حديث الجمعة.. يوم عالمي للحديث عن الحقوق لا عن الإنسان !!!   

بقلم الإعلامي: يونس إمغران

— منذ ثلاثة أيام فقط؛ أي يوم 10 دجنبر الماضي، احتفل العالم برمته  باليوم العالمي لحقوق الإنسان.. وهو احتفال مجازي وليس حقيقيا. لأن هذا الاحتفال لم يكن سوى إعادة تذكير الدول والحكومات بحقوق الإنسان، وتسميتها وترتيب أولوياتها، بينما الإنسان ككائن حي لم يعد قائما بمعناه الوجودي المتفاعل مع محيطه. وحتى وإن كان هذا الإنسان موجودا في منطقة من العالم تسمى الغرب وتمثلها أمريكا وأوربا، فإن هذا الإنسان يتمتع فعلا بحقوق عديدة فطرية ومكتسبة، لكنه، بالمقابل؛ يعمل على حرمان إنسان آخر في مناطق أخرى من هذه الحقوق بحجة أنه الأقوى، وأنه الأصلح، وأنه المتفوق الذي وجب أن يحافظ على نوعه. لذلك هو لا يتردد في استعمال الحرب والمؤامرة والتحايل، بل واستخدام جميع الأسلحة التقليدية والتدميرية والمحرمة قانونا وإنسانيا ضد شعوب شتى، أبرزها الشعوب التي تدين بالإسلام، إيمانا منه بأنه الأفضل.

       والواقع، هو أنني لم أفهم لحد الساعة، كيف لهذا الإنسان الغربي أن ينتدب نفسه لإنجاز تقارير بآلاف الصفحات ينتقد فيها وضع حقوق الإنسان في سوريا أو العراق أو باكستان أو فلسطين المحتلة أو إيران ويهدد بفرض عقوبات سياسية واقتصادية على هذه الدول، في حين أنه لا يتورع عن قتل آلاف من “إنسان” هذه الدول؟؟؟

      كما ينجز تقارير أخرى سوداء قاتمة عن وضع الإنسان في مصر والسعودية وباكستان، بينما يحمي حكومات هذه الدول وأنظمتها السياسية ويحول دون نجاح ثورات التغيير بها. فأي حقوق يتحدث عنها هذا الغربي المنافق؟ وأي إنسان يسعى إلى تكريمه؟؟؟.

      إن تسمية 10 دجنبرمن كل عام يوما عالميا لحقوق الإنسان قول باطل بكل مقاييس الواقع والتاريخ والمفهوم الغربي للحق الإنساني. بل لم أر في حياتي أكذب من هذا اليوم. لأن الغرب قد يؤمن بالإنسان وبحقوقه. لكن هذا الإنسان ليس في انتمائه القومي وفي هويته الثقافية وفي مرجعيته الدينية إلا إنسان الغرب.. الإنسان المسيحي / اليهودي.. الإنسان الأبيض. أما إذا رفع الغرب صوته صارخا في وجه الشعوب الأخرى غير الغربية المسيحية مهددا قائلا: احترموا حقوق الإنسان واجعلوا لها يوما عالميا للاحتفال. فإن فعله هذا لا يعدو أن يكون شعارا سياسيا (منه) للابتزاز والضغط وإبقاء وضع الإنسان غير الغربي على ما هو عليه من السوء  والظلم والتخلف.

      إن حقوق الإنسان لا تتحقق بالمشاركة السياسية في اختيار الحاكم، ولا بتوفير الطعام والشراب لأفراد الشعب وجماعاته، ولا بالمساواة بين المواطنين أمام القانون عند الاحتكام إليه. ولكن حقوق الإنسان الأصيلة والأصلية هي التي تحترم إنسانية الإنسان، وتحفظ آدميته، وتعزز فطرته، وتشعره بأن لا أحد أفضل منه وأنه مساوٍ لنوعه وفصيلته.. [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] سورة الحجرات 13.

     ومن ثَمَّ؛ فإن حقوق الإنسان ليست مطلقة أبدا، ولكنها نسبية. وهي لا تكمن في تحرر الإنسان من القيود الأخلاقية والسماح له بأن يسعى لقلب موازين الحياة الاجتماعية بالمثلية والزنا والفحشاء والمنكر، وبالقتل والتجويع والتدمير. كما أنها لا تجد مشروعيتها في أن يتحرر هذا الإنسان من عقيدة مجتمعه؛ وأن يعمل، بالتالي، على تسفيهها والنيل منها، بل ومحاربتها جهارا ونهارا وعلنا. أجل؛ من حقوق الانسان أن ينال الإنسان حريته فكريا واجتماعيا وسياسيا، لأنه ولد حرا ومستعصيا على الاستعباد والاستبعاد الاجتماعي. غير أن حريته لا ينبغي أن تعلو على حرية المجتمع، ولا يمكن لإرادته أن تنفلت من الانضباط لها أو تمتنع عن التقيد بآثارها القانونية والأخلاقية. إن الحرية بمفهومها الحيواني نختبرها في الغابة حيث الحيوان هائم على وجهه لا يخضع لأي ضابط قيمي أخلاقي، ولا إيمان له إلا بقوته التي يضمن بها وجوده وبقاءه في مواجهة حيوان آخر. أما الإنسان فلا حرية له: حقيقة ومعقولا، إلا بضمان حرية المجتمع.

     وعليه، فنحن لسنا في حاجة إلى أن ننتظر 10 دجنبر من كل سنة للاحتفال بالوهم العالمي لحقوق إنسانية ميتافيريقية، وخاصة في الوطن العربي والإسلامي. وإنما حاجتنا ماسة إلى أن نحدد مفهوما إنسانيا للحق، لا نعتدي من خلاله على فطريتنا، ولا نسمح فيه بأي استبداد سياسي أو اقتصادي، ولا بأي فساد أخلاقي أو مالي. ثم بعد ذلك نجعل من يومنا لحظةً بلحظة: في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والقانون؛ عيدا مستمرا نمارس فيه حقنا في الحياة بكرامة وحرية مسؤولة وقدرة على التعايش برحمة وسلام. [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا] سورة الإسراء 70.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد