زينة.. 1

 

بقلم الشاعرة المغربية ربيعة الكوطيط
لابد أن أحمل هذه الفواكه في أطراف قميصي تحت “غناسي”*.. كل واحد من معارفي لابد له ان يتذوق مما وهبنا الله.. فهذه الجنان سنتركها وراءنا. إذن قبل ذلك لابد من إطعام كل من التقيه فالطعام طعام الله والارض ارض الله ونحن مهما عشنا لن نعيش سوى بجسد واحد ولن نأكل سوى بمعدة واحدة.. فلماذا سأخزن الأشياء التي ربما قد لا أحتاجها أو قد لا تتحملها معدتي.. هكذا يحلو لي أن أفكر وأن افعل رغم أنهم يقولون عني بلهاء “ونية”.. فأنا عندما أضع رأسي فوق المخدة مرددة شهادة الإسلام وبعض الأدعية، يغشاني نوم لا أستطيع وصفه.. أحسني كأني في جنان تجري فيها الأنهار بحيث تغشى روحي روائح زكية لم عرف لها مثيلا في الوجود..

لم اتعلم القراءة ولا الكتابة.. فكرة التعليم غير مطروحة في البادية في ظل هذه الظروف.. فنحن تحت رحمة المستعمر.. الرجال يقرأون القرآن فقط ويحفظونه بعد أن يكتبوه على الالواح. زوجي عبد السلام صحته عليلة لا يستطيع العمل، لكنه يظل يقرا القران ويتعلم من كتب صفراء.. احيانا ينتقل الى طنجة أو أصيلا عندما يسمع “بالفقيه المصري” قد حل ليأخذ عنه ما لم يستطع فهمه من آيات أو أحاديث نبوية..

أفتح كتاب القران.. أقبله وأتصفح الخطوط.. أربت عليه وأتمنى من أعماقي لو أنني استطعت أن أفك هذه الرموز.. أجلس بجانب زوجي وأنصت على الأحاديث التي تعلمها.. يحاول ان يفهمني كل ما يتعلق بالجنة والنار.. الحلال والحرام.. أسرح بعيدا وقد رأيتني هناك على الصراط أحاول قطعه دون السقوط في قعر جهنم.. تجلس ابنتاي صفية ورحيمة تنصتان.. صفية لا تنتبه كثيرا تعلق أحيانا بطريقة ساخرة على بعض كلام أبيها أو على حركات أختها وتنسحب متعللة بالعمل في الحقل.. اما ابنتاه من زوجته السابقة المتوفاة “فطنة” وعيشة”.. فلا تهتمان أبدا بأمور الدين.. حاول أبوهما بطبيعته الحازمة ان يعلمهما ما ينفعهما، كانتا تتهربان دائما وتنصرفان الى اللعب وأعمال الحقل أو الذهاب عند الرفيقات.. حاولت بدوري معهما برقة وحنان.. لكنهما كانتا ترفضان كل ما كنت أقوله لهما.. لم تكونا تعطياني أية اهمية وتضحكان مني ومن طريقة كلامي.. كانت فطنة “قصيرة القامة.. كل شيء فيها صغير.. جميلة جدا.. وضيئة المحيا.. هادئة لا تعرف ما تنطوي عليه نفسها، أما عيشه فذكاؤها وخفتها وشرارة الشغب التي تطل من عينيها الجميلتين تؤكد لكل من يراها انها قد تسيء الى نفسها والى المحيطين بها.. وتلك قصة اخرى..

هكذا استرسلت زينة في اللحاق بأفكارها لدرجة انتباه بعض الغادين إليها..

قطعت الطريق الرملي المؤدي من الدوار الذي تسكنه الى دوار “ولاد حباس” حيث تسكن ابنتها صفية المتزوجة بابن اختها.. بعد ان حيت الجميع بابتسامتها الدمثة سالتها حفيدتها.. جدتي اين كنت ؟

جئت من بيتي بعد ان مررت ببعض الناس والتقيت بجنازة الحاج رحال.. قمت بتعزيتهم صرخت الحفيدة بنوع من السخرية:

– الخلا.. دائما ما تأتينا بأخبار المصائب..

ابتسمت زينة كعادتها وغمغمت متسائلة:
– اين امك ؟

إنها تخبز في الفرن هناك قرب الزريبة.

يتبـــع

*الغناس: الحايك الصوفي.. كانت تلبسه نساء نواحي طنجة: رداء…. الخلا.. كلمة تعنى ما أسوأ

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد