حقيبــــة ســــفر

بقلم الأديبة المغربية ليلى مهيدرة

احتار كيف يودعني وكيف يلملم حقائبه ويفرغ الدولاب المشترك، أغمض عينيه متظاهرا بالنوم بينما كنت أجاهد نفسي حتى لا تدمع عيني أمامه وحتى لا يدرك أن ما بيننا أكبر من كل الكلمات وأصدق من أي تصريح، جموده المتصنع يعذبني أكثر

ونصائحه وكلماته التي رافقتني طوال الأيام الأخيرة تعيد نسجها  أمامي شريطا يكرر نفسه عمدا، قبل شهر كان كلامه أكثر ثقة وكأن الشهر بتعداد أيامه لن ينتهي لكنني بكيت يومها وحشرجتي اختلطت بحشرجته لتعلن أن الفراق هو القدر المقدر لعابري سبيل مثلنا التقيا ودون أن يتواعدا كان الوعد، مضى الشهر بعده التنازلي واقترب الموعد، أصبح الصمت رفيقنا وحوارنا وحتى الصراخ، أصبحنا في كل يوم ننسج ألف حجة للحوار لكننا في كل مرة نفشل، كيف نتكلم عن أمر ونحن نفكر في أمر آخر، مكبلين إلى ساعة أضخم من أجسادنا دقاتها لا تلين ولا تتأخر ولا تتعطل…

تقلب في الفراش معلنا عن نوم مفتعل، انسحبت خلسة واحتضنت فنجان قهوة ساخن وامتطيت النجوم من خلال نافدة تكاد لا تبصر إلا السماء، فكرت في أشياء عدة  وأشياء أخرى فرضت نفسها على تفكيري، غرقت في دموعي وأغرقتني الهواجس والوساوس، قاتلتها وقاتلتني حتى فتحت للحمد قلاعي وأبحرت في سفينة الرضا وما كنت يوما عنها  لأتأخر، واقتنعت أخيرا أن الأشياء بالأبعاد التي نمنحها إياها، تماما كالنجوم التي تكاد تكون اقرب إلى من الأرض وأنا هنا بنافذتي فلما نحزن والسفر مجرد لعبة سخيفة من القدر، يداعبنا بها، لم لا نرسم السفر بعقولنا فسحة تلتقي ألوانها في السماء كقوس قزح، لم لا نتقمص في كل ليلة جناح طائر يقف على سقف الآخر، يذكره بالوعد، ويعلمه أن المسافات هي إحساس داخلي لا أكثر، فأينما كان الطرف الثاني فهو أقرب إليك من ذاتك..

وضعت فنجاني الشبه فارغ على الطاولة وفتحت الدولاب وجهزت حقيبة سفره وخططت على ورقة معلقة بها

سافر

تنأى أنت عني

ولا عنك أنا أرحل 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد