بقلم الأديبة المغربية ليلى مهيدرة
كانت المسافة بينها وبينه أكبر من أن يدركها البصر لكنها كانت تراه خيالا يتقدم نحوها، وقفت متجبرة القدمين وأنفاسها تكاد لا تحدث صوتها المعتاد حتى لا تستيقظ من حلمها الذي صار أشبه بجرعة تلجأ إليها كلما اشتاقت لطيفه، اقترب أكثر مدت يدها للسلام عليه، أحست بالدفء، نفس اللمسة التي توقعتها قبلا، نفس الأصابع تحتضن أصابعها المتعطشة للسلام عليه، بدأ صراعها مع الدمع فشوقها اكبر من أن تحدده غير الدموع ، ما كان هو ليراها كان هو منشغل باغتصاب المدينة الهادئة بعينيه ولسانه يتغزل بها، راضية هي بتتبع خطواته بين الدروب تشرح أمورا يعرفها قبلا وتصمت حين تدرك أن كلامها ما هو إلا تكرار للمشاهد التي يراها..
ومع هذا تظل بقربه تكاد خطواتها الصغيرة تهرول لعلها تدرك شغفه للمكان، آمنت أنها مجرد جزء من هذه المدينة التي يعشق إلى درجة الجنون، ومع ذلك هي راضية، قوة السائح بداخله أكبر من أن يلمح العيون الصغيرة التي تتبعه وتدمع فقط لأنها حققت أمنيتها برؤيته ولمس يده، أحيانا كان يبادرها بالسؤال فتجيب بإسهاب، معه هي حاضرة البديهة لدرجة أنها استطاعت أن تلغي كلمات كثيرة من قاموسها حتى لا تزعجه، ليتها تملك القدرة لتعترف له بمشاعرها وليتها تستطيع أن تطلب أدنى حقوق المحبين، حتى في الحلم لا تستطيع أن تمسك بيديه ويعدوان عبر الشوارع الضيقة ولا حتى أن تجالسه وهما يرقبان الغروب ويشهدان الشمس التي تتسلل من وراء الجزيرة كأنما تمنحهما فرصة حضن دون رقيب، توقف أمام مبنى الساعة العملاق الذي يتوسط المدينة ورفع رأسه قائلا:
– كم يحس الإنسان بضآلته أمام معلمة تاريخية مثل هذه
ابتسمت لأنها نفس الفكرة التي تخترق مخيلتها لكن بينها ونفس الإحساس الذي تحسه وهي بجانبه، فهي تراه شخصية عظيمة يكفيها فقط أنها واقفة بقربه تشاركه ما يشاهد وتستمتع لاستمتاعه بمشاهد هي من طقوسها اليومية، فيكفيها أنها ستمر هنا يوما وستحس بنفس الرعشة التي تملكتها وتذكر نفسها بهذا اللقاء، هناك أمور كثيرة لا تحتاج منا لأكثر من الاعتراف بها في داخلنا سرا لتمنحنا إحساسا متفردا نجزم انه لن يتكرر، حان المساء والطيف قرر أن يتم مسيرته عبر عوالم أخرى بينما هي تحتضن أصابعه وتأخذ كفايتها من اللحظة ودون أن تشعر قبلت ظهر يده، أدرك ساعتها فقط أن هناك إحساس أسمى من أية علاقة حب…