نبوءة الزيتون

الشاعرة السورية الدكتورة ابتسام الصمادي

إلى كل شهيد من بلادي ليس آخرهم عبد الباسط الساروت:

قاد المسيرة صادحاً ما أبينه
كانوا جميعاً يهتفونَ
فلا يُرونَ ويسمعونَ
ووحدهُ كالمئذنه

***

شهَقَتْهُ أمٌ تحتويه بكل ما ملكتْ إلى
النفَسِ الأخيرْ
شمّتْ هفيف حضوره
فسرى عميقاً في الضمير
يا ليتها لم تدلق الماء المُجمَّع من حياء وجوهنا
مثل السراب
واخجلتي… هذا المُراق على الثرى
لا يغسل السيف المُخضّب بالمرارة والتراب
ليهبَّ من حيث استوى
سهماً على قوس الشباب
مُتهادياً مثل الوعود إذا تجيءْ
متسامقاً مثل السموِّ
وباذخاً كالصحوِّ فيه نبوءة الزيتونِ
كادت أن تُضيء

***

مَنْ أنت يا حامي الجراحِ
تطير من ردن الزمان وخلفك الوقت الذي
شُدّت إلى أوتاده سمرُ الخيام ؟!
يا أيها الغادي إلى البُعد الحرام
يا أيها الآتي من “الفتح المٌبين”
ومنَ “الضحى” و”ألم ترى”
متوشحاً بهديل أمك – ويح عمري –
كيف أقسمتَ اليمين ؟!
بالتين والزيتون والبلد الأمين ؟!
وبحقِ ما ستُهيلهُ حنّاءُ دمعتها عليك ؟!
وبحق أخمص سهلها وحريقِ نظرتها إليك ؟!
قل يا حبيب الله قلْ للنائمين
قل يا حبيب الله قل للمتناثرين
أن البلاد بطول ليل مخاضها
شدّتْ بجذع نخيلك العالي الجبين

***

هي أمك الأرض التي صُلبتْ على خشب الحياة
لا يعتلي سقف الأمومة فوقها
بل تنحني من تحته – إمّا تمرُّ – الأمهاتْ
هي أمك الأرض التي – ما هدّموا بيتاً – لها
نصبتْ خياماً دونه وتزنرت برضا البقاء
قل… مَنْ هي الأيدي التي ضاهت يديها في النقاء ؟!
أو مَنْ هو الحق الذي،
ضاهى على أعتابها شرْعَ الدخول ؟!
نامتْ – إذا نامت – على
كرسيّ يقظتها بعينٍ تحرس الأشجار والأنهار من
خيل المغول
وتربعتْ فوق الرؤى،
نَسَلتْ خيوط الفجر من ليل يطول

***

في القِدْرِ… كم طبختْ حصى ؟!
هشّت على غنمٍ عصا ؟!
ملحاً على جرحٍ وما قَبِلتْ حلول ؟!
من أطيب الأفعال رشّتْ ما أرادتْ أن تقول

***

لكبيرةٌ… يا أمهُ سِعةَ الفضا
وفضيةٌ سِعةَ الكِبرْ
مزروعةٌ مثل الشجر
ودفينة فوق التراب
وشهيدة تحت العذاب
لا لومَ عندك، لا سؤالَ ولا عتابْ
كالرمح وجهك في الطريق
فرداً يسير
فلا خؤولة
لا عمومة
لا صديقْ
تمشين قافلة بنُوق عذابنا،
يعوي وراءك كلُّ مأمورٌ صفيق
وأمام خطوكِ
يسقط الحُكّام، لا بل ساسةُ الدنيا
وتُجارُ الرقيق

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد