إعداد: الدكتور محمد الدريج أستاذ باحث في علوم التربية
ملحوظة
نظرا لراهنية موضوع تطوير مناهج التعليم وأهميته البالغة، أعيد نشر هذه الدراسة في نصها الأصلي والتي سبق أن نشرتها ضمن كتابي “تطوير مناهج التعليم معايير علمية… متطلبات الواقع… أم ضغوط خارجية ؟” (العدد 33 من سلسلة المعرفة للجميع، الرباط، يوليوز 2005)، كمساهمة مني فيما يدور حاليا من نقاش واسع حول ضرورة تعديل وتطوير المناهج الدراسية وفي مقدمتها مناهج “التربية الإسلامية”.
دراسة تقدم بموضوعية ونزاهة، معلومات وأفكار ووجهات نظر متعددة ومتنوعة و متضاربة في بعض الأحيان، يمكن أن تغني هذا النقاش وتفيد بشكل إيجابي مخططي المناهج والطلبة والأساتذة الباحثين والمربين الممارسين في المدارس المغربية والعربية بشكل عام.
وتحت عنوان “ليست العلة في المناهج و إنما في الاستغلال والاحتلال”، كتب عوني فرسخ في جريدة “البيان” الإماراتية (عدد 11 فبراير 2004) ما ملخصه:
ذكرت وكالات الأنباء أن مؤسسة “راند” الأمريكية أبرمت مع إحدى الدول العربية عقدا متوقع أن تصل قيمته مليارات الدولارات، تلتزم بموجبه بعملية “تطوير” و”تحديث” المناهج والكتب والمراجع المدرسية في الدولة المتعاقد معها. كما ذكر أن المؤسسة الأمريكية ستعهد لأكاديميين وتربويين عربا ومسلمين بتنفيذ القسط الأكبر من العملية، وأنه من المتفق عليه أن يعمم استخدام المنتج النهائي للعملية في عدد من الأقطار العربية.
وإن صح ما تناقلته وكالات الأنباء حول هذه الصفقة ، تكون الدولة العربية مبرمة الصفقة قد تجاوزت بقية الدول العربية والإسلامية في مدى استجابتها للضغوط بإخضاع المناهج والكتب المدرسية لعملية مراجعة تستهدف تنقيتها وتنقيحها من المفاهيم والنصوص التي ترى فيها الإدارة الأمريكية الحالية، أنها محرضة على كراهية أميركا- وبالتبعية إسرائيل –ومحرضة على مقاومة احتلالهما الأرض العربية”.
وكان وزير الدفاع الأمريكي قد صرح في نهاية أكتوبر الماضي، بضرورة شن “حرب فكرية”. وأوضح أن “الإرهاب” لا يمكن هزيمته بالقوة العسكرية فقط. وإنما أيضا عبر محاولة كسب العقول والقلوب، وحرمان الجماعات المعادية من تجنيد شباب جدد.
ويذهب المحافظون الجدد في أمريكا، إلى أنه ينبغي ليس فقط اجتثاث المنظمات الإرهابية من جذورها، وإنما المهمة الجديدة للسياسة الأمريكية الخارجية ليست مجرد استخدام القوة على نحو نشط، وإنما أيضا إعادة تشكيل البيئة الداخلية لدول المنطقة.
والقول بإعادة تشكيل المنطقة العربية ليس بالجديد على الاستراتيجيات الأمريكية، ولا هو من تداعيات تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولا يعود فقط لعام 1989 واعتماد الاستراتيجيين الأمريكيين الإسلام العدو الجديد للإمبريالية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي”.
وفي هذا المناخ السياسي-الفكري يغدو، حسب عوني فرسخ دائما، مبررا التساؤل حول مشروعية وواقعية وجدوى التعاقد مع مؤسسة “راند” على “تطوير” و”تحديث” النظام التعليمي في مجتمع هو بحكم التاريخ والواقع عربي مسلم، لا يعتمد نظامه الحاكم العلمانية منهجا. فضلا عن أن مؤسسة ” راند” غير مختصة بالتربية والتعليم ووضع المناهج ومراجعة الكتب المدرسية، وإنما هي من المحافظين الجدد، المؤمنين بفكرة” صراع الحضارات”، والذين يرى غالبيتهم أن الإسلام والمسلمين الأعداء التاريخيين لما يسمونه “الحضارة اليهودية – المسيحية”.
والحقيقة أنه عندما قمنا بتحليل الفلسفة التربوية السائدة عموماً في مناهج الأنظمة التعليمية العربية وكذا أهدافها العامة، لم نجد فيها ما يدعو إلى التطرف بأي شكل من الأشكال، ولا الحث على الإرهاب إطلاقاً، إن محاولات وضع المناهج الإسلامية في دائرة الاتهام مرفوضة بشكل قطعي. ولعل قراءة سريعة للوائح الأهداف التربوية العامة و لما استعرضناه من المبادئ والأسس التي اشتقت منها، تثبت هذا التأكيد، إذا كان الأمر يحتاج إلى إثبات. تتضمن تلك اللوائح بصريح العبارة وبصياغات دقيقة مبادئ التعاون والتفتح والتسامح ضرورة تعلم اللغات الأجنبية ومواكبة روح العصر والتكنولوجيا الحديثة، وتنمية التذوق الجمالي وحب الطبيعة، وتعزيز ثقة الفرد بالآخرين وقدرته على التعاون معهم والانفتاح على حضارات الشعوب الأخرى، وتدعيم مبدأ التعاون بين الأمم والشعوب المختلفة على أساس من العدالة والمساواة وعدم الاعتداء فيما بينها… (محمد الدريج، 2004).
وعما يروج بخصوص المذكرة التي أرسلتها أمريكا إلى بعض الدول العربية، تطالبها فيها بتغيير مناهجها التعليمية، أصبحت المواقف العربية الرسمية، متفقة ومجمعة ، في التعامل مع هذا الموضوع، حيث ذكرت العديد من التصريحات لمسئولين كبار، أن ما يمكن أن تطالب به أية جهة من الجهات، مما يتفق مع التطور الحضاري العام، موجود فعلاً في المناهج التعليمية. كما أن الإصلاح في هذا القطاع لم يتوقف أبداً، وأنه يتم بشكل دوري ومنتظم لمواكبة المستجدات على كافة الأصعدة.
فقد نفى حسين كامل بهاء الدين، وزير التربية والتعليم المصري (2003)، أن تكون الإدارة الأمريكية قد طلبت من مصر إجراء أي تغييرات أو تعديلات في مناهجها، مشيراً إلى أن مصر بدأت عملية التطوير دون طلب من أحد منذ سنوات.
وقال في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، “أؤكد أنه لم يطلب أي جانب منا أي تغيير في المناهج ولم يحاول أحد التدخل في هذا الشأن” وكان الوزير يتحدث في نهاية زيارة لواشنطن التقى خلالها بعدد من المسئولين وعلى رأسهم وزير التعليم رودي بيج، بالإضافة إلى مسئولي الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وأبناء الجالية المصرية، وخبراء التعليم.
كما قال فيما يتعلق بالمسائل التي تشغل البال حالياً، “لا يستطيع أحد أن يزايد على مصر بشأنها (المناهج التعليمية). مصر هي أول دولة تصدت للإرهاب ودفعت فاتورة ضخمة في تصديها للإرهاب”. وأضاف في تصريحاته التي أعقبت شرحاً لخبراء التعليم بمقر السفارة المصرية بواشنطن حول ما تطبقه مصر من تجارب تعليمية”، “مصر لها دور كبير جداً في مقاومة التطرف ومقاومة الإرهاب ونحن طورنا مناهجنا دون أن يطلب منا أحد ذلك منذ سبع سنوات”. وأضاف في معرض نفيه شائعات ضغوط خارجية لتغيير مناهج التعليم: “كل المفاهيم التي يتحدث العالم الديمقراطي عنها اليوم أدخلناها في التعليم المصري منذ سبع سنوات”(*).
وأشار بهاء الدين في هذا الصدد ، إلى أن مناهج التعليم بالمدارس المصرية بعد تطويرها، أصبحت تتضمن مواد حول حقوق الطفل وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وقيمة التسامح ومقاومة الإرهاب والبيئة والسلام ورفض التطرف والمعلومات الصحية الأساسية وقواعد المرور والعولمة وأهمية إتقان العمل”.
كما أكد الملك فهد بن عبد العزيز في افتتاح السنة الثالثة من أعمال مجلس الشورى السعودي (2003/5/17) بخصوص الإصلاح:
“إننا نرفض التدخل في شؤوننا الداخلية من أي جهة كانت وتحت أي ذريعة، فنحن حريصون كل الحرص على أن تظل كل شؤوننا الداخلية عرضة للمراجعة الذاتية التي لا تستهدف سوى الإصلاح… “لقد علمتنا التجارب في شرق الأرض وغربها أن الإصلاح الحقيقي هو الإصلاح النابع من عقيدة الأمة وتراثها، الإصلاح الذي تقبل عليه الأمة طائعة لا مسوقة، الإصلاح الذي يتم بتدرج وسلاسة متجنباً السرعة المهلكة والبطء القاتل…” ويضيف بخصوص مناهج التعليم وأهدافه: “وأقول للمسئولين عن التعليم بجميع مراحله، أنهم هم الحاضنون لأجيال المستقبل وأن المناهج الهادفة الخيرة هي التي تغرس الأفكار والقناعات في الأذهان الغضة والنفوس البريئة، لما فيه خير الأمة وصلاحها، كما أن الخلل في التعليم – لا سمح الله – سبب رئيسي لأي انحراف فكري أو أخلاقي أو عجز عن العمل والمشاركة…”(*).
وأكد وزير التربية والتعليم في الأردن، د. خالد طوقان أن “تعديل المناهج جزء من عملية تطوير النظام التربوي الذي تسعى الحكومة إلى تحديثه ليساير الأنظمة التربوية المعا صرة، وليس الاستجابة لظروف سياسية آنية”، مشيرا إلى أن
“التعديلات المقترحة منسجمة تماما مع الدستور الأردني والقيم والمبادئ التي تدعو إليها الحضارة العربية والإسلامية”. وأوضح أن “إدخال مفاهيم تتعلق بنبذ العنف والتفريق بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، يأتي في إطار منظومة كاملة لحقوق الإنسان تعمل وزارة التربية والتعليم على صياغتها منذ عامين، من أجل نشر التسامح المنبثق من التعاليم الإسلامية والتراث العربي والإسلامي والقانون الدولي في صفوف الطلبة”. (عن جريدة الحياة عدد 17 فبراير 2004).
جاءت هذه التأكيدات في سياق النقاش الواسع الذي أثير في الأوساط السياسية والتعليمية الأردنية، حول الدعوة إلى تغيير المناهج الدراسية وخاصة حول إدراج ما يعرف “بمصفوفة مفاهيم حقوق الإنسان وثقافة السلام والقيم العالمية المشتركة” في ثنايا البرامج والكتب المدرسية. ونقل جزءا من هذا النقاش الهام، باسل رفايعة في مقالة بعنوان: “الإسلاميون الأردنيون يرون في التعديل مؤامرة أمريكية”، نشرها في جريدة الحياة (عدد 14935)، نقتطع منها لقرائنا الكرام، الفقرات التالية:
“ما الفرق بين شاب فلسطيني استشهد أثناء مقاومته الاحتلال الصهيوني الذي هدم منزله، وشرد أسرته، وشخص آخر اختطف طائرة ركاب مدنية، وهدد بقتل جميع ركابها، ما لم تفرج سلطات إحدى الدول عن رفاق له سجنوا بتهمة تهريب المخدرات ؟ ماذا تسمي مقاومة الشاب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني ؟ وما التسمية التي تطلقها على مختطف الطائرة ؟ ميز بلغتك الخاصة بين المقاومة المشروعة والإرهاب”.
هذه الفقرة أدخلتها وزارة التربية والتعليم الأردنية على منهاج التاريخ المعاصر، الذي يدرسه التلاميذ في مستهل المرحلة الثانوية، ضمن مشروع “مصفوفة مفاهيم حقوق الإنسان وثقافة السلام والقيم العالمية المشتركة”، الذي قوبل بمعارضة في البرلمان والأحزاب.
“استغرق إعداد المشروع أكثر من عامين، وأدخلت مفاهيم جديدة إلى مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية والثقافة الوطنية والتاريخ الحديث للمراحل الدراسية كلها التي كانت تزدحم بثقافة حربية خالصة في بلد لم يسع في تاريخه إلى الحرب.
اللجان التوجيهية والفنية التي انهمكت في تعديلات المناهج لم تدع فرصة تشير فيها إلى “العدو الصهيوني” و”احتلال فلسطين” إلا واغتنمتها، وأدخلت آيات قرآنية وأحاديث نبوية تحض على السلام.
مصفوفة مفاهيم حقوق الإنسان وثقافة السلام والقيم العالمية المشتركة”. أدخلت إلى المناهج الأردنية أيضا، للمرة الأولى، المواثيق الدولية الخاصة بالحقوق الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وثبتت الاتفاق العالمي المتعلق بالقضاء على التمييز ضد المرأة، وكذلك اتفاق حقوق الطفل، وأضافت إلى الكتب المدرسية مفاهيم جديدة، مثل التسامح ونبذ العنف والتعاون والتنوع الحضاري وآليات صنع السلام.
لكن الجدل حول المصفوفة في أوساط المعارضة السياسية والبرلمان… ركز على مسوغاتها وأهدافها، ولم يتطرق إلى عشرات النصوص والمفاهيم التي أدخلت عليها. وبدا أن رفض التعاطي مع مضامينها جاء احتجاجا على إسرائيل، والولايات المتحدة المصممة على ترسيخ “ثقافة جديدة” بعد أحداث 11 سبتمبر.
وتسوغ “المصفوفة” تحديث المناهج “بتطور فلسفات التربية والتعليم في العالم و إيلاؤها حقوق الإنسان وثقافة السلام وحوار الثقافات أهمية كبرى في محتوى النظام التربوي وفاعلياته” وترى أن “التراث العربي والإسلامي أفرد ركنا رئيسيا يؤكد أهمية تعريف مفاهيم ثقافة السلام من منظور الالتزام بالقيم والتراث العربي والإسلامي والانفتاح على الثقافات الأخرى واحترامها”، لاسيما أن “المنطقة مليئة بظروف وبؤر اجتماعية واقتصادية وسياسية توفر بيئة خصبة لنشوء الصراعات بين الأمم والشعوب، في حين أكدت القوانين الدولية والاتفاقات والمعاهدات المحلية والعالمية أهمية إعداد استراتيجيات وقائية وعلاجية وتضمينها في النظام التربوي لتقليل فرص حدوث النزاعات وحلها بطرق إبداعية وسليمة.
ويرى الإسلاميون، حسب باسل رفايعة، في الشارع وفي الجامعات وفي المؤسسة التشريعية، أن “السلام” لا يعني إلا “الاستسلام” وإرغام الأجيال المقبلة على قبول إسرائيل جزءا من “المنطقة”، وتناسي شعار “تحرير فلسطين من النهر إلى البحر”. وكذلك الأمر بالنسبة لتعبير “الانفتاح” وما يعنيه من استيراد لثقافة الانحلال وتوطينها في وعي الناشئة. أما “حوار الثقافات، ونبذ العنف” فليسا إلا وصفتين أمريكيتين لتكريس وبسط نفوذها على “العقول قبل الأرض في بلاد العرب والمسلمين”.
وباتت “المصفوفة” بسبب ذلك كله، مرفوضة جملة وتفصيلا، وأتى هذا الرفض على سائر المقترحات التربوية المتعلقة بحقوق المرأة والطفل، وحقوق المواطنين السياسية والمدنية والنقابية.
دافعت وزارة التربية والتعليم الأردنية، عن خطتها لتعديل المناهج، نافية تعارضها مع الثوابت الدينية والقومية والوطنية، ومؤكدة أنها “قرار وطني غير خاضع لأي إملاءات خارجية”.
وأكد وزير التربية والتعليم الدكتور خالد طوقان أن “عملية التطوير التربوي التي تقوم بها الوزارة تنطلق من ثوابت راسخة لا تعتمد العشوائي وليد اللحظة أو الناتج من تغيرات أو ظروف سياسية آنية وهي غير مرتبطة بأية استحقاقات سياسية”.
ووصف طوقان المنهاج بأنه “دينامي بنائي ينمو في شكل مستمر ووله محتوى تربوي تكاملي، وإذا لم يحدث بحسب مقتضيات التطور العالمي، يصبح خاملا وجامدا، ولا يلبي حاجات المجتمع”.
ونفى ما أثير حول توقيت “المصفوفة” ومحتواها، مبينا أن “الوزارة شرعت في إدخال مفاهيم حقوق الإنسان إلى المناهج الدراسية منذ تسعينات القرن الماضي، على خلفية تأسيس المغفور له الملك حسين المركز الوطني لحقوق الإنسان”.
وأضاف أن “المصفوفة تمثل حقوقا معترفا بها عالميا، وتنسجم مع التراث العربي والإسلامي، فلا أحد يقف ضد قيم العدل والمساواة والحق في التعليم والصحة والغذاء والبيئة النظيفة”.
وحول الاعتراضات التي طالت مشاركة اليونسكو في إعداد المصفوفة، قال طوقان: “اليونسكو جهة محايدة لا علاقة لها بالسياسة، ولا تعمل لحساب أحد”، موضحا أن “الوزارة قدمت من خلال إدارة المناهج 20 مشروعا لإجراء دراسة لمسح المفردات والمفاهيم الموجودة في المناهج الأردنية حول حقوق الإنسان، ووافقت اليونسكو على تمويل مشاريع قدمتها الجامعات والوزارات، من ضمنها هذه الدراسة”.
من جهة ثانية، لفت إلى مشروع التحول التربوي الذي أرست الوزارة أسسه العام الماضي تحت عنوان “التطوير التربوي نحو الاقتصاد المعرفي”، والذي يسعى “إلى إحداث تطوير نوعي في أربعة مكونات تشكل في مجموعها حلقات العملية التربوية.
يتمثل المكون الأول في إعادة توجيه السياسة التربوية واستراتيجياتها من خلال الإصلاح الحكومي والإداري، وتوفير نظام معلوماتي متكامل لدعم القرار التربوي، وتدريب العاملين في الوزارة على استخدامه، وتوظيفه بما يضمن معايير الجودة الشاملة”. وأشار إلى أن وزارة التربية “هي الوزارة العربية الوحيدة الحاصلة على شهادة “ايزو9000”.
أما المكون الثاني، “فيتعامل مع تغيير البرامج والممارسات التربوية لتحقيق مخرجات تعليمية تنسجم مع الاقتصاد المعرفي، من خلال تطوير المناهج وقياس التعليم . وتعمل الوزارة حاليا على تطوير مناهج الرياضيات والكيمياء وعلوم الأرض والبيئة والجغرافيا لتضاهي مناهج الدول المتقدمة. كما أعدت الوزارة مناهج الحاسوب للصفوف من السابع وحتى الثاني عشر بالتزامن مع إدخال أجهزة الحاسوب إلى المدارس.
ويتعلق المكون الثالث بتحسين البيئة المدرسية المشتملة على الأبنية والمرافق والمختبرات، فيما يركز المكون الرابع على التوسع في مرحلة رياض الأطفال، وطرح مناهج خاصة بها”.
وأوضح مصدر في وزارة التربية الأردنية أن المصفوفة تقوم على 4 محاور أساسية:
1- حقوق الإنسان وتشمل حق الحياة والحرية والمساواة والكرامة والمشاركة والمساءلة، والحق في إيفاء التأمينات الاجتماعية وحق العمل والحق في التعليم والتكافل والزواج وتكوين أسرة، والإنسانية في مفهومها العالمي، والعدالة، والحماية القانونية.
2- ثقافة السلام وتشمل السلام والحوار ونبذ العنف، والنزاعات وأبعادها واليات صنع السلام والتعاون والتنوع الحضاري والعالمية.
3- القيم المشتركة على الصعيد العالمي، وتشمل التربية والحداثة والديموقراطية وحماية البيئة وحماية التراث والمسؤولية المشتركة تجاه الإنسانية والحقوق الثقافية للإنسان.
4- النصوص الثقافية والأدبية والإبداعية المتنوعة والتي يبلغ عددها 81، واستبعد منها 223 مفهوما لكونها إما موجودة في المباحث الدراسية أصلا، وإما غير منا سبة للمستوى العمري للتلاميذ في المراحل العمرية المستهدفة. وخلص المصدر إلى أن “أعضاء إدارة المناهج سيعملون على إدخال مفاهيم المصفوفة سنويا و بشكل تدريجي إلى الكتب المدرسة”. (عن ليلى خليفة، جريدة الحياة، عدد 17 فبراير 2004).
وخلاصة القول، فإن هذه الدعوات إلى الإصلاح والتطوير، ومهما كانت منطلقاتها، تتفق في نهاية التحليل، على ضرورة أن يكون التغيير المنشود في برامجنا التعليمية وأهدافنا التربوية، ذاتياً ونابعاً من متطلبات الواقع و من احتياجات مجتمعاتنا العربية ومطامحها نحو السلم والتقدم والوحدة.
إننا نعتقد في ضرورة أن تبقى مناهج التعليم في أنظمتنا، فضلاً عن تفتحها على الغير ودعوتها إلى ترسيخ قيم التعاون والتسامح والازدهار، حريصة كل الحرص على مواجهة كافة المخاطر والتحديات التي تتعرض لها الأمة العربية، وفي مقدمتها الخطر الثقافي والمتمثل في الغزو الثقافي والفكري من الداخل والخارج وفرض الرأي الواحد والنموذج الحضاري الواحد والوحيد، وتكريس المعتقدات وأنماط السلوك الغربي، خاصة في مظاهرها السلبية والمنحرفة وبصفة أخص في توجهاتها نحو الهيمنة والسيطرة. ولتلك المخاطر، بطبيعة الحال، آثارها السلبية في الشخصية العربية – الإسلامية وعلى الفكر العربي ويمكن أن تُؤدي في النهاية إلى عزل الوجود العربي و تهميش دوره ومسخ مشروعه الحضاري وتطلعاته نحو الوحدة والسلم والرخاء.
كما أصبح التحدي القيمي والثقافي ملازماً للأمة العربية في حربها ضد الجهل والفقر والمرض. ولقد كان دائماً هدف الغرب هو نقل وفرض قيمه وأفكاره على الوطن العربي، بل وعلى العالم بأسره، انطلاقاً من قناعته بأن القيم والثقافة العربية والإسلامية تعطي للعالم العربي والإسلامي صفة التميز الحضاري، كما أن القيم والثقافة الفرانكفونية على سبيل المثال، تعطي لفرنسا وللعالم الناطق بالفرنسية ،صفة تميزه الحضاري عن العالم الأنجلوسكسوني أو الأمريكي اللاتيني أو الهندي أو الصيني… إننا نؤمن بضرورة التنوع والاختلاف وتعدد المحاور والأقطاب.
ولا يعني قولنا هذا أن مناهج التعليم والبرامج والكتب المدرسية المعمول بها في الوطن العربي، في غير حاجة للتطوير والتحديث بل بالعكس إنها بحاجة لمراجعة عميقة وشاملة.
إلا أن التطوير المطلوب، لابد وأن يستهدف تعزيز قدرات الطفل على التفاعل المبدع مع العصر وتمثل مكتسباته العلمية والتكنولوجية، والتعاطي العقلاني والموضوعي مع مختلف القضايا وذلك بإدراك الدلالة الحقيقية لمبادئ ديننا الحنيف، الإسلام، والتشبع بقيمه ومثله العليا. ويكون الإنسان في فكره وعمله نبراسا يقتدى به، لما يمتاز به من كفاءة و إبداع وقدرة على التفاعل والمشاركة الايجابية في مواجهة التحديات وبناء الحضارة الإنسانية، على أسس من العدل والمساواة واحترام الآخر ورفض كل أشكال العنف والهيمنة والطغيان. فضلا عن التميز بسمو الخلق والثقة بالنفس والاعتزاز الواعي بتاريخنا وبموروثنا الحضاري .
فلا أحد ينكر إذن، في عالمنا العربي، ضرورة تعديل مناهج التعليم وتطوير الطرق والاستراتيجيات التعليمية الملائمة، بحيث تتواءم مع احتياجات العصر الحديث والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يجتاح العالم في مختلف مناحيه. لكن تعديلاً ينحو لإنكار حقائق التاريخ وتحريف ما يمكن تحريفه خدمة لمصالح غريبة ونفي لكل ما قامت عليه الفلسفة التربوية للأمة، من قيم ومثل عليا ومبادئ عبر تاريخها المجيد، نقول إن تعديلاً مثل هذا مرفوض