أغمات.. من مملكة كتبت التاريخ إلى قرية بدون تاريخ

الكاتب والباحث علي مفتاح

كل طرق الإقصاء والتهميش المعلن والخفي تؤدي إلى أغمات، أغمات هذه القرية التي، من فرط اللا تغيير واللا إقلاع المضروب عليها، تحصي مآثرها كما تحصي الخيبات التي عمرت عجافا لسنوات عديدة، وهي الطفلة التي كانت فيما مضى ،تنسج للتاريخ عباءات وابتسامات للعابرين للضفة المشرقة للذاكرة الحية، أغمات وأن اختلفت الروايات كانت قبلة الحالمين بنقش الاسم ووشم الخطوة وهي تمشي مزهوة نحو ذلك الغد الذي سيذكره التاريخ ولن ينساه، أغمات كانت البدء والمنطلق لحضارة يفتخر المغرب الأقصى كله أنه ينتمي إليها وتنتمي إليه، والمرابطون الجدد ها هنا، يكتبون سيرة القرية التي كانت فيما مضى مملكة، وأصبحت اليوم رصيف العابرين نحو التهميش والاذلال في كل تجلياته، ماذا صنعت أغمات لكي تساق وسكانها الطيبون نحو الموت السريري، فلا التعليم تعليما، يفتقد لأدنى الشروط التربوية والتعليمية، مدارس مهترئة، نخرتها السنين وأكلت من حائط مبكى الأبجديات، مؤسسات تعيش دمار سياسات القطاع، فحجرة الدرس تخلت عن ملامحها ولبست حلة اسطبل بلا ملامح، حجرتان لكل المستويات، إنها سياسة مقصودة من نظام تعليمي فاسد، يبني مقوماته وخططه الماكرة كي يبقى الوضع على ما هو عليه ،فالتلميذ لا يعمر طويلا في مقعده، والمحظوظ بينهم من يقاوم حتى يصل إلى الشهادة الابتدائية، شهادة “سرّاح” بلا قطيع، كل الاحصائيات الرسمية والاستطلاعية تؤكد أن واحدا من خمسة تلاميذ ينتقل الى الاعدادية، والمسافة الفاصلة بين كل الدواوير الواقعة بمنطقة “تامسولت” والقرية وإعداديتها الوحيدة تصل الى 12 كلم، انه رسم سريالي، تجريدي لا يمكن لأي باحث أن يفك طلاسمه المعقدة، ودار الطالب الوحيدة المتواجدة بالقرية لا تتوفر على أدنى شروط الإيواء، قلت دار الطالب ولم أقل دار الطالبة، فالفتاة هنا يحدد مصيرها مسبقا من قبل عقلية ترى في الطفلة آلة، أداة مكانها الحقل والبيت، فجمالك يا زينب النفزاوية وحكمتك التي كان لها الدور الفاعل في رسم معالم دولة قوية فيما مضى، لم نستطع أن نستوعب مضامينه كي نغير من هذه الصورة الدونية للمرأة والفتاة القروية، مع العلم، وللأسف الشديد، أن خطابهم الرسمي يسعد بالتغني والتطبيل للانتصارات والإنجازات الواهية والهشة فيما يصطلحون على تسميته ب “سياسة النماء والبناء والمساواة بين الجنسين”، استيقظوا من سباتكم، يرحمكم الله  .

سرت طويلا بين الاحراش والمداشر، الجبال هنا صامدة صمود ساكنتها، غابات ووديان، وكل المؤهلات الطبيعية الفاتنة تعطي الانطباع الجميل والحالم، أن المنطقة مؤهلة لكي تلعب دورا مهما وفاعلا في النسيج السياحي، الغابات هنا تتوفر على ثروة نباتية وحيوانية مهمة جدا، لكن غياب سياسة ترشيد حقيقية للقطاع الغابوي وغياب شبه تام لفاعليات المجتمع المدني وكذلك تقاعس المسؤولين في أداء واجبهم المهني، افرز لنا واقعا غابويا يدمي الفؤاد، نهب شبه يومي للغابة وقتل ممنهج لكل معالمها وملامحها، أكوام نارية هنا وهناك لصنع الفحم الخشبي، قطع كل مختلف الاشجار بطريقة وحشية وغياب، وان لم أقل تواطؤ، المسؤولين عن حماية الغابة من هذا الدمار الكاسح الذي قد يؤدي بنا الى كارثة بيئية، هذا بالإضافة إلى شبه غياب جمعيات المجتمع المدني التي كان من المفروض أن تلعب دور المرشد التحسيسي لحسن تدبير القطاع وصيانته والمحافظة عليه من تلك العصابات التي تتقن وأد الجمال.

قلت وأعيد، أن كل الطرق تؤدي الى معاناة هؤلاء الطيبين، في صمود يبتسمون للجرح، يضمدوا جراح بعضهم البعض، قد ينسل المرض إلى أحدهم لدغة عقرب، يكتفون بما تعلموا من وسائل الصمود أمام المرض والنكبات الصحية، فالقطاع اللا صحي مريض في كل ربوع هذا الوطن العزيز، لكنه هنا على فراش الموت يكتب وصيته الأخيرة: “تدبروا أمركم أيها الفقراء”، مستوصف واحد ب”اثنين أوريكا” يتيم يأتي اليه المرضى من كل فج سحيق، طبيب واحد ومولدة، لا شروط صحية ونظافة المكان أعلنت الحياد، كل الاخطاء الطبية معلنة هنا، فمخاض الولادة يطلب التأجيل، سيارة اسعاف واحدة تتوسل من يسعفها من هذا المآل، طابور طويل والكل يئن، وقاعة الانتظار مازالت تنتظر من يقوم ببنائها ويرفقها الى هذه المؤسسة الصحية التي تسمى مجازا بمستوصف المنطقة .

كفاكم عبثا بهؤلاء المستضعفين، الذين شاءت أقدارهم أن يمشوا في الظل، لا يلتمسون سوى جرعة كرامة، فالواقع المزري لكل هذه القطاعات الحيوية ومشاهدها المرضية تعطي الدليل أن الصبر مع الصمت هو مسار حياة فرض على كل المستضعفين هنا، وربما غدا أو بعد غد، قد يتحول بحد سلطة البحث عن العيش الكريم الى أفواه تجيد الدفاع على منظومة الانسان في كل تجلياتها وبكل الطرق.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد