ملف العدد: مجتمعُ مدنيُّ «الدولة – الـمخزن»
نوافذ: أحمد الحارثي
لا يمكن تفكير المجتمع المدني بدون المجتمع السياسي. إذ تشكلا تاريخيا بتلازم في ظل الحداثة التي تعرف وحدها انفصال السياسي لأن عزل الوجود الخاص برز فقط معها. تنتج الحداثة تجريد الدولة السياسية، وتتسم بتعميم ونشر ثقافة التجريد ببراعة؛ وتظل محكومة واقعيا بالكيانات المجردة، بالتجريدات الواقعية التي تبسط سلطانها على الكون. وهذه التجريدات الاجتماعية، العملية، المنجزة تاريخيا، تسيطر على المجتمع وتُخْضِع البشر إلى سلطتها؛ تحيل إلى الشيء لا إلى الكلمة، إلى العلاقة الاجتماعية لا إلى المقولات النظرية والتجريدات الفكرية/الذهنية. يعمُّ هذا التجريد العمل المجرد خالق القيمة: العمل بشكل عام الذي يتمظهر في الأجارة، ويعبُر كقيمة تبادلية أماكن الإنتاج؛ ثم العمل العام الذي يتجسد اجتماعيا وبالملموس في المال كمعادل كوني، ويشكل مادة القيمة مع أنه، مثلها، لا يتضمن ولو ذرة من المادة. ينجم عن خاصية هذا التجريد ظاهرة خصوصية هي الاستلاب الجديد الذي يجعل العلاقة الاجتماعية بين الكائنات تكسو شكل علاقة سحرية بين الأشياء، أشياء يخلقها البشر وتتحول إلى آلهة يَعْبُدونها.
يمتد فعل الصنمية السلعية إلى السياسي والقانوني كما يتجسدا في الدولة كتجريد واقعي. منذ ولوجه عالم السلعة التي هي الشكل الخصوصي للثروة الاجتماعية الكونية، يتحول منتوج العمل إلى لغز منبعه اتخاذه الشكل-البضاعة، شكل يقبع سره هو في خلق الاستشباح الذي يجعل العلاقة الاجتماعية الإنسانية بين المنتجين في الشغل تتمظهر للبشر، كما هي عمليا وواقعيا، كعلاقة اجتماعية بين منتوجات العمل. خلق الإنسان هذه المواد بيده، لكنها تبدو مستقلة عنه، لها حياة خاصة، تربط علاقات معه وفيما بينها.
تنتقل الصنمية المستبدة بحياة الأفراد من الاقتصادي إلى السياسي والقانوني. نفس الازدواجية بين الملموس والمجرد تميز العمل كنشاط في الأزمنة الحديثة، وتغلف الفرد الاجتماعي الذي ينقسم إلى إنسان خاص وإلى مواطن، وإلى فرد موضوع حق. يكدح الفرد الواقعي يوميا: يدبر أهدافه في الحياة (عيش، إلخ.)، ويلج في لحظات دائرة التمثيلية السياسية والقضاء في دولة الحق والقانون. يتجدد تقسيم المدني والسياسي، كما يتضح وضع القانون. يَحْجُبُ شكلُ القيمة علاقةُ الاستغلال الرأسمالية، مثلما يُخْفي شكلُ الديمقراطيةِ السيطرة السياسية، ويَسْتُر شكلُ القانون إضفاءَ المشروعية على ممارستها.
يمر تشريح المجتمع المدني بالاقتصاد السياسي؛ وقلبه النابض هو العمل كنشاط مستقل في ظل الحداثة، مفصول عن باقي العلاقات الاجتماعية. في العمل، يفقد الإنسان ذاته، يصير بلا شيء وهو كل شيء، يُميت جسده، يدمِّر روحه، يحس بالغربة وليس كأنه في بيته. وقت العمل المأجور محسوب، له قياس مجرد، مستقيم ومتجانس؛ لا محل فيه لأي نشاط اجتماعي آخر إلا الكدّ. يسود الزمن المجرد على باقي الأنشطة، سواء الضرورية منها أو غير الضرورية، لإعادة إنتاج قوة العمل، وذلك تحت سطوة كل التجريدات الواقعية: “عبادة المجرد”.
في المغرب، لا يوجد مجتمع مدني وفق هذا التصور. لم يبرز شكل الدولة من صلب المجتمع المغربي بحكم العجز في خلق سوق وطنية وبورجوازية كونية. تستمد الدولة طبيعتها الرأسمالية من دينامية التراكم الرأسمالي العالمي الذي زرعها، ولم يعمل سوى على تمكينها من التكنولوجيا السياسية دون تغيير شكلها الاستبدادي الذي يستند على التقليد لإضفاء المشروعية على النظام. تم إنتاج الدولة-المخزن المجهزة بأدوات دولتية حديثة والمسلحة بالتقليدانية السياسية – وبالدين، التي استبدت بالمجتمع كاملا.
مع تطور التخلف السياسي والمؤسساتي، وتعزيز الانبساط الاقتصادي، يخترق المخزن جزئيات الحياة الاجتماعية بتوظيف قواه الخفية والظاهرة. إنه صنم حقيقي يستوجب فقط الولاء الأعمى لظلاله. يكبح كل الوسائط الاجتماعية المعتادة ليمزجها في نسيج مجتمعي مركب، هجين. بدل تشكل مجتمع مدني حقيقي أدنى، نشهد تضخم وعاء مفترض له عبر مستنقعات الريع الاقتصادي والسياسي التي يتغذى منها حتى التخمة، كي يهيمن ككيان يمكن وصفه: «مجتمعُ مدنيُّ الدولة-المخزن»…
ولعل المساهمات التي تؤثت هذا الملف، في هذا الجزء الأول منه وفي الجزء الثاني الذي سوف يليه، قد تفيد القراء في ملامسة بعض معالم المجتمع المدني في علاقته بالدولة السياسية، خاصة في المغرب.