الآثار المعمارية العتيقة لمدينة فاس، تستقطب رواد الواقعية التشكيلية.

 

 

محمد أديب السلاوي

 

-1-

 

لربما تكون مدينة فاس، من أكثر المدن المغربية العتيقة استقطابا للمبدعين الرسامين والشعراء والأدباء والباحثين، لما تتميز به من أسوار وأسواق وأبواب ودور ورياضات في منتهى الجمالية والروعة، ولما لها من مواقع أثرية بعضها يعود إلى العهد الإدريسي، وبعضها الآخر يعود إلى عهد الزناتيين والموحدين والمرابطين والعلويين.

إن حارات البطحاء، زقاق الرمان، المخفية،  العطارين، الصفارين، الفخارين، الكدان، عين ازليطن، باب الفتوح، باب الكنيسة، باب الحمراء، كأسواقها ومصانعها وصناعاتها التقليدية، فضلا عن مساجدها وزواياها وأبراجها وقصورها، لا تستهوي فقط الرسامين المحترفين، ولكنها أيضا تجذب أبصارهم وبصيرتهم، بما تحويه من ألوان وأشكال وإبداعات وفنون ترمز بقوة إلى حضارة المغرب العتيق.

ومن الأكيد، أن التراث الجمالي لمدينة فاس، وللمغرب العتيق عامة، كان وسيظل قيمة مرجعية للعديد من الفنانين المغاربة، ليس فقط لأنه يحدد مفاهيمهم للهوية التشكيلية، ولكن أيضا لأنه يوضح لهم بجلاء رؤيتهم الجمالية. ذلك لأن هذا التراث كان وما يزال يستمد وجوده من ثقافة وفنون ومعارف وبدائع وصنائع وحرف الماضي الذي تستند عليه قيم المغرب في الحضارة الإنسانية.

السؤال الذي تطرحه هذه الإضاءة، كيف استقطبت مدينة فاس وذاكرتها التراثية والمعمارية، الحقل الخصب  لتميات العديد من الفنانين المغاربة، من خلال أزقتها الضيقة ودروبها المنعرجة وأبوابها الكبيرة الواسعة، وقصورها الفخمة وإحداث معيشها اليومي الممتد عبر تاريخ عريق…؟

 

-2-   في هذه الإضاءة، سنتوقف قليلا عند إبداعات اثنين من الفنانين، ينتميان معا إلى نفس المدرسة التشخيصية / الواقعية، ينتميان معا إلى نفس الجيل ( سبعينيات القرن الماضي) كما ينتميان إلى نفس المدينة / فاس.

1/ –  الفنان حسن العلوي، إضافة إلى انتمائه إلى أسرة عالمة من أسر فاس العتيق، فإنه يستمد وجوده التشكيلي، ومعالمه الإبداعية من خلال جذوره التاريخية. بدأ عمله التشكيلي الاحترافي في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهو يتمتع بكفاءة عالية في التعبير عن منظومة تفكيره في التحليل والتركيب والبناء لأعماله التشكيلية، ولعوالمه الفنية.

يقف الفنان حسن العلوي في الصف الأول من المبدعين التشكيليين المغاربة، الذين اختاروا ” الواقعية” الشاعرية، مدرسة لانجازاتهم التشكيلية. حول هذه المدينة المتجدرة في الحضارة الإنسانية العريقة، وحول تراثها المعماري المتميز، أنجز الفنان وجها مشرقا للواقعية من خلال سلسلة أعمال دونت تشكيليا دور وأزقة وأسواق ودروب وزوايا ومساجد وسطوح وقباب وحدائق مدينة فاس / عاصمة المغرب الأولى.

وقد تمكن الفنان حسن العلوي، عبر تقنيته المحكمة من إبراز البعد الحضاري لمدينته العتيقة المتفردة في تفاصيلها الهندسية، حيث أبرزت العديد من لوحاته الفضاء المعماري للمدينة العتيقة بهندستها المتميزة في الأبعاد والأحجام والعمق، وأيضا بخاماتها وأشكالها وزخارفها المبثوثة في الطين والخشب والجبص، وهو ما جعل أعماله ذاكرة حية ومتحركة لماض عريق / ذاكرة تستوحي نفسها من الأبعاد التراثية لهذه المدينة، حيث الهدوء الشاعري ورهافة الإحساس وصفاء الألوان، جعلت النقوش والتزاويق والظلال والأضواء، تنطق بسحرها وجماليتها الإبداعية، المفتوحة باستمرار على الفتنة / على السحر البصري.

في نظر باحث مغربي (1) أن الفنان حسن العلوي، لا يحرس فقط ذاكرة مدينة فاس العتيقة، ولكنه أيضا ينصب نفسه حارسا لذاكرتها الجمعية المخلوقة للخلود، وهو يفعل ذلك بإصرار الإنسان الذي يخبئ شيئا ما لا يعرفه سواه، في الأماكن والمكونات.

و في نظر الأستاذة ابتسام شوقي رئيسة رواق ” تومبيرا” بمراكش، أن تجربة الفنان حسن العلوي تجسد تاريخا موغلا في سجل مدينة فاس الروحي والحضاري بكل معطياته المعمارية والاجتماعية والتاريخية، فهي تبحر بريشته وألوانه لتعبر عن خصوصية هذه المدينة، انطلاقا من مفاتنها الصغيرة والكبيرة.

نعم، تعبر الأعمال التشكيلية للفنان حسن العلوي، عن تاريخ موغل في سجل عاصمة المغرب الأولى، بكل معطياته المعمارية والتاريخية، فهي تغوص بالمشاهد في الذاكرة الجماعية لهذه المعلمة المتميزة، بل تسترجع الماضي إلى الحاضر بقراءة تشكيلية متميزة ومتمكنة من اللون ومن الريشة، ومن تقاسيم فضاء اللوحة، وهو ما يجعل هذه الأعمال غنية في تعابيرها التشكيلية، وفي طروحاتها البصرية.

2/- الفنان محمد كريش، وهو ينتمي إلى جيل الفنان حسن العلوي، والى مسقط رأسه، حاول دائما ومنذ بداياته الأولى (في سبعينيات القرن الماضي)، الاستفادة من التراث والثقافة الفنية والمعمار التقليدي لمدينة فاس العتيقة، واستثمار مؤهلاتها في مجالات المعمار والنقش والزخرفة والإنارة وكل ما بقي من عصورها الغابرة.

تميات لوحاته تنطلق من ذاكرة فاس العتيقة / من خلال الأزقة الضيقة والدروب المنعرجة والأبواب الخشبية المنقوشة والمنحوتة، ومن خلال الرياضات والأحواض التي تتدفق مياهها، وأسواقها المزدحمة، فيبدع أعماله بتقنية عالية، ترتكز أساسا على وضع الأزمنة والأمكنة في أماكنها الصحيحة، ليعيش المشاهد اللحظة السكونية التي تتحرك في البصر والبصيرة.

تعتمد أعمال محمد كريش على الضوء وشاعريته الجمالية التي تحول هذه الأعمال إلى فضاءات حية مشبعة بواقعية المشهد التشكيلي المندثر في أزمنة المدينة العتيقة، الساكنة في أعماق التاريخ / تعتمد أيضا على قراءة متأنية هادئة، لما عاشته هذه المدينة من أحداث وشخوص وأمكنة وأزمنة، لم يستطع الزمن محوها أو إلغائها.

فالضوء عند هذا الفنان يحول أعماله التشكيلية إلى فضاء حي مشبع بواقعية المشهد التشكيلي، ليس فقط من وحي زمن الماضي، ولكن أيضا من خلال فضاءات الذاكرة الجمعية المفتوحة على الحاضر والمستقبل، وهو ما يعني بوضوح أن أعماله الإبداعية لا تتميز فقط بدقة التقنية، ولكنها تتميز أيضا بعشقها الجنوني لشاعرية الضوء واللون.

 

أن عملية الإبداع عند الفنان محمد كريش لا تقتصر فحسب على ما هو صوري بصري دلالي بمعنى صياغة تشكيلية للصورة الواقعية، بل تذهب إلى ابعد من ذلك إلى استنطاق ما وراء الصورة من خلال ما بعد المرئي والحسي، ليحمل ما وراء بعده الوجودي بمكوناته جميعا، فتغدو اللوحة لديه، لها دلالتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فضلا عن قيمتها الفنية.

 

-3-  تقودنا هذه القراءة الاستعجالية لارتباطات الفنانين حسن العلوي ومحمد كريش، بالتراث المعماري لمدينة فاس، إلى حقيقة جوهرية، وهي عودتهما إلى التراث الأصيل للنبش في أغواره وفي أعماقه، بعد أن جربا كل أشكال التعبير التشكيلي الحديث، في سبيل  إيجاد ذاتهما وهويتهما.

إن العلوي وكريش، في تعاملهما مع تراث مسقط رأسهما / فاس العتيقة، حاولا التعبير عن حنينهما إلى الماضي الحضاري / الثقافي لهذه المدينة، إذ نبشا في أغواره وأعماقه من أجل العثور في رموزه وثقافته عن تلك الذات التي كادت تضيع في زوبعات الثقافات الغازية وهيمنتها على الهوية الوطنية.

إن التراث من وجهة نظرهما هو المحصلة النهائية للجهد الجمعي عبر أحقاب التاريخ المتتالية، والذي يتيح للمغرب بحكم موقعه الزمني / الحضاري / التاريخي، مشاهدة ما تبقى منه في الإنسان / في الطبيعة / في المعمار، وهو بهذه الصفة يشكل احد الجسور القوية التي تربطنا بالماضي وبالمستقبل في الآن نفسه.

إن التراث الذي اشتغل عليه العلوي وكريش، يعتبر حتى الآن منبعا هاما من منابع العطاء الإنساني الذي صنع حضارة المغرب في هذه الزاوية المضيئة من العالم.

يعني ذلك، أن العلوي وكريش، قد تعاملا مع تراث مدينتهما فاس، ليس فقط من أجل التعبير عن حنينهما لماضي هذه المدينة الحضارية العتيقة، ولكن أيضا للبحث عن أسلوب تشكيلي يميزهما، وخلق فلسفة فنية نابعة من هويتهما الثقافية، وهو ما يجعلنا مقتنعين بعطاءاتهما الإبداعية.

 

-4-

 

إن النماذج التي تقدمها هذه الإضاءة للفنانين العلوي وكريش، وهي تنتمي للمدرسة الواقعية وهي على غناها اللوني، رصدت بدقة وحرفية، وبإلحاح شديد تسجيل ارث معماري / هندسي / حضاري في تفاصيله الدقيقة.

من خلال أعمال حسن العلوي، نتعرف على الوحدات الهندسية / على جمالية الزليج الأندلسي / على نقوش الجبص بكل تفاصيله الجمالية، باعتبارها وحدات بيئية واجتماعية.

ومن خلال السطوح، والقباب، والنوافذ والأبواب، والجدران العالية والمسطحات الجمالية، نتعرف بسهولة على أعمال محمد كريش التي تمزج بحيوية وحرفية، بين ماضي فاس وحاضرها، عبر مداخل بصرية / جمالية واضحة.

عنصر الاختلاف بين العلوي وكريش في هذه الصيغة يتجلى في تجميد الزمن عند حسن العلوي، وانطلاقته حيا عند محمد كريش.

تجب الإشارة هنا، أن مدينة فاس، ومعمارها العتيق، قد استقطبت إضافة إلى العلوي وكريش، العديد من الأسماء الرائدة في المجال التشكيلي المغربي، لما لهذه المدينة من جاذبية جمالية مؤثرة، وما لآثارها من قيمة مرجعية / حضارية وتاريخية.

من الأسماء التي اشتغلت على آثار ومعمار وجمالية هذه المدينة، نذكر الفنانين عفيف بناني، عبد الحي الدمناتي، عبد السلام الحرش، عبد المالك العلوي، عبد العالي بلال، وغيرهم من المبدعين الذين جذبتهم القيم الجمالية والفنية لذاكرة فاس البالي التراثية، لما لها من أبعاد أنطلوجية واجتماعية وحضارية، فضلا عن أبعادها الثقافية / الفلسفية، الدينية والعلمية، وهو ما أعطى لهذه المدينة حضورا إبداعيا متميزا في الحركة التشكيلية المغربية الحديثة.

إن هذه المدينة، شكلت باستمرار لحظة إبداعية للعديد من التشكيليين المغاربة والأجانب، فكانت وما تزال محج المبدعين من الرسامين والشعراء والأدباء والفقهاء والعلماء، وهو ما حولها إلى مدرسة فنية / ثقافية / علمية متميزة بشيماتها المتجدرة في الحضارة العربية، الإسلامية وفي التاريخ الإنساني العريق.

 

 

*******

(1) الملحق الثقافي لجريدة العلم (18 يناير 1980)

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد