مصطفى حيران: مدير موقع أخبركم
اندلعت في الآونة الأخيرة بالمغرب حادثة اجتماعية من النوع المُضحك المُبكي استأثرت باهتمام كبير قلَّما يتوفَّرُ لقضايا الشأن العام المصيرية.
الأمر يتعلق كما يكون قد حدستم، بما يمكن أن نسميه ب”حادثة النطحة” التي تلقتها ممثلة معروفة تظهر بكثافة في الوصلات الإشهارية لشركة اتصالات المغرب وبالتالي الاهتمام الشعبي بالموضوع.. فماذا وقع؟
ذهبت الممثلة إلى إحدى المقاطعات الإدارية لقضاء غرض إداري فوجدت طابورا ببضعة أشخاص جاؤوا هم أيضا لقضاء أغراضهم الإدارية، ولأن الممثلة “واعية” بأهميتها نظرا لشهرتها بين بني جلدتها فقد عمدت إلى تجاوز كل المنتظرين والمنتظرات لتصل إلى الموظف الذي سيحرر لها شهادة السكنى أو عقد الازدياد..
كان من بين المنتظرين والمنتظرات شابة طالبة لم يرقها هذا التجاوز الصّلف والوقح، فعبرت عن انزعاجها، فكان أن لطمتها الممثلة “المشهورة” ولترد عليها الشابة الطالبة بنطحة طرحتها أرضا و”نشرتها” أياما في مصحة بسبب كسر في الأنف.
الحادثة مضحكة مُبكية من النوع الرخيص، وكان أقصى ما يُمكن أن تحظى به خبر عنها في أربعة صحف شعبية ونشر للحكم القضائي حينما يصدر وكفى الله المؤمنين شر الاهتمام.
كلا!
لقد تحولت الحادثة إلى مسألة رأي عام (لاحظوا أن كلمة قضية غير مناسبة وفيها مبالغة) غذَّتها مواقع وصحف “دردك” التي تنقضُّ على مثل هذه “الفُرص” لغايات مُركَّبة ليس هنا مجال الخوض فيها، وتطور الأمر إلى انقسام بين المُتابعين كاد يتحول إلى ما هو أفدح، لدرجة كُنَّا أقرب إلى تنظيم المسيرات والمظاهرات دعما للممثلة المنطوحة أو الشابة الطالبة الناطحة!
أي والله، فلو عمد بعضٌ مِمَّن يقودون الغوغاء في هذه البلاد، لغايات رخيصة، إلى الدعوة لمسيرات ومظاهرات بسبب “النطحة الكبرى” لوقع ما لا تُحمد عُقباه.
قبل “حادثة النطحة” اندلعت فضيحة كبيرة تتصل بالشأن العام طرحت قضية خطيرة هي تهريب الأموال العمومية إلى الخارج بطرق مشبوهة منها إحداث شركات وهمية (أوفشور) بغاية تبييض المال والتهرب الضريبي، ذُكر ضمنها اسم الكاتب الخاص للملك ومُسَيِّرُ ثروته محمد منير الماجيدي ومن خلاله الملك محمد السادس باعتباره مستفيدا من العمليات المالية المشبوهة، وكذا ثلاثة من كبار أثرياء البلاد أحدهم رحل إلى دار البقاء بعد ذلك بأيام قليلة.
القضية كبيرة من منظور تدبير الشأن العام الذي يمس مصير الشعب المغربي حاليا وأجياله القادمة، باعتبار أن الثروات المُهرّبة إلى الخارج لن تستفيد منها البلاد (عن طريق تحصيل الضرائب) في تشييد المدارس والمعاهد والمستشفيات والطرقات… إلى غير ذلك مما يتصل بالمصلحة العامة، وليس لشراء يخت أمريكي عتيق فخم أو فندق فاخر في فرنسا وما إلى ذلك من وسائل الترفيه الشخصية الزائلة.
فماذا حدث؟
بالرغم من الانعكاس السلبي نسبيا لذيول هذه القضية الكبيرة على مواقع التواصل الإجتماعي محليا، حيث قوبلت بالاستنكار والتنديد، بينما صمتت عنها كل مواقع وصحف “دردك” لغايات مُركَّبة ليس هنا مجال الخوض فيها، فإن الاهتمام العام بها (القضية) لم يتجاوز الغمغمات والهمهمات في الصالونات الراقية والمقاهي والزوايا المعتمة، عكس “حادثة النطحة” بين ممثلة وطالبة التي كادت تصل إلى مستويات يصعب ضبطها، لولا أن أحدا ما فهم أن أوان “اللعب” قد انتهى ويجب وضع حد له، فكانت جلسات الصُّلح بين المرأتين وكأن الأمر يتعلق بجلسة للأمم المتحدة وأن المتخاصمَين هما روسيا وأمريكا!
في نفس الوقت، أي بتزامن مع “حادثة النطحة” عمدت امرأة معروفة في مدينة القنيطرة باسم “مِّي فتحية” إلى سكب البنزين على جسدها وإضرام النار فيه احتجاجا على ظلم لحقها من قائد محلي تابع لوزارة الداخلية الذي ضيَّق عليها سبيل كسب قوتها من بيع “البغرير” والحلوى، وبينما كانت “مِّي فتحية” تحترق طفق موظفو المقاطعة يصورونها بهواتفهم النقالة كأن الأمر يتعلق بوصلة فكاهية هاوية طريفة!
ماتت “ّمِّي فتحية” ببشاعة بعدما قالت وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة: “المخزن حكَرني”..
الأبشع أن هذه المأساة الشبيهة بما وقع ل”محمد البوعزيزي” في تونس وكانت شرارة ثورة عارمة عمت العالم، لم تحظ تقريبا باهتمام الناس في المغرب، كما أن مواقع وصحف “دردك” لم تُعرها التفاتا تقريبا لغايات ليس هنا مجال الخوض فيها مرة أخرى.
بعد الميتة البشعة ل”ّمِّي فتحية” مات شاب صحراوي هو “إبراهيم صيكا” في نفس المدينة أي القنيطرة إثر إضراب عن الطعام احتجاجا على عطالته.
ومرة أخرى: “ما سوقناش”!
هذه القضايا كانت كفيلة بتنظيم مظاهرات عارمة يليها إسقاط حكومات وإجراء انتخابات سابقة لأوانها وفتح تحقيقات… وما إليها من الإجراءات التي تكفل بناء الدولة والمجتمع ضمن نظام سياسي ديموقراطي متين، كما حدث فعلا في عدة أماكن من العالم غِبَّ اندلاع فضيحة “أوراق بنما” ما عدا في المغرب وبعض الدول العربية، حيث يسود نفس مستوى الوعي البدائي بقضايا الشأن العام.
وهذا مؤشر مرض خطير أسميه “حَيْوَنَةُ المجتمع”.. أي تحول الناس في هذا البلد شيئا فشيئا إلى كائنات لا تعي سوى ما يتصل بالجوانب البدائية من الحياة مثل نطحة بين امرأتين، ويبدو أن هذا المنحى في انحدار مستوى وعي المجتمع “مفيد” بالنسبة للذين يقودون هذه البلاد، باعتبار أن ذلك يُعفيهم من القيام بمسؤولياتهم التدبيرية، ويجعل أيديهم مُطلقة في فعل ما يريدون مثل تهريب الأموال إلى الخارج و”تمرير” العديد من المظالم والتجاوزات أمام أنظار مجتمع “مُحَيْوَن” لا يحرك ساكنا.
ليعلم “المسفيدون” من هذا الوضع المقلوب في الدولة والمجتمع، أن الأمر يتعلق بلعب خطير مآله تلخصه عبارات تبادلها الرئيسان الراحلان التونسي “الحبيب بورقيبة” والليبي “العقيد معمر القذافي” حين قال الأول للثاني:
“لماذا لا تعلم شعبك بشكل جيد؟”
أجابه الثاني: “إذا علَّمتهم سيثورون ضدي”
ليرد رجل الدولة التونسي الحصيف البعيد النظر: “أن يثور ضدك شعب واعي أفضل من جاهل”.
ولن أزيد.