بقلم د. مبارك أجروض
“التوتر الدائم ينهك الجسم”، نصيحة نسمعها بشكل متكرر حين نمر بمواقف صعبة أو نغضب لعدم تحقق شيء ما أو تحت وطأة العمل لساعات طويلة، إن التوتر هو استجابة جسدية تنتقل في جميع أنحاء الجسم، ولا سيما أثناء المواقف الصعبة والتوتر المزمن الناجم عن ساعات العمل الطويلة أو المعاناة العاطفية له آثار ضارة على بنية الدماغ، وهذه مجموعة من التأثيرات غير المتوقعة للتوتر على الجسم:
* تقلص الدماغ
عندما ترتفع مستويات الكورتيزول cortisol وهو هرمون التوتر، تتدهور الإشارات الكهربائية في منطقة الدماغ المرتبطة بالتعلم والذكريات والتحكم في الإجهاد. ويؤدي فقدان الروابط المشبكية synaptiques بين الخلايا العصبية إلى تقلص قشرة الفص الجبهي، وهي جزء من الدماغ ينظم السلوكيات مثل التركيز واتخاذ القرار والتفاعل الاجتماعي.
* ضعف الذاكرة
يؤدي فقدان الروابط المشبكية في الدماغ أيضًا إلى عدد أقل من خلايا الدماغ الجديدة التي يتم تصنيعها في منطقة التعلم والذكريات، مما يؤثر على الذاكرة. ونظرًا لأن مستويات الكورتيزول المرتفعة تزعج الدوائر العصبية بشكل أكبر، يؤدي ذلك إلى مضاعفات عصبية أكثر حدة، بما في ذلك الاكتئاب ومرض الزهايمر.
* ضغط الدم
كما تطلق الغدد الكظرية الكورتيزول cortisol glandes surrénales، هناك هرمونان آخران وهما الادرينالين والنورادرينالين Adrénaline et noradrénaline يدخلان مجرى الدم، ويتسبب الإجهاد المزمن في ارتفاع هذه الهرمونات، مما يدفع الجسم إلى الاستعداد باستمرار للقتال أو الهروب. ومع ذلك، عندما يصل الأدرينالين إلى القلب، يبدأ في ضخ المزيد من الدم، وبالتالي يرفع ضغط الدم ويزيد من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم.
* القلب
القلب هو مضخة الدم دائمة العمل في جسم الإنسان، وتزود الأوعية التاجية عضلاته بما يكفي من الأكسجين، لكن التوتر الدائم يزيد مخاطر الإصابة بنوبة قلبية، ويعود سبب ذلك إلى سلسلة معقدة من الآليات البيوكيميائيةmécanismes biochimiques، فنتيجة للتوتر النفسي فإن الغدة الكظرية تطلق المزيد من النورادرينالين، وهو وسيط كيميائي يؤدي إلى زيادة تكوين بعض خلايا الدم البيضاء في نخاع العظم. وبحسب المختصين، يمكن أن تعمل هذه بدورها على نقل الترسبات الدهنية من جدران الأوعية الدموية إلى مجرى الدم وتتراكم الخلايا المناعية مسببة تصلب الشرايين. وإذا ما انفجرت ووصلت هذه الترسبات إلى مجرى الدم فإنها يمكن أن تؤدي إلى سد الشريان بالكامل، وإذا حدث هذا في الشريان التاجي فإن التأثيرات تكون قاتلة في أغلب الأحيان، فجزء من عضلة القلب سيحرم من الأكسجين الضروري لعمله ويموت، ما يؤدي إلى النوبة القلبية.
* ارتفاع الكوليسترول taux de cholestérol élevé
التوتر هو أحد أهم العوامل المسببة لارتفاع الكوليسترول، ومع ذلك يظل أحد أكثر العوامل التي يتم التغاضي عنها. ويمكن أن يتسبب هرمون التوتر الكورتيزول في عدم عمل البطانة الداخلية للأوعية الدموية بشكل صحيح، مما يؤدي إلى تراكم الكوليسترول في الشرايين، ويزيد من خطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية.
* نسبة السكر في الدم taux de sucre dans le sang
يقلل هرمون الكورتيزول تأثير الأنسولين الذي ينظم مستويات السكر في الدم، ويعوض البنكرياس هذا التأثير عن طريق زيادة إفراز الأنسولين حتى يتم استنفاده، وهذا يزيد خطر الإصابة بالسكري.
* الشيخوخة vieillissement
نعلم جميعًا أن التوتر الشديد يمكن أن يؤدي إلى تسريع ظهور الشيب والتجاعيد، ومع ذلك، فإن آثار الإجهاد على الشيخوخة يمكن أن تكون أعمق بكثير. وأحد المصادر الرئيسية للشيخوخة التي تم تحديدها هو التقصير التدريجي للتيلوميرات télomères ـ وهي هي تسلسل متكرر من النيوكليوتيدات nucléotides تقع في نهاية الكروموسومات chromosomes في معظم الكائنات الحية – في خلايانا أثناء انقسامها. ويمكن أن يتسبب التوتر المزمن في تقصير التيلوميرات بسرعة أكبر وبالتالي تسريع الشيخوخة.
* قتل خلايا الدماغ mort des cellules cérébrales
في دراسة أجراها باحثون من جامعة روزاليند فرانكلين للطب والعلوم، اكتشف الباحثون أن حدث اجتماعي واحد يسبب التوتر يمكن أن يقتل خلايا عصبية جديدة في المنطقة المسؤولة عن العاطفة والتعلم في الدماغ. وهي أيضًا واحدة من منطقتين في الدماغ حيث يحدث تكوين الخلايا العصبية، أو تكوين خلايا دماغية جديدة طوال الحياة.
* إصابة العين بـ”الماء الأزرق” glaucome
التوتر الدائم يمكن أن يزيد ضغط العين الداخلي، ونتيجة لذلك فإن العصب البصري يصاب بالضرر لعدم حصوله أيضا على قدر كاف من الدم، ومن خلال الإصابة بهذا المرض المعروف بـ”الماء الأزرق” glaucome يتقلص مجال الرؤية تدريجيا وصولا إلى العمى الكامل.
* إصابة الأمعاء بالالتهابات
في حالات الإجهاد الحاد يصاب الإنسان أيضا بتشنجات في المعدة، وإذا استمر الضغط لفترة طويلة يصبح الغشاء المخاطي المعوي أكثر نفاذية، ما يؤدي إلى غزو المسببات المرضية والنتيجة الإصابة بالالتهابات.