العفيفة

بقلم / بوخلاط نادية وهران / الجزائر

 كانت كل ليلة تعود مرهقة و تخفي بين ثنايا معطفها بقايا من الأكل بعد انتهاء استعراضها الراقص لتطعم والدتها المريضة و والدها العاجز ،لا أحد كان يدري ما كانت تشتغله تلك الفتاة الجميلة ذات الملامح الطفولية البريئة،كل ما كانوا يعلمونه أنها كانت تعود في جنح الليل في وقت متأخر جدا و هي تستقل سيارة اجرة توصلها حتى باب بيتهم المهترئ الذي كان أقرب الى القبو اكثر منه إلى بيت.

في النهار كانت تسهر على رعاية والديها و تلبي طلباتهم و تنظف الغرفة و تغسل الثياب و تقوم بشؤون البيت كأي فتاة، و في آخر النهار تخرج متدثرة في معطفها الطويل شتاءا و ملاءتها السوداء صيفا

لم يكن أحد في الحي يشك في أي شيئ و لا في خلق الفتاة الشابة،فهي كانت بارة  بوالديها و محسنة إلى جيرانها ،عندما كانت تزورها جارتها العجوز “ام البخت”،كانت تراها تنظف البيت و تطعم والدها العجوز المقعد ،و تساعد والدتها المسنة و المريضة في تناول الدواء،لم يكن ينقصها شيئ ،فكلمة الحمد لله دائما يلهج بها لسانها و لا تفوت وقتا للولوج إلى الزاوية التي كانت تنام فيها لتخصص وقتا للصلاة و الدعاء ،و حين كانت تعود في الليل المتأخر تمسح المساحيق عن وجهها و تخلع معطفها و ثياب الرقص و ترتدي ثياب الصلاة، حيث كانت تقوم و تتوضأ و تقف بين يدي ربها خاشعة ساجدة  تصلي ما فاتها من أوقات ،تتقرب فيها اليه و تدعوه آن يفرج همها و يحفظ لها والديها.

كانت لهذه الفتاة أخت تزوجت رجلا ثريا ،اوسعه تجارته و كثرت زياراته للبقاع المقدسة هو و زوجته التي كانت نادرا ما تأتي لتعيل والدتها حاملة بعض الحلوى ،و بعد سنوات عديدة إنقطع مجيئها و قلت زيارتها لوالديه ،لم تكن شقيقتها التي تحملت عبئ رعاية والديها تشكوا همها إلا لجارتها و صديقة عمرها “ام صاموئيل” المسيحية  والتي برغم فارق السن بينهما كانتا كالشقيقتين لا تفترقان ،لكن حتى تلك المرأة لم تكن تعلم إلى أين كانت تذهب الفتاة حين تميل الشمس للمغيب حين تطرق بابها و تسلمها مفتاح البيت للاطمئنان على والديها في غيابها و لم تسألها يوما عن طبيعة عملها و لا أين تذهب .

“ام صاموئيل” كانت امرأة متدينة جدا و مؤمنة و تعيش مع ابنها الوحيد الذي انجبته من زوجها الذي استشهد في حرب الاستنزاف .

كانت شقيقة تلك الفتاة قد اسست جمعية و تبرعت لبناء دار للايتام و مسجد و كثر الحديث عنها و اشتهرت بلقب الحاجة أم المساكين ،لكن الكل كان يجهل بأن تلك المحجبة الورعة كانت تخفي خلف ذلك الزي قلبا قاسيا و جاحدا و ناكرا لوالديها و عاقة لهما،  و بأنها لم تعد تأتي لذلك الحي  الفقير و تشعر بالخجل من ذلك البيت البسيط الذي عاشت فيه صباها و كبرت بين جدرانه فقط لأنها كانت تستحي من فقر والديها و شقيقتها .

مرت الاعوام و “ملاك” ترعى والديها إلى أن اشتد المرض على والدها و  ساءت حالته ، فكانت ترعاه صباحا و تتكفل به صديقتها “ام صاموئيل” مساءا إلى أن وافاه الأجل و تكفل صاحب المرقص بتكاليف الجنازة و منحها مبلغا من المال حين علم بالصدفة من زميلة لها  ما تعيشه تلك الراقصة الحسناء من ألم و ظنك العيش، و استغرب أنها لم تشتكي له همها يوما ،و كيف كانت تغادر المكان بمجرد انتهاء عرضها الراقص،فتستلم أجرتها و تعود إلى بيتها الذي خاله هو شقة فخمة في أرقى الاحياء و لم يتخيل او يشك لحظة واحدة  بأن حيا فقيرا معدما هو من أنجب هذا الجمال و تلك الأخلاق السامية.

في إحدى الليالي عندما غادرت الكباريه  قرر صاحب المحل أن يتبعها ،و بمجرد امتطاءها سيارة الأجرة قاد سيارته خلفها و يتبعها بحذر حتى لمحها تنزل و تلك ذلك البيت الفقير،شده الفضول فركن سيارته  في مكان غير بعيد و استرق النظر من زجاج النافذة الخلفي لذلك البيت الهرم  الذي تآكلت جدرانه بفعل الرطوبة  فلمحها تخرج من زاوية مظلمة و تتوضأ وهي مرتدية ثياب الصلاة ،و تبسط السجادة و تصلي داعيتا ربها في خشوع و وقار،ثم  تذهب و تأتي بالاكل الذي كانت قد جلبته معها و تطعم والدتها بيديها برفق و حنان.

ادهشه ذلك فقرر ان يجمع اشطر شجاعته و يطرق الباب،فاءندهشت حين رأته واقفا امام بيتها و سألته ما الذي جاء به الى هنا و لما تبعها ، فقال لها ادركت من أول يوم أتيت للعمل في المحل انك لست ككل الراقصات ، كان ثمة نور يشع من وجهك لم ادرك مصدره،اليوم عرفت ان مصدره هو طاعتك  لربك و برك بوالديك وتعلمت درسا مهما في الحياة  وبأن المظهر لا يعكس الجوهر  بالضرورة و العكس صحيح

اومأت براسها ايجابا و قالت له أتدري من تكون شقيقتي؟

قال نافيا لا ،هل هي راقصة ايضا؟

لا شقيقتي هي من ينادونها بأام المساكين، هي من شيدت دار للايتام و بنت المسجد،نعم تلك هي شقيقتي زوجة الحاج رضا صالح الصائغ

لا غير ممكن….،مستحيل

بل هي شقيقتي،لقد كنا نحن ايضا اسرة ميسورة وكان والدي يملك مصنعا للقماش لكن شاء القدر و اتى حريق على كل ما كنا نملكه و افلس والدي و اصيب بجلطة دماغية جعلته مقعدا بسبب تلك الصدمة و مرضت والدتي بعده بسنة ،و لم يكن لدينا معيل ،فوجدت نفسي مضطرة للخروج للبحث عن عمل ،بعدما تنكر لنا القريب و البعيد و صرنا فقراء،الناس لا ترحم و لا يهمها سوى المظاهر،لقد وجدت مشكلة في الحصول على عمل فكل باب طرقته الا واجهت فيه مساومة على شرفي ، فكنت اذهب الى حال سبيلي ولا أعود اليه ثانية

عندما اوصدت في وجهي كل الابواب نصحتني سيدة بالعمل كراقصة استعراضية ،في البداية بدا لي الامر مستحيلا و امام ضغط الحاجة طرقت باب محلكم و كان أول كاباريه اقصده،و باشرت العمل ،كنت أؤدي استعراضية و اعود إلى بيتي لأرى شؤون والدتي ووالدي التي كنت اتركها في رعاية جارتي أم صاموئيل مساءا،و أقوم بأشغال البيت من طهي و تنظيف و تغيير ملابس والدي و تحميمه صباحا .

عندما كنت أاتي في جنح الليل أعود إلى بيتي مرهقة،اتفقد أمي و أبي و ألج إلى محرابي و اصلي داعية من الله أن يحميني من الذئاب البشرية و أن تظل روحي نقية و كانت والدتي ووالدي راضيان عني و ظلا يظنان بأنني اعمل في ورشة للخياطة و لم احسسهم يوما بأنني سأمت ذلك العيش و لا اشتكيت أمامهم ولا في حضرتهم من التعب و لا تذمرت من واقعي ، فقد كنت صابرة محتسبة و واثقة بربي.

و ماذا عن شقيقتك المتدينة لما لم تساعدكم  لتنتشلكم من هذا الفقر المذقع بما انها كانت غنية ؟

كانت تستحي من فقرنا،….. المال قد استوطن بقلبها فعمى بصرها و بصيرتها،كانت في عملها الخيري تبحث عن رضى العباد و ليس رب العباد

تعجب صاحب المحل من كلامها ،فزاد اعجابا بأخلاقها ،فقال لها متحرجا:

سأعهد إليك شؤون إدارة محل تجاري للالبسة،لن تعودي إلى الرقص  بداية من هاته اللحظة، سيكون المحل تحت تصرفك و استحلفك بوالدك آن لا ترفضي و عندما تستقيم احوالك لك أن تبقي أو تتركي العمل

لكن والدتي؟

سأكتري لك شقة بجانب المحل و يمكنك الذهاب و تفقدها من حين لحين و في ساعات انتهاء الدوام ،اقبلي يا ملاك و لا تحرجيني بالرفض،اريده عملا خيرا أسعى من خلاله التقرب من الله،لقد منحتني درسا في الطاعة و التوبة خيرا من ألف موعظة

وافقت الفتاة على العمل و ردت عليه محرجة  :

مادام هذا العمل سيصون كرامتي و يحفظ شرفي فلن امانع

إذن غدا سأصطحبك إلى مقر عملك الجديد و ستنتقل من هذا البيت في غضون يومين،جهزي نفسك

كانت الفتاة بين فرحة و متوجسة،لكنها كانت تدرك في ذات الوقت بأن صاحب الكاباريه كان إنسانا جيدا و لم يقلل ادبه معها يوما ،و كان يحترم خصوصياتها

في اليوم التالي جاء ليصطحبها إلى محل الالبسة الكائن في شارع راقي و مزدحم بوسط المدينة ،و هناك سلمها مقاليد التسيير

اعتبري المحل محلك ،أعلم أنك تحسنين التصرف

باشرت عملها في اليوم التالي،و مع الأيام اخذت تتعود على أجواء العمل،و كسبت قلوب الزبائن و احترامهم،و بارك الله لها في عملها و اكتملت فرحتها باءنتقالها إلى البيت الذي استأجره لها صاحب الكباريه و الذي ظل يراقب من بعيد ممارستها لعملها،فدهش لامانتها و اخلاصها في العمل ، ففاجأها ذات يوم بزيارته لها و هو يحمل ملفا و طلب منها التوقيع على بعض الأوراق.

عندما نظرت إليها و تصفحتها كان عقد الشقة التي سجلها باءسمها ،فتساءلت عن الدافع الذي جعله يصنع معها كل هذا المعروف ،فقال لها بأن ذلك هو حقها و أجرتها بعدما تضاعفت أرباح المحل

وقعت الأوراق و  ملامح الدهشة تعتلي محياها ، وبدا لها و كأنها في حلم

بات صاحب الكاباريه يفكر في ترك أجواء المحل النتنة وبيع الكباريه و شراء سوبر ماركت   يمارس فيه نشاطه ، ظل التفكير يأرقه و يقظ مضحعه ، و صارت غياباته متكرره عن الكباريه و عهد ادارة شؤونه الى احد العاملين متحججا بمرضه

في ذلك الصبارح البارد قرر الرجل تأجيل كل اعماله و الذهاب في زيارة الى أمينة في بيتها الجديد ليرى ان كانت بحاجة الى شيئ ما ، فتوقف عند احد افخر محلات بيع الحلويات و اشترى علبة حلوى و توجه نحو مقصده  و اختار ساعة انتهاء الدوام عند الغذاء

كانت الفتاة قد تركت المحل و اتجهت الى البيت و حضرت الغذاء في عجالة  لوالدتها و كانت قد دعت الى مائدتها صديقتها و جارتها ام صاموئيل  لتشاركها فرحتها ببيتها الجديد

كان ما كانت تعيشه اشبه بالحلم الذي لا يتحقق الا في الافلام لكنه كان حقيقة لم تكن قد صدقتها بعد ، خالتها حلم سيأتي وقت و ستستيقظ منه

عندما رن جرس الباب اسرعت  ملاك لتفتحه، و فرحت و هي تلتقي ام صاموئيل جارتها المسيحية البارة  و كاتمة اسرارها  و معينتها ايام الفقر و العوز و سندها في تلك الحياة و الظروف الصعبة

حام نظر الزائرة في ارجاء البيت و دهشت لفخامته و قالت لها مندهشة

هل هذا البيت تقطنينه لوحدك ؟

ضحكت الفتاة ملئ شدقيها و هي تطمئنها اسكنه انا و أمي ،انها في غرفتها تشاهد التلفاز

سأذهب لرأيتها اذن

نعم تفضلي هذا منزلك لا تعتبري نفسك ضيفة انت صاحبة البيت

اتجهت نحو الغرفة و معالم دهشتها تتعاظم ، لم تكن لتصدق ما رأته عيناها ، انها معجزة الاهية، هكذا قالت و هي تحدث نفسها

انقشعت اسارير العجوز و هي تلمح  “ام صاموئيل” و هي آتية نحوها فقبلتها بحرارة مرحبة

كان وجه تلك السيدة يحمل كثيرا من التساؤلات و لكن فضلت ان تعرف التفاصيل من صديقتها، اكتفت بسؤال العجوز عن صحتها و امورها  لتقطع “ملاك” التي انبعث صوتها من غرفة الاستقبال رنانا و هي تردد الغذاء جاهز يا “ام صاموئيل” ، ساعدي والدتي في الجلوس على كرسيها المتحرك رجاءا

حاضر ردت الجارة مغتبطة  

عندما ولجت الى غرفة الاستقبال دهشت من أصناف الاكل التي حضرتها  ملاك التي عرفتها طوال الوقت بأنها سيدة بيت ممتازة

جلست النسوة الثلاث تتناولن الغذاء  في جو من الفرح و السرورو هن يسترجعن ذكريات الماضي، و بعد الانتهاء ساعدتها “ام صاموئيل” في غسل الصحون ، و كثير من الاسئلة لا تزال تدور بخلدها ، لم تستطع أن تخفي فضولها حين تفحصت وجهها صديقتها و كانت قد فضحتها تقاطيع وجهها

ماذا تريدين أن تسألي قالت لها  ملاك مبتسمة، هيا سلي ما شئت

شعرت ” ام صاموئيل”  بالحرج و لم تدر  كيف تخفي احراجها و قد توردت خدودها خجلا

أريد فقط ان اعرف هل هذا المنزل الفخم لك ؟

اصبح لي يا عزيزتي ، لا يمكنني اخفي عليك شيئ كهذا

يا الاهي  انها معجزة من الله  جزاء صبرك و تفانيك في خدمة والديك و طاعتهم

هو كما قلت عزيزتي ، انها معجزة تشبه الحلم

هي حلم ، نعم حقا حلم  جميل ، بل لنقل معجزة …..

قضت “ام صاموئيل” بعض الوقت مع صديقتها لتقرر المغادرة

عادت ” ملاك” للمطبخ و ما هي الا نصف ساعة حتى سمعت نقرا على الجرس  باءلحاح ، اتجهت مسرعة لتفتح و لم يكن الطارق سوى صاحب الكاباريه ، تفاجأت و هي تراه واقفا أمامها و في عينيها الكثير من التساءلات

قطع شريط تخميناتها و مد اليها  الطورطة و هو يرسم ابتسامة  محاولا ان يشعرها بالاطمئنان

هل سأبقى واقفا امام الباب هكذا ؟

لا بالطبع تفضل ، كررتها باءحراج شديد

دخل الرجل و القى التحية على والدة الفتاة ، وسألها في فضول

هل تحتاجين الى شيئ يا أمي ؟

لا يا بني ، لقد اكرمتنا حين جئت بنا للعيش في هذا المنزل الفخم

هذا فضل من الله ما انا الا سبب، في الحقيقة أنا جئت فقط لارى ان كنتم تحتاجون شيئا ، و لأستشيرك في أمر

تفضل بالجلوس

اتخذ مكانا له على الاريكة ، صمت لحظة و كأن به يبحث عن الكلام

كانت  تنظر اليه منتظرة ان تستمع الى حديثه بعيون الاستغراب

عادت لتسأله :

ما الذي يشغل بالك ؟

التوبة ، انني أنوي التوبة و القطيغة مع عالم الملاهي ، افكر في تحويل المحل الى سوبر ماركت تكون فيه تجارتي و مالي حلالا

استبشر وجهها فرحا و اشرقت عيناها غبطة لتجيبه مبتهجة :

انا اول المباركين لك بهذا المشروع و اشجعك ان تمضي فيه الى النهاية لكن لدي شرط واحد

شرط ؟؟ رد الرجل باءستغراب ، ماهو شرطك ؟

ان تظل بمثل هذا القلب الطيب و تلك الانسانية و ان لا تلبسك توبتك لباس الرياء و الخبث و تغير من طباعك و تجعلك متملقا ، ضع نصب عينيك بأن تعمل على ارضاء الخالق لا المخلوق

كلامك فيه كثير من الحكمة ايتها الصادقة الصدوقة ، اتعلمين بأن الصادقين يدخلون الجنة

اعلم ذلك، أنا افضل الف مرة “أم صاموئيل” العابدة الصابرة على شقيقتي المغرورة المنشغلة باءرضاء الناس رياءا و خبثا على ارضاء الواحد القهار، الله خلق الأديان و العقائد لتكون وسيلة تآلف، و كل الأديان السماوية  هي نور و من مشكاة واحدة اي من خالق واحد أحد ، اذا اردت ان ترضي الله اعبده باءخلاص أيا كان النبي الذي تتبعه فكلهم رسل مكرمين من الله

من اين لك بمثل هذه الحكمة ؟

من التجارب و من الدنيا ، فالدنيا مدرسة كبيرة و افلاس والدي و مرضة جعلاني اكتشف حقيقة بعض زملائه الذين كانوا يتوددون اليه و يجاملوه قبل ان يفقد ثروته و يمرض و يلتزم البيت، في محنتنا تلك تشفى فين الصديق و القريب ، و حينها سقطت اقنعة عن اولائك العابدين الساجدين و من ضمنهم شقيقتي و زوجها.

بيتنا المتواضع  الذي آوينا اليه في ذلك الحي الفقير كان محرابي و ركن عبادتي حين كنت أاتي اليه في جنح الليل ، اتفقد والداي و لم اجد في ذلك الوقت سندا لي سوى أم صاموئيل جارتي  المسيحية الطيبة و لم تساندني اختي المسلمة الملتزمة المتدينة و التي تنكرت لام انجبتها و اب سهر على رعايتها !!

ان قصتك فيها كثير من العبر و الدروس ، لقد لقنتني بعضا منها ، و فتحتي امامي باب الرجوع الى الله و محبته ، و ها انا اطرق ابواب رحمته و أجدها بفضلك تنفتح لي بابا بعد باب

اطرقت رأسها حرجا و احتراما ، اتجه الرجل نحو والدتها المقعدة و هو يرسم ابتسامة و ينحني امامها اجلالا و تقديرا ليسر اليها :

زين ما أنجبتي يا خالة ، انك تملكين جوهرة نادرة لا نظير لها

أومأت الوالدة المقعدة برأسها فرحا و هي ترسم ابتسامة هادئة

على وجهها الهادئ القسمات

عادت نظراته لتتفحص وجه “ملاك” و يضيف :

سأعهد لك تسيير مشروع السوبر ماركت …..

كيف لي أن اسير مشروعا كهذا ؟

لقد استأمنتك على المحل  و جدتك تصونين الأمانة و تعملين بضمير حي و اخلاص ، و قبلها كنت تأدين استعراضك و تعودين الى بيتك و انت ترتدين ثوب حشمتك  و وقارك ، انك جوهرة نادرة و انسانة لقنتني معنى ان يكون قلبك طاهرا و نقي السريرة و ان الخطيئة لا تدنس طريق التوبة

صمتت لحظة ثم اردفت قائلة بنبرة الواثق :

من أكون انا لأحاكم الناس و انسب اليهم ما ليس فيهم ، من اكون لامنعهم من تدارك اخطاءهم و اعيرهم بماضيهم ؟، انت لقنتني هاته الأشياء فلم تحكم علي بمظهري و لم تساومني في شرفي و احترمت خصوصياتي، انا كنت مجبرة على قبول ذلك العمل لكنني في نفس الوقت لم أخن ثقة اهلي و لم ابع نفسي

لقد كنت في تلك اللحظات راقصة في الكازينو و شريفة عفيفة في بيتي ، كان ضميري مرتاحا لأنني لم اغضب ربي يوما

الناس نظراتهم لا ترحم و يتسرعون في الحكم اعلم هذا لكنهم لا يتحرون قبل ذلك الحقائق و لا يبحثون في خبايا الأشياء، الفقر كافر و الجوع كافر و الانسان ظالم ،هذا ما كان يقوله والدي رحمه الله

تنهد بعمق ثم نظر اليها يتأمل تفاصيل وجهها و عقب قائلا :

التدين لا يقاس باللباس و الخير ليس بالرياء و الحلم لا يتأتى بالعلم و المظهر خداع في كثير من الأحيان ، و دروس الحياة و ظروفها تعلمنا أن نتعثر و لا نسقط

نعم بالصبر و القناعة ننال راحة البال ، بالصبر و الثبات رضى الخالق و بالطاعة رضى الوالدين و سعادة الدارين
الم اقل لك رد مبتسما انت جوهرة مكنونة اتمنى ان ازين بها جدران بيتي و ارصع بها تاج قلبي لتكون سر رضاي و سعادتي

اطرقت راسها حياءا و خجلا و هي تعلم مقصده بأنه كان يطلبها لتتقاسم معه سقف الحياة الزوجية ، ثم ردت

و امي من سيتكفل بها ؟

من غيرنا سيكون لها السند و الرفيق

لي رجاء اخير قالت و قد فاضت عيناها دموعا

أأمري ، طلباتك مجابة

جارتي و رفيقة محنتي السيدة أم صاموئيل اريدها ان تشاركني في ادارة ، فهي استأمنتها والدتي فوفت و احتجت اليها فلبت و استشرتها فنصحت

ها انا اكتشف فيك ميزة اخرى الوفاء و الاخلاص و صون العشرة و رد الجميل

خلال اسبوع زفت الفتاة الى الرجل الذي عشق فيها الشجاعة و رفعة الاخلاق و عاشت بمعية والدتها  في بيت اركانه التفاهم و سقفه المودة و ظلت بارة بها  حتى شفيت و عادت لها عافيتها ، و سارت الفتاة على درب الوفاء بمعية زوجها  الذي زرع درب محبته لها بساطا  تمشيا عليه برضى و فرح

دارت الأيام و دق الفقر باب شقيقتها  ” ام المساكين” و ذهب مالها و توفى عنها زوجها لكن استكبارها حال دون ان تطرق باب شقيقتها و والدتها التي ما رضيت عنها يوما و لا سامحتها لينتهي بها المطاف بائعة  مناديل في سوق شعبي بعدما خسرت دنياها و آخرتها  لان الله لا يحب المرائين و ان تلك الايام نتداولها بين الناس ، فمن يا ترى يحفظ الدرس و يعتبر !

 

 كتبت في 6 مارس2018

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد