس :إصدارات

لا أحد يجادل اليوم في أن الفن ينبغي أن يكون له موطئ قدم في المدرسة، وأن يفرد له حيز في المناهج والبرامج التعليمية. فهناك إجماع على مشروعيته التربوية، وعلى دوره في تكوين الشخصية، وإشاعة روح الانفتاح والتواصل الحضاري، على الأقل على مستوى الخطاب. ذلك أنه في التطبيق، تلاحظ نسبية في تنزيل هذا المبدأ، إذ تدخل اعتبارات كثيرة تتصل بالميزانيات المخصصة للتعليم، وبالتمثلات السائدة في المجتمع، تمثلات تقيم تراتبية بين المواد الدراسية، فتبوئ المواد العلمية الصدارة، بينما تضع ما هو فني في مرتبة ثانوية.

لا يسعى هذا الكتاب إلى تتبع تاريخ التربية الفنية في المنهاج التربوي المغربي، ولا إلى تحديد موقع هذه التربية في الإصلاحات المتعاقبة التي عرفها نظامنا التعليمي، ولا إلى رصد واقع تدريس الفنون في المدرسة المغربية، وما يعرفه من مشاكل وصعوبات -وهي كلها مواضيع يجد فيها الباحث غير قليل من الدراسات والأبحاث-، بل آثر أن يعالج موضوعا ما يزال بكرا في العالم العربي، يتقاطع فيه الفن بالتربية وبتكنولوجيا الإعلام والتواصل. فقد نظر المؤلف إلى الفن ليس باعتباره محتوى تعليميا، بل بوصفه أداة بيداغوجية يمكن أن يستعين بها المدرس لابتكار بدائل ديداكتيكية تسعفه في تجاوز ما يصادفه من صعوبات وعقبات.

لم يعالج الباحث في كتابه هذا مطلق الفن، بل حصر حديثه على الفنون البصرية، وبالتحديد الفنون الأنفوغرافية، وهو اختيار له وجاهته. فالأنفوغرافيا كما هو معلوم ترتبط بالتكنولوجيا الحديثة المعتمدة على الرقمنة والحوسبة، ومن ثمة فهي تقدّم للممارسة التعليمية مزيتين على الأقل: الأولى هي أنها تجاري الميول العام لدى الشباب (المدرسين الجدد) والأطفال (المتعلمين) في عالم أضحت فيه الوسائل الرقمية من هواتف وحواسيب ولوحات حاسوبية… ضرورة من ضرورات الحياة، وبذلك تكون الأنفوغرافيا عاملا محفزا لقطبي العملية التعليمية التعلمية على السواء، والمزية الثانية هي أنها توفر للمدرس وسائل ومعينات ديداكتيكية غير مكلفة، قد تعوض ما تعيشه مدارسنا من خصاص مهول على هذا المستوى، وتفتح عوالم افتراضية تخلق بيئة تعليمية مشجعة على الابتكار والتجديد.

إن أهمية هذا الكتاب تكمن في أنه يدعونا إلى إعادة النظر في ممارساتنا التعليمية، ويدفعنا إلى التفكير ثانية في مواصفات المدرس، وشروط تكوينه، وفي الفرص التي يمكن أن يفتحها أمامه استخدام الفنون الأنفوغرافية لكي يطور كفاياته المهنية، وممارساته الديداكتيكية، ويضفي على أدائه جاذبية ونجاعة قد لا توفرها الوسائل التقليدية.

تبدو لمسة المؤلف واضحة في هذا الكتاب. فنحن نجد فيه عمق الباحث، وميله إلى الدقة والضبط والأمانة العلمية، وخبرة المدرس والمكون الذي استكنه، ومن زوايا متعددة، واقع التعليم بالمغرب لعقود، وروح الفنان التشكيلي والأنفوغرافي المبدعة، ذي الرؤية المستقبلية الثاقبة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد