نادية محروز، متخصصة في الصحة والسلامة والبيئة المهنية
تعتبر الأنشطة الصناعية المرتبطة بالأسفلت ومشتقاته من الصناعات الثقيلة التي يحظر إنشاءها في مناطق صناعية تخصص للصناعات الخفيفة و الغير ملوثة، أو أن تكون محاذية لمناطق مأهولة بالسكان نظرا لأثرها الضار على الانسان و البيئة.
وهنا نذكر ان المغرب يتوفر على ترسانة قانونية و تشريعية تؤطر مجالات الصناعة و الاستثمار و البيئة، والتي تصب في مصلحة الوطن و تضمن حماية سلامة المواطنين و المواطنات و صيانة الحيز البيئي و الثروات الطبيعية في ظل التنمية المستدامة، إضافة الى القوانين و الاتفاقيات الدولية التي انخرط فيها المغرب طوعا، وليس ببعيد عنا تنظيم الكوب 22 بمدينة مراكش.
ولكن؟ أين هي معاناة ساكنة حد السوالم من التلوث البيئي في ظل كل هاته القوانين والتشريعات و الاتفاقيات؟ من يسمع أصوات حناجرها التي اختنقت بالهواء المسموم ،الذي تستنشقه، قبل ان تبح من فرط الاحتجاج ؟ من ينصفها أمام المنشأة المصنعة للأسفلت التي تنفث سمومها ليلا ونهارا؟ متى و كيف تم الترخيص لهذه الوحدة الصناعية ؟ اين هي المسؤولية الاجتماعية والبيئية للوحدات الصناعية التي من المفروض انها منا وعلينا ؟
لم يعد يخفى على أحد معضلة التلوث البيئي بالروائح الخانقة التي ينتجها احد مصانع الاسفلت و الاغشية البيتومينية المتواجد بالمنطقة الصناعية مدينة حد السوالم ، فقد مرت بمراحل الاحتجاج و الشكوى و الإعلام و تدخل السلطات المحلية و الإقليمية، ليبقى متعثرا رغم زيارة لجان مختصة للمدينة وللمصنع المذكور و تسجيل كل الخروقات و الاضرار الناجمة عنه.
و قد استبشر المتضررون خيرا من الوعود التي التزم بها المصنعون، تحت ضغط الشارع والسلطات، وذلك بتخفيض الانبعاثات و معالجتها قبل إخراجها الى البيئة المحيطة ولكن ذلك لم يدم طويلا لتعود حليمة الى عادتها القديمة منتهزة انشغال الساكنة والعالم بجائحة كورونا….
و لقد زادت في الآونة الأخيرة حدة الروائح الكريهة والخانقة بالهواء المحيط بالمدينة مما يؤكد أن المسؤولين عن الوحدة الصناعية محل الشكوى لم يفوا بالحلول التقنية صديقة البيئة و يترفعون عن حماية سلامة الساكنة، فباشرت هذه الأخيرة التحرك من جديد ومواصلة الاحتجاج على هذا الوضع الغير صحي و بمؤازرة متراصة من طرف فعاليات المجتمع المدني وبعض من المشهد الحزبي والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي.
ان زرع هذه المنشأة وسط منطقة صناعية بمحاذاة وحدات صناعات استهلاكية كالأدوية والأغذية وعلى بعد مسافة غير آمنة من السكان يطرح السؤال عن جدوى شرط تقديم ” دراسة الأثر البيئي” و تقييمها قبل الترخيص لأي نشاط صناعي ، بل نتساءل أيضا وبشدة عن دراسة وتقييم المخاطر سواء البيئية والصحية و الاقتصادية والاجتماعية بعد الانشاء والتشغيل ؟؟؟
ان كل الصناعات و النشاطات المرتبطة بالأسفلت لها مخاطر و آثار جسيمة على الحيز البيئي المحيط وعلى الانسان والحيوان وقد تم إثباتها عن طريق بحوث علمية كثيرة ومراجع دولية لا يسعنا ذكرها هنا، تحتم على المعنيين بالأمر ، من أصحاب المصلحة والسلطات، الاستماع الى صوت المتضررين وﺇنصافهم.
ولتكن لنا أسوة حسنة في مشروع المجمع الصناعي النموذجي المزمع اقامته بمنطقة الساحل الخيايطة الذي يرتكز على الاستدامة البيئية والاجتماعية وانتفاء المخاطر الكبرى.