الشحَّاذ ..

اليوسفية:  جبلالي وساط

ماتت زوجته، شاخ ولم يَعُد باِسْتطاعَته أن يَعْمَلَ كأجِير عند الآخرين، لم يكن لديه أبناء، يملكُ كوخاً صغيراً وحماراً أعجف، وأهالي الدُّوار أصبحوا يتفادونهُ ولايرُدُّون عليه التحية.
في ذلك اليوم اِستيقظ عِنْدَ الفجر، اِمتطى حمارهُ واِتَّجَه نحوالمدينة التي تبعد بعشرين كيلومتر، وصلها بعد أن حلَّ الصباح بوقت طويل، ربِط حِماره بجانب إحدى الأشجار عند مدخل المدينة، وبدأ يسيرُ في الشوارع على غيرهدى وطَرقات عكازته ترِنُّ على الإسفلت٠
كان قد قرَّرَ أن يُصبِحَ شحَّاذا، وقَفَ على الطِّوار بأحد الشوارع، وبدأ يُفَكِّرُ في الكلمات التي سيستعمِلُهاَ لاِستجداء المَّارة، لَكِنَّهُ حتّى بعد أن اِهتدى إلى الطريقة، ظلّ لفترة يترَدَّدُ في أن يتقدَّمَ من أحدهم. اِستجْمَعَ أخيراً شجاعته، واِعترض سبيل شخص أصلع، ذي كرش منتفخة وشارب كث، وبصوت خافت قال له :
ـ الله يرحم والديك، زوجتي نفساء ولا أجد ما أصرفه عليها.
نظر إليه الرجل السمين بتهكُّم وأجابه:
ـ غريب أمرك، رجل هرم زوجته نفساء ! ألا تستحي أيها الكذَّاب ؟
لكن المسكين بسبب ثقل سمعه لم يستوعب ماقاله له، ولم يفهم سِرَّضحك جماعة من المّارين، وظل في مكانه كلما مرَّ به أحدٌ يتقدّم نحوه، وبصوته الخافت يستجديه:
ـ الله يرحم والديك، زوجتي نفساء ولا أجد ما أصرفه عليها.
كانوا يجعلون منه مادَّة للسخرية، فيسألونه عن سِنِّ زوجته، وعن الاِسم الذي اِختاره لاِبْنِه، باِستثناء القليلين الذين كانوا يُشفقون عليه.
وحين حلَّ المساء، كان قد حصل فقط على بعض الدريهمات، لكنه حين عاد إلى جانب الشجرة، وجد أن حماره قد اِختفى، وكان التعب قد هدَّهُ فنام تحت الشجرة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد